موسكوـ «القدس العربي»: شددت روسيا من خطابها ازاء تسوية الوضع المتعلق بحلب إثر تعرض مستشفى متنقل في حلب لقصف أدى إلى مقتل ممرضتين وطبيب، واتهمت وزارة الدفاع المقاتلين ومن وصفتهم برعاتهم بالوقوف من وراء العملية فضلا عن سحب الولايات المتحدة بصورة مفاجئة ورقة اتفاق ثنائي قدمتها للجانب الروسي بشأن التسوية، ومقتل العقيد روسلان جاليتسكي الأربعاء إثر إصابته في حي غرب حلب. وكانت روسيا قد استعملت إلى جانب الصين حق الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع غربي لوقف إطلاق النار في حلب لمدة أسبوع.
ويتمحور الموقف الروسي على اشتراط خروج المقاتلين من مناطق حلب التي ما زالت في قضبتهم لقاء تأمين سلامتهم. وتراهن موسكو على ان خروج المقاتلين من حلب، وبغض النظر عن اسلوب تنفيذها، سيكون انعطافا حاسما في أي تسوية لاحقة ستكون لصالح النظام، وأنها ستحرم المعارضة بكافة أشكالها وانتماءاتها من ورقة هامة في التفاوض مع النظام حول مستقبل السلطة في سوريا.
وتهدف موسكو من حراكها الدبلوماسي، كما يبدو، إلى التعجيل في سيطرة قوات النظام على حلب، وتفضل ان يكون بالطرق السلمية لأن هذا يجنبها أيضا التورط أكثر في «المستنقع السوري» وتكبد المزيد من الخسائر فضلا عن عدم تحملها مسؤولية الضحايا والدمار في المدينة التاريخية ويجنبها من موجة التهم باراقة الدماء. ويقول مدير مركز التحليلات السياسية «روسيا ـ الشرق ـ الغرب» فلاديمير سوتنيكوف ان هدف الأسد ومن يقف وراءه، روسيا وإيران، هو الاستفادة لحد أقصى من الشهرين المتبقيين للرئاسة الأمريكية الحالية، حيث يظهر ما يشبه الفراغ الزمني في الولايات المتحدة، حينما تنتهي الانتخابات الرئاسية ولكن الإدارة الجديدة لم تباشر في اداء مهامها، وبالتالي وضع دونالد ترامب أمام الأمر الواقع.
وتقول موسكو ان إعلان الهدنة من دون خروج المقاتلين هو محاولة لمنحهم فرصة لاخذ قسط من الراحة وإعادة اصطفاف تشكيلاتهم والتزود بالأسلحة والتموين. وكما أفادت على لسان وزير الخارجية سيرجي لافروف انه «سيتم تصفية المقاتلين الذي سيواصلون البقاء في حلب». موضحا «في كل الأحوال إذا ما امتنع أحد ما من الخروج فستتم تصفيته، كما أفهم، وليس ثمة طريق آخر هنا».
ويرى مراقبون قريبون من الموقف الرسمي ان الوقت الحالي غير ملائم لتخفيف هجوم قوات النظام وحلفاؤه في حلب. ويقولون ان تحقيق الانتصار بهذا الاتجاه سوف يجعل من السهل على النظام خوض المباحثات حول التسوية السلمية. وان اتساع دائرة الدول التي لا تود المواجهة الدبلوماسية مع روسيا لاحقا، سيكون ورقة إضافية بيد موسكو في المضاربة حول التسوية السورية مع الإدارة الأمريكية الجديدة التي ستباشر عملها في كانون الثاني/يناير المقبل.
وكانت موسكو قد اتهمت واشنطن بسحب وثيقة اتفاقية تسوية الوضع في حلب الذي اقترحه في وقت سابق وزير الخارجية الأمريكية جون كيري خلال اللقاء مع لافروف في روما في الثاني من كانون الأول/ديسمبر. وتراجعت واشنطن أيضا عن عقد اجتماع على مستوى مستشارين للبلدين حول التسوية في حلب الاربعاء الماضي في جنيف. كما شهد اجتماع مجلس الأمن تبادل التهم بين ممثل روسيا وممثلة أمريكا، واتهام بعضهما الآخر بعرقلة التسوية ومواصلة نزيف الدم ومضاعفة الآلام الآف الناس في حلب. الجانب الروسي يرى أيضا ان هناك قوى في وزارة الخارجية الأمريكية تعمل على احباط مبادرات جون كيري السلمية وتقويضها. ولا يستبعد ان تكون واشنطن قد عدلت من موقفها بسبب فرض موسكو وحلفاؤها النقض على مشروع وقف إطلاق النار.
وكتبت صحيفة «واشنطن بوست» ان الدبلوماسية الأمريكية قامت مؤخرا بتفعيل حراكها بشكل مبدئي على ضوء التغيرات في الوضع في حلب. وحسب ما أفادت الصحيفة فان وزير الخارجية الأمريكية جون كيري «يبذل جهودا مستميتة» من أجل ان يحصل من روسيا على موافقة بوقف العمليات القتالية، وهذا ما تشهد عليه الاتصالات الهاتفية المستمرة مع نظيره الروسي لافروف ولقاءهما الذي تم في بيرو، على هامش قمة دول آسيا والمحيط الهادي، وعلى حد تقديرات الصحيفة، ان كيري يخشى من انه وبعد مباشرة دولاند ترامب منصبه الرئاسي سيتوصل مع موسكو إلى اتفاقية أخرى حول سوريا، مما سيضع واشنطن إلى صف الأسد. ونسبت الصحيفة إلى مصدر في الخارجية الأمريكيه قوله، ان موسكو تمط الوقت بشكل مقصود من أجل ان تكرس الانتصار العسكري للأسد في حلب.
ويقول الخبير في شؤون الشرق الأوسط ليونيد ايساف ان وزارة الخارجية الأمريكية غابت في الأشهر الأخيرة عن حلب عموما. منوها بان لدى الولايات المتحدة مبادئ وحسب، تنطلق منها. مثلا ان على روسيا عدم القيام بأعمال قتالية وفرض نظام وقف إطلاق النار ومراعاة القانون الإنساني. ولكن في الأشهر الأخيرة، كما يقول ايسايف، ليس لديها الاستراتيجية التي يمكن تجسيدها على أرض الواقع. لذلك، حسب الخبير، ليس لدى واشنطن ما يمكن ان تطرحه على موسكو. وحسب قوله، ان بوسع الولايات المتحدة التوصل إلى حل وسط مع روسيا، وليس مع الأسد.
من ناحيته يرى تقرير لمعهد الشرق الأوسط في موسكو، ان من السابق لأوانه التعبير عن الابتهاج المفرط بشأن الوضع في حلب. منوها بانه ورغم حصول انعطاف في عملية اخراج المقاتلين من المدينة، لكن ثمة الكثير ما يجب عمله في المناطق التي ما زالت في قبضة المعارضة المسلحة، وينبغي الكلام عن النجاحات الفعلية والتي لا تقبل الشك فقط بعد ان تفرض قوات النظام سيطرتها بالكامل على شرق حلب.
وحسب معطيات التقرير فان نجاحات قوات النظام في حلب تحققت ليس بقوة جيش النظام وانما بفضل عمل المستشارين العسكريين الروس وتقديرهم الصحيح لقدرات تشكيلات المعارضة المسلحة واحتساب تحركاتهم. وقامت هذه الاستراتجية، كما يشير التقرير، على إنهاك الخصم ما أدى في نهاية المطاف إلى تحقيق النجاحات. منوها إلى ان جيش النظام ما زال في وضع صعب يفتقر إلى المجندين والأسلحة فضلا عن القيادات الميدانية ذات الخبرة. وأضاف بانه لم يكن لدى الأسد جيش بمعنى الكلمة قبل عملية القوة الجوية الروسية. مؤكدا ان المستشارين العسكريين الروس وقفوا وراء انجازات قوات النظام في حلب. وقال، ان الضباط الروس متواجدون عمليا في كافة نقاط إدارة قوات النظام، وغالبا ما يشرفون على السوريين عند القيام بالعمليات القتالية.
فالح الحمراني