«يا ليل يا عين» كتاب يختصر زمناً بصمته فنانات المرحلة الذهبية: لميا زيادة تكشف أنغام السينما من مصر إلى بلاد الشام

حجم الخط
0

 

حياة الليل بما فيها من موسيقى، وشعر، وحب، وعشق، وفن، ومؤمرات، ومكائد رجال ونساء، وسياسة، ومخابرات وأفول مراحل وحلول أخرى مكانها يختصرها كتاب «يا ليل يا عين» أو القاهرة بيروت دمشق القدس.
هو قرن من الزمن العربي أرخّ لنجوم فن، وسياسة ومال، وللنساء فيه أثر بالغ. لميا زيادة واضعة المؤلف المثير للاهتمام تناولته بمسؤولية، صدر بالفرنسية ومن ثم العربية عن «هاشيت أنطوان». 560 صفحة زينتها الكاتبة برسوم الريشة الملونة لشخصيات ولأحداث مهمة. في الكتاب أفول للعثمانية، والانتداب الفرنسي والبريطاني، واحتلال لفلسطين، وتأميم لقناة السويس ونكسة 1967.
إذاً هو تاريخ من فن حفر في ذاكرة الكاتبة منذ ولدت وفيلا اسمهان بالقرب من بيتها في منطقة مار نقولا بالأشرفية، وكذلك حكايات من جدتها وجدها التاجر المعروف. اجتهدت وكشفت أوراقاً من أنغام، وتاريخاً من شرائط وأفلام. القسم الأول يبدأ مع «أمال» أسمهان التي ولدت على متن باخرة قادمة من تركيا سنة 1917. والدها الأمير فهد الأطرش من جبل الدروز في سوريا، ووالدتها الأميرة عليا من حاصبيا في لبنان. إقامة قصيرة بين بيروت والسويداء، تقرر الأم الهجرة إلى مصر مع أطفالها. وهناك صارت الأميرة الكادحة، عملت في الخياطة والغسيل لتعيل وتُعلم ابناءها.
استقبلت مصر العديد من النساء اللبنانيات وصار لبعضهن اسم في الفن والصحافة، منهن بديعة مصابني، وروز اليوسف التي لفتت الأنظار بتمثيلها في عمر المراهقة دور عجوز سبعينية. قررت أن تكون لها مجلة «روز اليوسف» لإنصاف الفنانات من شائعات الصحف الأخرى. أما محمد عبد الوهاب المعروف بأناقته والذي كان يغني قبل أن تنبت لحيته تعرّف باكراً إلى الشاعر أحمد شوقي الذي رعاه، ومنحه مسكناً في فيلته.
تزايد عدد النسوة البارزات والجريئات في مصر منهن آسيا داغر، وظهرت حركة هدى شعراوي واختلط الفن بالسياسة، سعد زغلول وغيره من السياسيين كانوا من رواد مسرح منيرة المهدية في شارع عماد الدين. وفي عوّامتها انعقد مرّة مجلس الوزراء هرباً من رقابة الانكليز.
أما أمال الأطرش فكانت قنبلة فن تترصد لحظة الإنفجار، كذلك كان يتحضر في «طماي الزهايرة» صوت أم كلثوم. كان والدها منشداً للتواشيح الدينية. تعلمت تجويد القرآن في الكتّاب. غنّت للمرة الأولى بملابس الأولاد لمرض شقيقها، فالتواشيح الدينية كانت حكراً على الذكور. وأصرّ والدها أن تستمر بملابس الذكور، فزكريا أحمد الذي سبقها في الفن يذكر قول والده له: «ربنا يكون في عونك، ابن عيلة وعايز تبقى واحد من اللي عايشين على «يا ليل يا عين» روح شفلك شغلانة محترمة يا ابني». زكريا أحمد كشف صوت أم كلثوم في «السنبلاوين»، وساعد والدها للنزول إلى القاهرة. وهناك استمعت النخب الفكرية والسياسية للصوت المتنكر بملابس الصبية وللوجه المخفي بالكوفية وكانت الصدمة تكبر بالتدريج. صدفة وصلت أم كلثوم إلى القاهرة والمدينة تستعد لاستقبال سعد زغلول العائد من المنفى، فراحت تشدوا مع الجماهير نشيد سيد درويش الذي وضع خصيصاً للمناسبة «بلادي بلادي بلادي». أما أم كلثوم التي صعق صوتها جميع الملحنين والعازفين فهم تدافعوا لتعليمها مجاناً. وبدأت تتعلم كيف تشق طريقها وتتعامل مع الوسط، وسريعاً صارت لها حفلات في سوريا، العراق، لبنان وفلسطين. وفي القدس تبرعت بأجرها للصندوق المخصص لمقاومة الاحتلال الإنكليزي والهجرة اليهودية. اطمأنت أم كلثوم إلى عرشها، لكن حين غنّت اسمهان للمرة الأولى في دار الأوبرا أحست بالمنافسة، لكن الصوت نفسه ومسار صاحبته كانا كفيلان بأن يبعد المنافسة. وعززت أم كلثوم حضورها في السينما، ومع تأسيس «استوديوهات مصر» كان الإنتاج الأول لها فيلم «وداد». ومع تأسيس الإذاعة كان لها سطوتها فحصلت سنة 1937 على حق بث حفلها عشية أول خميس من كل شهر. وحينها كانت الشوارع تقفر والحياة تتوقف.
كثرت مشاكل اسمهان العائلية. تزوجت من الأمير حسن الأطرش وعادت إلى السويداء، ثم عادت بشوق لأخويها فؤاد وفريد ووالدتها، وفي أحشائها ابنتها الوحيدة كاميليا. وراحت بعدها إلى حياة الليل والكذب. استشاط غضب فؤاد فهي امرأة متزوجة، ولم يفلح في ردّها إلى الصواب. وبعد لقائها بالصحافي الأكثر نفوذا محمد التابعي، كان لقاؤها التالي بالرجل الأكثر نفوذاً في مصر بعد وفاة الملك فؤاد وهو الباشا أحمد محمد حسنين. حاصرتها المتاعب لاحقاً، فالرجل عشيق الملكة نازلي ووصياً على ابنها الملك فاروق. وفي الغناء حلّقت اسمهان في «يا طيور» التي كتبها القصبجي لأم كلثوم ولم تتمكن من غنائها فزاد اعداؤها. وصلت أخبار ملكة الليل في القاهرة إلى السويداء وكان الطلاق وقوفاً وفي فندق «ميناهوس» حيث وجدها الأمير حسن في بهوه تدخن وتثرثر.
إلى أعماق السياسة غطست اسمهان. في سنة 1941 صدمت بدخول الألمان باريس وصار شارع عماد الدين ونواديه يعج بالضباط الفرنسيين والإنكليز، وبينهم ابن تشرشل، وكلّف الإنكليز اسمهان بمهمة سرية في سوريا تسهيلاً لاجتياحها مع قوات فرنسا الحرة. هي الحاجة للمرور بجبل الدروز وصولا ً إلى دمشق للخلاص من قوات فيشي، والثمن وعد بالاستقلال. حملت الرسالة بعد تدريبات على الخرائط والسلاح من فنادق القاهرة إلى الملك داوود في القدس. وبررت اسمهان فعلتها بالواجب الوطني. أبلغت الرسالة، وتزوجت الأمير حسن ثانية، ولكنها لم تعرف الاستقرار. غادرت إلى القدس وزادت من بعثرتها للمال، وكانت توقع بالضباط الانكليز «بدقة وسرعة سلاح رشاش». اتهمت بأنها عميلة مزدوجة. أيامها الصاخبة في القدس مع البريطانيين، أدت بالدروز لقرار بالتخلص منها. وصل الأمير حسن إلى القدس وأبلغها بالطلاق الثاني. فيلم «غرام وانتقام» أعادها إلى القاهرة بعد قرانها بأحمد سالم لتتمكن من الدخول. مثلت وغنت أجمل أغانيها. مزاجها البركاني أعادها للسهر والكحول وفي ليلة انتهى التصوير باكراً وعادت مع الفجر وكان عراك، واطلاق نار وأصيب سالم وراح في غيبوبة. وقبل أن تظهر الحقيقة كانت اسمهان تلقى حتفها في 14 تموز/يوليو على طريق رأس البر التي قصدتها طلباً للراحة مع صديقتها ماري قلاّدة. انعطف السائق إلى اليمين وخرج من السيارة تاركاً من فيها للماء. اختفى السائق، وحدها تكهنات لا تحصى شاعت عن القاتل. الراغبون كثر والهدف واحد امرأة غرقت حيث لا يجب في السياسة والحب والفن.
في تداخل الفن بالسياسة نالت سامية جمال لقب الراقصة الوطنية الأولى من الملك فاروق! وكان لأم كلثوم تسلطها على الإذاعة وسطوتها. حفلاتها صارت تظاهرات سياسية في ظل تعسف الملك والاستياء من البريطانيين خاصة مع غنائها: وما نيل المطالب بالتمني… إنما تؤخذ الدنيا غِلابا. وجدها الناس صاحبة رسالة. وعندما غنّت رباعيات الخيّام تمتعت بالجرأة. وحلّت النكبة وبقيت مجموعة من الضباط المصريين محاصرة في الفلوجة في فلسطين، وبعد ثلاثة أشهر عادوا، واستقبلتهم أم كلثوم في فيلتها كالأبطال ومن بينهم كان النقيب جمال عبد الناصر. توافدت إلى مصر من لبنان سعاد محمد، نور الهدى، صباح وأخريات لكن أحداً لم ينافس أم كلثوم، وكان عبد الناصر يتابع حفلاتها أحياناً ويجلس في المقعد الأمامي. وبحلول الثورة سنة 1952 لاحظت أم كلثوم غياب صوتها من الإذاعة فاكتأبت. علم عبد الناصر واستفسر فقيل له أنها غنت لفاروق، فكان رده والشمس أشرقت في زمنه؟ وعادت أغنياتها كما السابق. ومع تأميم قناة السويس كان لمصر عهد جديد مع السينما والموسيقى، ولم يمنع عبد الناصر فيلماً، وكان لبيروت أن تبدأ عصراً جديداً مع الفن وجاء يوسف شاهين وبركات إلى بيروت لإخراج أفلام لفيروز التي ترفض ترك أطفالها. وكانت كذلك رائعة «أنت عمري» التي جمعت عبد الوهاب وأم كلثوم بتشجيع من عبد الناصر. وفي المقلب الآخر من المشرق كانت فيروز تخط درباً مختلفاً برفض الغناء في القصور الرئاسية أو سواها، من يريدها يقصدها إلى المسرح من شاه إيران إلى بورقيبة خلال زيارتهما لبيروت. حلّت النكسة، تبرعّت أم كلثوم بمجوهراتها للمجهود الحربي وداهمتها الكآبة. ومن ثم كرّست حفلاتها لوطنها وباشرت جولاتها. ففي مسرح الأولمبيا في باريس شكلت سابقة. أجرها أعلى من ماريا كالاس. قصدوا حفلها من كل العالم وبخاصة اليهود الذين غادروا مصر بعد 1956. ومعها عاشت الصالة لحظات هستيرية. ومن ثم كانت لها جولات بين المحيط والخليج العربي. لكن القدر جعلها تلغي حفلين في موسكو وتعود، فعبد الناصر فارق الحياة في أيلول/سبتمبر 1970. وكان مجموع ما جنته لمصر بحدود اربعة ملايين دولار. ومع قرار عودتها للغناء في كانون الثاني/يناير 1971 كررت مقطع «مرت الأيام» وصوتها محمل بالبكاء والألم والمقطع فرِح وبكت. فمزاجها غير مؤات للفرح. بعدها لاقت معاكسة من جيهان السادات. وعندما احترقت دار الأوبرا تمنت أم كلثوم الموت السريع. وكان لها ذلك في شباط/فبراير 1975. غابت الست وأفل عصر كان ذهبياً، تداخلت فيه السياسة بالفن. عصر لن يتكرر بهذه القوة في العالم العربي، وإن كان السياسيون يهوون أهل الفن.

لميا زيادة: «يا ليل يا عين»
«هاشيت أنطوان»، بيروت 2015
70 5صفحة

«يا ليل يا عين» كتاب يختصر زمناً بصمته فنانات المرحلة الذهبية: لميا زيادة تكشف أنغام السينما من مصر إلى بلاد الشام

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية