«بيروت أند بيوند» موسيقى تصدح بعيداً عن القيود وتبحر تجريباً: مهرجان يكبر ويتميز بالتفاعل والتعاون الفني محلياً عربياً ودولياً

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: إنها الموسيقى التي تصدح خارج السياق التقليدي للنغم، وتحلق بعيداً في استقلال تام عن القواعد والأسس الراسخة. هي الموسيقى المستقلة التي نجت من قيود شركات الإنتاج، أو ربما لا تبحث عنها الشركات مطلقاً، هذه الموسيقى شغلت بيروت على مدى ثلاثة أيام في مهرجان مختلف عن مهرجانات الصيف الكثيفة. إنه «بيروت أند بيوند» الذي ينهي دورته الرابعة مسجلاً النجاح الكبير مع فنانين لبنانيين وعرب ومن دول غربية متعددة، جاؤوا إلى بيروت لإيصال أفكارهم الفنية المميزة ببعض الجنون والجرأة.
للمهرجان اسم «بيروت أند بيوند» لأنه يهدف الوصول لما بعدها في المساحة الجغرافية. تقول رئيسة المهرجان أماني سمعان بالسعي الدائم لفتح مزيد من الآفاق للموسيقيين والموسيقى في لبنان وليست بيروت الحدود، بل هناك ما بعدها. بدأت جمعية «بيروت أند بيوند» نشاطها سنة 2013 وسط تكاثر فطري للمهرجانات في لبنان. الهدف الأكبر للجمعية حسب مديرة المهرجان يبدأ من السعي لتطوير الساحة الموسيقية في لبنان والعالم العربي، لكنه هدف يتحقق عبر أهداف أصغر. تحددها سمعان بمساعدة الموسيقيين والفنانين بأن تكون لهم مشاريع موسيقية طموحة من خلال «التشبيك» مع موسيقيين عالميين يتعاونون معهم موسيقياً أو إنتاجياً. وتضيف: في بيروت مهرجانات موسيقية أخرى مستقلة كما «ارتجال» المختص بالموسيقى التجريبية، إلى مهرجانات أخرى كبيرة كما بعلبك وبيت الدين وهي عريقة وقادرة. من جهتنا عيوننا وانتباهنا يصوب نحو الفرق الفنية الجديدة في لبنان والعالم العربي ونحاول تأمين مساحة عرض أمام الجمهور وأمام المختصين العالميين.
قراءة متأنية لبرنامج جمعية «بيروت أند بيوند» نرى الأهداف كبيرة جداً فكم تتيح القدرات المتوافرة تحقيقها؟ تجيب سمعان: قد تكون أهدافاً كبيرة. في دورة المهرجان الأولى استقبلنا عشرة مختصين فقط من العالم. ولم يكن للجمعية مجلس أمناء. مع الوقت بدأ التغيير يظهر. نحن الآن في الدورة الرابعة للمهرجان ومعه نشعر بأننا نغطي مساحة متروكة في الساحة الموسيقية اللبنانية. البناء يحتاج لوقت، ونحن نبني التعاون والتنسيق مع مهرجانات أخرى في الدول العربية والعالم. فنحن نتشارك في الهم والمشكلات عينها. وعندما يتعدد المتصدون لمشكلة يسهل التعامل معها. في التطور الذي حققناه أننا استقبلنا في الدورة الرابعة للمهرجان 40 مختصا. بين 10 و40 الفرق ملحوظ للغاية. هؤلاء المختصون والمختصات بالموسيقى لديهم هم التعرف على الجديد في الموسيقى العربية. فنحن أمام مشاريع طموحة وجميلة، والموسيقى التي سمعها المختصون والجمهور مميزة للغاية.
لماذا مجلس أمناء لجمعية موسيقية؟ تحدد أماني سمعان السبب: يتألف من ستة أشخاص مختلفي الاهتمامات والهدف دعم نشاطنا. أعضاء مجلس الأمناء هم مديرة مهرجان اوسلو، وهو داعم لنا منذ بدء خطواتنا، من المغرب ابراهيم المغنس وهو مؤسس «فيزا فور ميوزك» ومدير مهرجان تيميتار في أغادير، ومن لبنان غازي عبد الباقي الناشط منذ أكثر من 20 سنة في الموسيقى البديلة ويمتلك شركة فوروورك ميوزك التي انتجت العديد من الـ«سي ديز» لفنانين مميزين، ريما فرنجية التي تدعم المهرجان من خلال خبرتها في مهرجاني سينمائيات واهدنيات فهي تعتمد الطريقة عينها في مساعدة الموسيقيين، ومتخصصة فرنسية بالموسيقى العالمية وعضو «تياتر دو لافيل» إلى جمانة الياسري من معهد ساندانس وهي مختصة بموسيقى المنطقة العربية وقدراتها كبيرة لمساعدتنا.
مختصون غربيون، كم يعرفون هويتنا الفنية ويشعرون بها؟ أما من خشية من ضياع الهوية الفنية؟ هذا السؤال شكل محور نقاش في احدى ندواتنا التي عقدت في دار النمر بعنوان «الموسيقى والهوية». تقول رئيسة المهرجان: نحن نسأل كم تحافظ موسيقانا على هويتنا؟ المختصون الأجانب الذين نستضيفهم نحرص للتخطيط معهم لتعاون ما. في السنوات الماضية كان تعاون مع مهرجان أوسلو الموسيقي، وكذلك مع مؤسسات في سويسرا والسويد، وقد أثمر هذا التعاون عن تنظيم جولات للموسيقيين الذين شاركوا في مهرجان «بيروت أند بيوند» إلى السويد، وسويسرا، وفرنسا، والدانمارك والنروج. هذا التعاون حققه هؤلاء المختصون الذين يهتمون بتقديم الموسيقى الجيدة في بلدانهم والآتية من مختلف أنحاء العالم. لقد تحول «بيروت أند بيوند» إلى نافذة لهؤلاء المختصين ومن خلالها يتعرفون إلى الموسيقى الجميلة في العالم العربي.
بما أن «بيروت أند بيوند» تختص بمساعدة ودعم الموسيقى المستقلة سألنا أماني تعريفاً لها وللموسيقيين المستقلين؟ قالت: هي كل موسيقى بعيدة عن دوامة التجارة وشركات الإنتاج الضخمة. هم الموسيقيون الرافضون للدخول في آلية شركات الإنتاج ويفضلون الاهتمام بالموسيقى كقيمة قائمة بذاتها. استقبلنا في بيروت خلال المهرجان فرقة «نورديستان» المؤلفة من شاب وصبية من المغرب وشابين من فرنسا. هم الآن بصدد إنتاج الـ«سي دي» الأول دون توقيع مع أي شركة إنتاج، بل هم يدخرون من حفلاتهم وينتجون. يقول النقاد أن فرقة «نورديستان» تشكل مستقبل الموسيقى البديلة في المغرب. إنها الموسيقى المستقلة في حين أن شركات الإنتاج تفرض على الموسيقيين الكثير من التنازلات عن القيم الفنية والجمال بهدف ارضاء الاستهلاك. الموسيقى المستقلة تحترم الكلمة وتقدر الابتكار. بعد أربع سنوات من المهرجان وبعد توسع واضح في البرنامج والضيوف هل من تحديد لجمهور «بيروت أند بيوند»؟ هو جمهور يكبر وليس لنا تحديده تقول سمعان. وتضيف: اختبرنا جمهوراً متنوعاً ومتفاوتاً في العمر ويبدأ من 15 إلى 55 سنة تقريباً. نصف جمهورنا بأنه شغوف باكتشاف الجديد في الموسيقى وكل من يرغب بسماع الجميل من الأنغام.
في قراءة ومتابعة الندوات التي شكلت أساساً للمهرجان ثمة شعور بأنه يتخذ منحى أكاديميا. توضح رئيسة المهرجان بعض أهدافه: تعريف الموسيقيين العالميين على موسيقى المنطقة العربية. وكذلك العمل على مزيد من تطوير الساحة الموسيقية وأن نفكر معاً وصولاً إلى مساعدة الموسيقيين بحيث تتمكن هذه الموسيقى كصناعة من الاكتفاء الذاتي. لهذا ترافقت الحفلات الموسيقية مع البرنامج المتخصص في البحث لمساعدة الموسيقيين. كان على درجة عالية من الأهمية البحث الذي قاده مختصون حول البنى التحتية للموسيقى. السؤال عن الإنتاج بشكل أفضل مطروح على الدوام ويجب أن يؤدي لما هو مثمر بالنسبة للموسيقيين.
