حلب اليتمية داخل قاعة مجلس الأمن اللئيمة

نيويورك -«القدس العربي»: لم يكن نفاق المجتمع الدولي في التباكي على مأساة حلب بأكثر منه وضوحا مثلما كان يوم الخامس من شهر كانون الأول/ديسمبر من هذا الشهر. فقد عقد مجلس الأمن الدولي جلسة استمرت أربع ساعات كاملة لمناقشة مشروع قرار يتحدث ببساطة عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوع من أجل ايصال المساعدات الإنسانية واخلاء الجرحى والمرضى أساسا. كان المطلوب هدنة فقط يستأنف بعدها القتل الجماعي للمدنيين لكن الفيتو المزدوج كان بالمرصاد ولأسباب لا تتعلق أحيانا بالمضمون بل بالشكل وبعدم إكتمال المشاورات أو بالضغط للتصويت على عجل.

تحدث في الجلسة كافة أعضاء مجلس الأمن إضافة إلى الممثل الدائم لسوريا بشار الجعفري. وإذا قرأت بين السطور في كلمات الوفود تجد أن أطفال حلب ونساءها وشيوخها ومرضاها وجرحاها قد ضاعوا بين الشقوق وفي الكلملت والجمل الغامضة التي قد لا تعني شيئا أو تعني الشيء ونقيضه على الطريقة البريطانية وكان المظهر الأوضح للجلسة أن هذه الدول كانت في جلسة مناكفة حامية ضاع فيها أبناء حلب بين من يتهم الطرف الآخر بتمويل الإرهاب فيرد الآخر بأنه يرتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ولا يملك من يراقب مثل هذه الجلسات عن قرب إلا أن يقسم أن الطرفين كانا على صواب.

هناك من يريد أن يثبت أن مندوب روسيا يكذب ومن يحاول أن يتهكم على من يدعي بأنه ضد الإرهاب وهو يرعاه ومن يحاول أن يثبت للآخرين أن هذا المندوب ملطخة أياديه بالدماء. بعضهم حاول أن يمثل تبنيه لأحزان ومصائب أطفال حلب لكن التعابير الخشبية كانت تفضح ما بالداخل. بعض المندوبين كان يلقي خطابا في المجلس ولكن خطابه في الأساس موجه إلى داخل بلاده ليزيد، أو هكذا يظن، في شعبية زعيم رديء لا شعبية له.

استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) للمرة السادسة في المسألة السورية ولحقتها الصين فاستعملت الفيتو للمرة الخامسة. ولم يجدا هذه المرة يدا ترتفع معهما إلا يد ممثل فنزويلا على عكس التصويت يوم 8 تشرين الأول/أكتوبر عندما ارتفعت أيضا يد عمرو أبو العطا، السفير المصري ليثير تصويته إلى جانب روسيا غضبا عارما في السعودية أدى إلى ردح مزدوج بين البلدين.
الفيتو المزدوج أطاح بمشروع القرار الذي تقدمت به كل من مصر ونيوزيلاندا واسبانيا وأطاح بأحلام نحو 350 ألف كانوا يتعلقون بحبال من وهم ما يسمى بالمجتمع الدولي الذي سيلقي حبالا من الفضاء تنزل عليهم من سلالم الطائرات لتنتشلهم من الأقبية المعتمة الباردة التي تحولت إلى مكان للنوم والعمليات الجراحية والموت.

عينة من الاقتباسات

حجة السفير الروسي فيتالي شوركين لاستخدام الفيتو أن مشروع القرار سيعطي الجماعات الإرهابية فرصة من عشرة أيام لإعادة التنظيم والتسلح والتموضع كما أن مشروع القرار في حالة اعتماده سيؤثر سلبا على المحادثات المقترحة بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي حول انسحاب العناصر المسلحة من حلب الشرقية وقال إن مشروع القرار وضع في صيغته الزرقاء الساعة 11:28 من صباح اليوم نفسه ويجب أن يمر عليه يوم كامل قبل التصويت. مندوب نيوزيلندا رد على السفير الروسي أن مشروع القرار وضع في الصيغة الزرقاء الساعة الثامنة مساء الجمعة بينما أكد السفير الفرنسي أن مشروع القرار وضع في صيغته الزرقاء قبل أسبوع. إذن بين الروايات الثلاث يضيع 800 مدني في حلب. والآن ينتظر مئة ألف طفل في حلب الشرقية لعل الدول الثلاث تتفق فيما بينها متى وضع القرار في صيغته الزرقاء. أطفال حلب يؤكدون أن القرار وضع بصيغته الحمراء في حي سيف الدولة وقيل في بابا عمرو وقيل حي الصاخور الواقع بين كماشتين: الطائرات والجماعات المسلحة التي تمنع خروجهم.

ما يهم المندوبة الأمريكية، ميشيل سيسون، شيء آخر ليس أحزان أطفال حلب ودموعهم بل أن تثبت أن روسيا غير معنية إلا بمصالحها «روسيا تركز على الحفاظ على مكاسبها العسكرية أكثر من مساعدة المدنيين في حلب. لقد تحدثت روسيا مرارا من قبل عن اتفاقات دبلوماسية مبهمة للمجادلة من أجل تأجيل القيام بعمل في مجلس الأمن. في كل مرة أعقبت روسيا وعودها بجولة مكثفة من القصف المؤدي إلى عواقب مروعة». ثم قدمت وعدا خطيرا سيفك حصار المجوعين. فقد رفعت سبابتها وهي تؤكد أمام المجلس «مواصلة انخراط بلادي المباشر مع الدول الرئيسية بما فيها روسيا من أجل معالجة الوضع المروع على الأرض». أتريدون أفضل من هذا الانخراط الذي يؤدي إلى معالجة الوضع المروع على الأرض؟

مندوب مصر عمرو أبو العطا، تفطر قبله من الأسى ليس على أطفال حلب بل لأن مشروع القرار «المتوازن» كما وصفه، والذي صاغه مع نيوزيلندا واسبانيا استغرق وقتا طويلا من المناقشات قبل طرحه للتصويت ثم تكون النتيجة أن لا يكتب له النجاح. يا خسارة الوقت الذي ضيعه مه زميليه لصياغة قرار يمثل حبل نجاة لأطفال حلب. ثم أعلن بكل وضوح وجدية أنه ينحاز ويقف مع «مصلحة الناس العاديين في سوريا من كافة الطوائف والأديان والأعراق حتى تعود البلاد إلى وحدتها» وكأن البلاد بقي فيها طوائف وأعراق وأديان. ووجه قذيفة من العيار الثقيل لمن رفضوا القرار (يقصد روسيا والصين وفنزويلا) بـ»عدم الاكتراث بمصلحة الإنسان السوري». هل سمعتم أكثر إيلاما من هذه التهمة؟ «عدم اكتراث»؟ أعتقد أن بوتين لن ينام تلك اللية مرتاحا ومصر «أم الدنيا» تتهمه، ولو بشكل غير مباشر بأنه غير مكترث بمصلحة الإنسان السوري وهو الذي أرسل أساطيله وصواريخه وحاملات طائراته لينقذ النظام السوري حتى لو تشرد 8.5 مليون ولجأ خارج الحدود 4.5 مليون. ثم ألحق أبو العطا تهمة أخرى بمن قتل مشروع القرار حيث إن البعض «فضلوا تغليب مصالحهم السياسية الضيقة». ثم تساءل «أي دين أو عقيدة أو طائفة ما زالت قادرة على تبرير هذا الحجم من الدماء والاقتتال» ولكنه لم يسمع أي جواب وكنا نتمنى لو أنه تطوع بنفسه وقدم الإجابة الشافية والوافية فلعلها تكون الترياق لـ 974000 محاصر. ولم ينس أن يقدم رزمة من الحلول للأزمة قد يحتاج تنفيذها خمس سنوات أُخر. فقد دعا بكل جدية «مجموعة الدعم المعنية بسوريا إلى استئناف عملها الذي بدأه الأردن منذ العام الماضي للإسهام في هذا الجهد». أي تحديد من هو الإرهابي ومن هو غير الإرهابي. وبما أن السوريين تعودوا على الانتظار فلا بأس. «انتظروا سنة أو اثنتين أو ثلاث لاستكمال جهود الأردن في تحديد هويات نحو 1300 فصيل من بينهم 80 ألف متطوع من 80 بلدا.

خطاب التشفي ألقاه المندوب السوري بشار الجعفري، والذي ينتقد كل من يستخدم مصطلح النظام السوري فيصححه «بل قل حكومة الجمهورية العربية السورية». ألقى مرافعة وهو في منتهى الراحة وهو يخاطب الفرسان الثلاثة «بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة» وذكرهم بأن مثل هذه القرارات لا تخدم في النهاية إلا تقوية الإرهاب وتعزيزه في سوريا، وهو أمر لن تسلم منه أي دولة عضو في هذه المنظمة. و»أؤكد على كل من يدعي حرصه على تحقيق مصلحة الشعب السوري سواء في تخفيف معاناته الإنسانية أو التوصل إلى حل سياسي بقيادة السوريين أنفسهم كما تقولون أنتم أو القضاء على آفة الإرهاب، فعليه أن يطرق باب الحكومة السورية، والعنوان معروف للجميع». ولكن سمعت من أحدهم أن العنوان غير معروف وأنه سر يتداوله قلة قليلة من حول دائرة صنع القرار حيث يتم تغيير مكان النوم بشكل دوري. وأكد لهم أيضا أن باب المعاناة للناس في حلب مصدره واحد أحد وهو «ممارسات الجماعات الإرهابية». ووعدهم بأن حكومته «لن تخذل أهلنا ولن تتوانى عن ممارسة واجبها الدستوري والقانوني في طرد الإرهابيين من حلب». وطبعا يثير بعض المشككين أن خبرة الحكومة السورية ليست طويلة في ممارسة واجبها الدستوري والقانوني وقد تستعين بمجموعة خبراء من روسيا وإيران والعراق. فبعد تدمير حلب وطرد الإرهابيين منها ستمارس الحكومة واجباتها الدستورية والقانونية كاملة غير منقوصة على من بقي فيها على افتراض أنه سيبقى بها أحد.

فان بوهيمي، سفير نيوزيلندا، أحد مقدمي القرار، كان مشغولا بهم آخر. إذ قال «إن عدم قدرة المجلس على التصرف، على الرغم من الاحاطات الإعلامية الشهرية البيانية، والمناشدات المُلِحَّة على نحو متزايد من ستافان دي ميستورا وستيفن أوبراين وآخرين، مدمِّرة لسمعة هذا المجلس، وكارثية لشعب سوريا». سمعة المجلس هي الأهم. من العيب يا أبناء حلب أن تورطوا نيوزيلندا في مثل هذه الجهود الفاشلة التي ستضر بسمعة المجلس. ثم وجه صفعة للمندوب الروسي الذي اتهمه بأنهم لم يتشاور معه فخاطبه قائلا «وأود أن أذكر أنَّ أكثر وفد عملنا معه بكثافة، وأخذنا منه أكبر عدد من التغييرات هو وفد الاتحاد الروسي». فكيف يا سيد تشوركين تنكر أن الجماعة تعاونوا معك وقبلوا العديد من التعديلات من بينها تغيير فترة الهدنة من عشرة أيام إلى سبعة؟ وأهل حلب كانوا يتمنون لو أن الهدنة كانت عشرة ولكن من أجل خاطر بوتين تقبلوا فكرة السبعة أيام على مضض.

السفير الفرنسي، دي لاتر، تناسى أن بلاده استعمرت سوريا وجربت أن تقسمها إلى ثلاث دول واقتطعت جزءا عزيزا أهدته لتركيا. لكن يا جماعة هذه المرة فرنسا تريد أن تساعد الشعب السوري. لماذا لا تصدقوها وقد صوتت مع مشروع القرار «ما فعلته فرنسا اليوم، إلى جانب الغالبية العظمى من أعضاء المجلس، أنها تدرك المسؤولية الهائلة التي نضطلع بها لصون السلم والأمن الدوليين». ثم يبدو أنه اكتشف اكتشافا هاما إن روسيا، بتأخيرها المفاوضات لأطول وقت ممكن، ثم معارضة مشروع نص معتدل للغاية، قد اختارت أن تستمر في تجاهل نداءات المجتمع الدولي.

 حلب اليتمية داخل قاعة مجلس الأمن اللئيمة

عبد الحميد صيام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية