رجع ابن القاضي إلى الحجرة التي بها القراء فوجدهم قد توقفوا عن القراءة لتناول الشاي ووجدهم يتحدثون حول الملبوسات الحلال والملبوسات الحرام بالنسبة للرجال والنساء. فقال أحد الشيوخ الذي يعتبر أن مصنف خليل ابن اسحاق في الفقه المالكي جزء مكمل للقرآن، قال مجيباً من سأله: «هل يجوز للرجل لبس الذهب أم لا؟»، قال مستشهداً بخليله «إلا المصحف والسيف والأنف وربط سنين مطلقاً…». وقال له سائل آخر: «والمرأة؟» فأجاب مستشهداً بنفس المؤلف: «وجاز للمرأة الملبوس مطلقاً ولو نعلاً لا كسرير…» فسأل أحدهم: «لماذا لا يجوز لها أن تستعمل السرير؟» فأجابه: «لا يجوز لها أن تستعمل سرير الذهب لأن زوجها يشاركها فيه». فقال أحدهم: «ولكن الناس الآن يلبسون الذهب رجالاً ونساء ما عدا من لم يجد إليه سبيلاً». فقال الشيخ: «إننا في آخر الزمان، وحسبنا الله ونعم الوكيل».
وقال سائل آخر: «وإذا صلى إنسان وهو يحمل ساعة ذهب، هل صلاته صحيحة أم باطلة؟» فقال الشيخ مستشهداً بسيده خليل كما يسميه: «عصى وصحت».
وكان الشيخ يحفظ مصنف خليل عن ظهر قلب، مما جعل الجميع يعترف له بالبراعة وسعة العلم ما عدا واحداً من بين أولئك القراء كان يعتبر أن علم الشيخ الفقيه غير صحيح لانه لا يعرف علم النحو. وكان هو قد قرأ في صغره متن الأجرومية في النحو وألفية ابن مالك على أحد الشيوخ في زاوية ابن الحملاوي. وكان شيخه النحوي الذي علّمه بعض القواعد النحوية يقول لتلاميذه دائماً: «النحو هو مفتاح العلوم». وهكذا رسخ في ذهنه منذ ذلك الزمان أن العلوم بيوت مغلقة لا يستطيع الدخول إليها إلا من ملك المفتاح: «النحو». وكان يعتبر نفسه بالنسبة لبقية زملائه من حفظة القرآن، «متقدماً». وفي الواقع كانوا كلهم يخشونه لسلاطة لسانه. وكذلك لعدم معرفتهم النحو الذي لا يفتأ يجادل به كل من حاول إظهار نفسه ومعارفه بين الناس.
وكان سكان القرية ينادونه «الشيخ» تجوزاً، فهو لا يتعمم كالآخرين ولا يحمل مسبحة. وبالإضافة إلى ذلك فهو يقرأ الجرائد وشيوخ القرآن لا يقرأونها إطلاقاً. وفي الواقع كان فهمه لما في الجرائد التي يطالعها مخالفاً لما تتحدث عنه جملة وتفصيلاً كما يقولون. ولم تكن مطالعاته للجرائد منظمة مسترسلة، كان يطالع كل ما يقع بين يديه. وهكذا تستطيع أن تراه يوماً بصدد مطالعة جريدة مضى على تاريخ صدورها سنوات.
واتجه إليه أحد الفلاحين بسؤال لا في الفقه ولا في التوحيد ولكن في شيء آخر لم يتعود شيوخ القرآن الإفتاء فيه، فقال: «ما هي الاشتراكية يا الشيخ الصادق؟» فدهش شيوخ القرآن لهذا السؤال الغريب، ولكن الشيخ الصادق أجاب على الفور قائلاً: «الاشتراكية، مصدر. اشترك يشترك اشتراكية». لم يفهم أحد شيئاً من قوله طبعاً، ولكنهم كلهم أبدوا قناعتهم وإعجابهم بهذا العلم الذي يعرفه صاحبهم: «علم النحو»! وأعاد أحدهم متمماً: «اشترك يشترك اشتراكية. سبحان الله العظيم! الاشتراكية مصدر! كل الناس يتحدثون عنها ولكنهم لا يفهمونها بينما هي مصدر…».
لكن كلمة «مصدر» أيضاً حيّرت الشيخ المتمم، وتحرج أن يسأل زميله عن المصدر ما هو. وبعد تردد بينه وبين نفسه عزم على السؤال، لأن هذا الموضوع صار حديث الناس في كل مكان، وخشي أن يُسأل يوماً من طرف أحد الفلاحين فلا يقدر على الجواب، فقال متجهاً إلى الشيخ الصادق: «علم النحو علم جليل». فقاطعه هذا قائلاً في تأكيد: «هو مفتاح العلوم، سبحان الله!» وواصل قائلاً: «يقول العالم العلامة البحر الفهامة النحرير الدراكة الشهير الشيخ خالد بن عبد الله بن أبي بكر الأزهري شارح الأجرومية: الحمد لله رافع مقام المنتصبين لنفع العبيد، الخافضين جناحهم للمستفيد، الجازمين… بأن تسهيل النحو إلى العلوم من الله من غير شك ولا ترديد. كان شيخنا يقول لنا: قال الرسول صلى الله عليه وسلـم: أنا مدينة العلم وعليّ بابها. وأنا أقول لكم يا أولادي: العلوم بيوت مغلقة الأبواب والنحو مفتاحها». فردّ الآخر مصدقاً: «صحيح، صحيح… لكن يا الشيخ الصادق ما معنى مصدر؟» وهمس أحد الفلاحين إلى من بجانبه قائلاً: «حتى هذا يفهم؟».
فقال الشيخ الصادق مجيباً زميله: «اشترك فعل ماض، يشترك فعل مضارع، اشتراكية مصدر. وهناك خلاف بين العلماء فمنهم من يقول بأن الفعل هو الأصل»، فردّ السائل قائلاً: «خلاف بين العلماء… لهذا لم أفهم المصدر»، فقاطعه الشيخ الصادق قائلاً: «علم النحو صعب صعب، أصعب من كل العلوم، لأنه هو مفتاحها».
فقال السائل: «نعم، نعم، صعب جداً لهذا لم أفهم المصدر»، قال ذلك وهو يريد أن يقول: «الآن فهمت».
وكان الفلاح طوال هذا الحديث الذي جرى بين الرجلين مصغياً بكل جوارحه ولكنه لم يفهم شيئاً. وقال في نفسه متذمراً: «أنا اسأل عن الاشتراكية وهو يتكلم في النحو…». وصرح قائلاً في ابتسام ساذج: «أنا يا الشيخ ما زلت لم أفهم». فقال الشيخ الصادق ضاحكاً: «الغريب هو لو فهمت!» فقال الفلاح في امتعاض وقد لاحظ ضحك الحضور: «أنا يا الشيخ سألتك عن الاشتراكية التي تتحدث عنها الحكومة، لا الاشتراكية الأخرى»، فقال الشيخ الصادق بنفس الابتسام الساخر: «سواء كانت الاشتراكية التي تتحدث عنها الحكومة أو واحدة أخرى، كيف ما كانت الاشتراكية فهي مصدر، والسلام».
ورأى عابد بن القاضي أن الفرصة سنحت للتدخل فقال: «دعونا من هذا وحدثونا عن موضوع آخر»، فقال الفلاح في تحد: «أنت والاشتراكية أعداء نعرف هذا، لأنك تخاف على أرضك أما نحن الذين لا نملك شيئاً فلا نحاف الاشتراكية ولا غيرها».
فقال له ابن القاضي في غضب مكظوم: «كل الناس يعرفون أنك لا تخاف من أي شيء، لا من الحكومة ولا من الله». فردّ الفلاح: «يخاف من الحكومة السارق، وأنا لست سارقاً. ويخاف من الله المذنب، وأنا لست مذنباً…».
ولما رأى شيوخ القرآن أن الكلام اتخذ منعرجاً خطيراً أومأوا إلى بعضهم بعضاً باستئناف التلاوة الجماعية، وعوذ المسن فيهم: «بسم الله الرحمن الرحيـم، تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلونكم أيكم أحسن عملاً…».
وبذلك حسموا ما كاد يقع من نزاع. وكان الليل حينئذ في ثلثه الأخير، وأخذ الحرّ يزداد والجو يثقل، بدل البرودة والاعتدال الذي ينبغي أن يأتي بهما آخر الليل. والتفت أحد الفلاحين إلى من بجانبه قائلاً: «هذه حرارة القبلي (ريح الجنوب) لا شك أنه وراء الجبال يتململ ولا يلبث أن يصل بزئيره وجحيمه». فردّ عليه صاحبه: «القبلي، لا شك في ذلك. سيذرو كل ما جمع الناس من حصاد».
كان البيت الذي يجلس به الرجال ألطف هواء بالليل، لا لوسعه ولكن لأنه لا باب له ولا طين يسدّ ما في حيطانه من منافذ. كان في الواقع عبارة عن فناء مسقوف، أما البيت الذي تجلس به النساء فكان في هاته الليلة بالرغم من اتساعه شديد الحرارة لاكتظاظه بالنساء والأطفال.
وحاولت نفيسة أن تنام عبثاً. كانت تشعر بدوار شديد من جراء الهرج وعدم النوم ليلتين متواليتين. وكانت تحس أيضاً بنوع من الحيرة وضيق النفس لم تعرف أسبابهما. بيد أن أسباب ضيق نفسها هي أحاديث النساء المختلفة التي سمعتها في تلك الليلة، والتي كانت في جملتها تدور حول موضوع الزواج. فقد سمعت إحداهن تحكي عن فتاة في السابعة عشرة من العمر، أعطاها أبوها مقابل مهر يتركب من قنطارين برّا وكبشين وعشرة ليترات من الزيت وخمسة سمناً وألف دينار، واشترط الملابس خمسة خمسة من كل ملبوس، كما اشترط سوارين وحزاماً من فضة وقرطين وخاتماً وسلسلة من ذهب. ولما جاءت ليلة الدخول وجدها زوجها ثيباً فأرجعها إلى دار أبيها في ليلتها تلك. وخافت الفتاة أن يقتلها أبوها ففرت إلى مكان مجهول. وقد حكت المرأة أنّ أمّ الفتاة اختل عقلها لوعة وحزناً على ما حلّ بدارها من عار وعلى ابنتها الوحيدة التي لا يعرف أحد ماذا جرى لها بالرغم من البحث عنها في كل مكان. وذكرت المرأة أن الفتاة قد تكون انتحرت في مكان لا يعرفه أحد.
من «ريح الجنوب»، 1971
أديب الريادات المتعددة
الأديب الجزائري (1925ـ1996) رائد على أكثر من صعيد، أدبي وثقافي وإنساني. ولعلّ روايته «ريح الجنوب»، التي صدرت سنة 1971، تعكس أنماط هذه الريادة، من حيث الفنّ الروائي الجزائري باللغة العربية، والتوغل عميقاً في الشخصية الشعبية والريفية الجزائرية، وتقديم المرأة في صورة إنسانية أكثر صدقاً وحرارة وجسارة. ولقد اقترنت حياة بن هدوقة بالسياسة عموماً، والكفاح ضدّ الاستعمار، سواء في بلده الجزائر، أو في تونس (حيث سُجن ذات مرّة)، وفي فرنسا؛ وكذلك بعد استقلال الجزائر، من خلال أنشطته الأدبية والإعلامية.
وفي تلخيص موقفه من الكتابة، و»فلسفة» التعبير الأدبي عموماً، كتب بن هدوقة: «حاولت في ما كتبته على تواضعه، أن أعالج نقاط التأزم الرئيسية في الوضع الجزائري بصفة تدخل أكبر قدر من المستقبل في الحاضر، وتبتعد عن المضامين الجاهزة والأشكال النابعة من مراكز خارجية، اعتقاداً مني بأن الانطلاق من المعطيات التاريخية المحلية لكل قطر عربي، لو روعيت في أعمالنا الأدبية لأرجعت لنا شيئاً من الكرامة، وجنبتنا كثيرا من مزالق الاستلاب، فالثقافة العربية التي عاش العالم على كرمها الروحي ما يقرب من الألف سنة لا تستحق هذا الواقع الذي وضعها فيه تخلفنا المادي والسياسي».
بين أعماله، في الشعر: «الأشعة السبعة»، و»الأرواح الشاغرة»؛ وفي الرواية والقصة القصيرة: «الكاتب وقصص أخرى»، «ظلال جزائرية»، «نهاية ألمس»، «بان الصبح»، «الجازية والدرويش»، و»غداً يوم جديد». كما نقل إلى العربية بعض الأعمال، في الأدب والسياسة.
عبد الحميد بن هدوقة