كم توصلت ندوة «الموسيقى العربية الميتمة» إلى إجابات؟ تكلم في هذه الندوة مختصون لهم خبرات واسعة. وتضيف سمعان: ليست الإجابات موجودة على الدوام. النقاش مهم، وليس لندوة أن تجد حلولاً لكافة مشاكل البنى التحتية للموسيقى في العالم العربي. مثلاً تعاوننا مع مهرجانات أوسلو والمغرب وكذلك مهرجان البلد في الأردن ساعد نسبياً في حل مشكلات التنقل بين البلدان وهي من العقبات التي يواجهها الموسيقيون. الحصول على فيزا من الأمور الشائكة أحياناً.
اعتمدتم في مهرجانكم مهمة القيِّم وأسندت لوائل قديح إنها مستجدة في عالم الفن فما هي؟ في السنوات الثلاث الماضية كان الموسيقي اللبناني خالد ياسين المدير الفني للمهرجان ومولج باختيار الفرق الفنية. وتضيف سمعان: قررنا أن يكون للمهرجان قيِّم يتبدل كل عام. مهمته اختيار الموسيقيين وموضوعات النقاش. ان نبدل القيِّم الفني فهذا اختبار شخصي للموسيقي في مهمة البرمجة. الفرق الموسيقية التي اختارها الفنان وائل قديح تشبهه لجهة غلبة الموسيقى الإلكترونية التي اختص بها. وبالمناسبة يحمل وائل لقب «ريس بيك» وهو من أسس قبل 16 سنة أول فرقة لموسيقى الهيب هوب في العالم العربي والمعروفة بـ «عكس السير».
اعتمدتم كذلك تعبير الإقامة الفنية لكل من فرقة «غولة» وفرقة «لتلته» هل هو ولوج إلى المزيد من الأكاديمية؟ بل إلى مزيد من الاحتراف، تقول سمعان وتتابع: هي مساحة تتيح للموسيقيين التمارين والاختبار. مثلاً فرقة «غولة» التونسية احيت حفلها الأول في عيد الموسيقى في حزيران/يونيو الماضي، وحفلها الثاني في «بيروت أند بيوند». هم بأمس الحاجة للبحث والتفكير بموسيقاهم وفرقتهم، البحث في الإضاءة والصوت وكل ما يحتاجونه. «غولة» اكتشاف بالنسبة لنا وهي من أجمل الفرق الموسيقية. فرقة «لتلته» هاجرت من بيروت إلى أوروبا. هم شبان من سوريا قررنا مشاركتهم في مهرجاننا، وكانت لهم صفة الإقامة الفنية بهدف التمارين لأن حفلهم تمّ بالتعاون مع كيمو والرجل الحديدي وهما «رابيرز» الأول سوري فلبيني، والثاني لبناني.
أسماء لفرق فنية ولفنانين تفوح منها رائحة التمرد الموسيقي المحبب. لقد تحول العود إلى موسيقى الروك الإلكترونية على يد فرقة «سكيد كرافان» ربما هذا سيؤرق محمد القصــبجي في مثواه، لكنه سيقع في باب الاختبار في ذائقة جيل اليوم.
في النصف الأول من كانون الأول/ديسمبر يقع توقيت مهرجان «بيروت أند بيوند» وجاء صدفة. صدفة ملائمة إذ لا كثافة مهرجانات خلالها والناس تحاول الاحتفاء بنهاية العام. هذا المهرجان شارك في تأسيسه خالد ياسين، هاني سبليني، زياد فايد وأماني سمعان، وبينهم الموسيقي، مهندس الصوت والمستمع. في التمويل الدعم متوفر بحدود من وزارة الثقافة، ومن الممولين الذين يوافقون على البرنامج، وزارة الثقافة النرويجية، ومؤسسة آفاق، وتساعد السفارات في تكاليف الفنانين الآتين من بلدانها وكذلك المعاهد الثقافية، وفي الختام يأتي بدل بيع البطاقات.

«بيروت أند بيوند» موسيقى تصدح بعيداً عن القيود وتبحر تجريباً: مهرجان يكبر ويتميز بالتفاعل والتعاون الفني محلياً عربياً ودولياً

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية