لم يبتهج شعب سراً ولا علانية مثل ما فعل الفلسطيني حين انطلق موسم الحريات بالديار العربية. في أعماق النفس التواقة لمرحلة جديدة، كل من ينتمي لهذا الشعب نشد بلحن سياسي كلامات ‘أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً…من الحسن حتى كاد أن يتكلما…. وقد نبه النيروز فى غسق الدجى…أوائل وارد كن بالأمس نوما’ للبحتري. فعلاً، لقد تفاءل الفلسطيني خيراً وترنح فرحاً باليقظة الثورية. مع الحدث المفاجئ برق بين عينيه نور لامع كان قد حجب عنه وعن باقي شعوب الأمة.
رغم كبر حجم السعادة الكامنة والظاهرة، توخى الفلسطيني الحذر وحاول قدر المستطاع التزام نوع من الصمت الإيجابي، خوفاً من انقلاب الأمور ومن أن تلصق به تهمة التآمر والخيانة مع هذا أو ذاك. التجارب فرضت عليه التوجس والحيطة، عملاً بمبدأ ‘التقية’ القائم على عدم البوح علناً بما يجول فى الخاطر سراً، والهادف إلى اتقاء شر من قال انه أحسن اليه. حقاً، لطالما انتظر الفلسطيني طويلاً لحظة تحرر أبناء أمته من قيود القهر والبطش، ظناً منه أن تحريرهم شرط ضروري مسبق لتحرير ذاته وأرضه من براثن الاحتلال الإسرائيلي الغاشم. بمعنى أنه أعتقد داخل نفسه أن حرية هذا الإنسان وسقوط هذه الانظمة سوف يصب في صالح قضيته. لقد اصطف الفلسطيني خلف هذه الفكرة بدون أن يفعل شيئا ملموسا. بدل ذلك، فضل التركيز على فكرة تحرير نفسه وأرضه وتجنب الانخراط في فكرة تحرير مثيله العربي، حتى لا يقع تحت طائلة العقاب الفردي أو الجماعي. لقد فضل هذه المرة نيل المطالب بالتمني وليس بالقوة.
من جهتها لم تكن الأنظمة أقل دهاء في سلوكها، فبدل العمل على انهاء قيود الاضطهاد، بادرت برعاية خيار تحرير الفلسطيني، كي تسلي نفسها سياسياً وتخدع جماهيرها معنوياً. بالنسبة لها الانهماك الشكلي في هذه الخيار كان ومازال اقل تكلفة على كيانها من إجراء أي تغيير جذري في هيكلتها القمعية، لأن مثل هذا النوع من التغيير كان سيعني الغاء العلاقة القسرية التي تربطها بشعوبها. لقد فضلت التباهي، كذباً وبهتاناً في معظم الأحيان، بالعمل على تحرير الفلسطيني، وأعطيت اولوية رمزية لهذا الهدف في مختلف وسائل الإعلام وعلى المستوي الشعبي، من خلال الخطابات الرنانة، المليئة بالشعارات والفارغة من المحتوى والنتائج.
الاسوأ هو أن التركيز على هدف تحرير الفلسطيني من مخالب الاحتلال تم على حساب ممارسة نوع من التسلط على هذا المواطن، تسلط لا يقل حدة من ذاك الذي كانت ومازالت تمارسه على شعوبها. لقد تمت فعلاً مساومة الفلسطيني. تحرير مقابل استعباد. لم يكن أمام هذا بديل سوى الرضوخ نوعاً ما للمساومة، حتى تحين الفرصة. في الواقع وافق الفلسطيني على هذا عن حسن نية، معتقداً بوعود مساندة ودعم القضية. عملياً، هذه الأنظمة لم تقدر هذا المواطن حق قدره، ولم تعامله وتساعده بحجم ما عاملت وساعدت أي مواطن أجنبي آخر، بل جعلت من المساعدات الممنوحة حبل شد وجذب ملفوفا حول عنق شعبه. بحكم تعقيدات الأمور، لم يكن أمام الفلسطيني سوى الصمت والصبر على بطش القريب، طالما أنه أدعى، شكلياً، بأنه سوف يؤازره حتى يتمكن من دحر المحتل. في الواقع، حال الفلسطيني مع مختلف الانظمة الحاكمة كحال من يستجير بالرمضاء من النار.
مع انطلاق الثورات ورغم اتساع فجوة التباين في وجهات النظر حول ما حدث ويحدث عربياً من تغيرات، بدا أن تحرير الشعوب أصبح قاب قوسين أو أدنى، لكن رغم كبر حجم وأهمية الحدث فمازال الفلسطيني يشعر بأنه ضحية علاقة التنافر والتجاذب السياسي العربي، بل رغم انطلاق الثورات، مازال يكتم في داخله هاجس أنه من سيدفع الثمن غالياً، حال نجحت أو فشلت. هذا ما جعله يعتقد بأن وضعه قبل بدء الربيع العربي سوف يكون شبيها بنفس الذي كان عليه قبل بداية هذا الموسم، بمعنى أن شيئا لم يتغير في علاقته مع هذه الأنظمة، إضافة لحاله مع بعض الفئات الاجتماعية والرموز السياسية، الفكرية والإعلامية التابعه لها.
رغم انطلاق صرخات الحرية، ابتداء من تونس، ليبيا، مصر وعبوراً بسورية، فان أساليب الظلم الممارسة قديماً بحق الفلسطيني ما زالت قائمة وسارية المفعول. طريقة التعامل وحجم المعاناة التي يعيشها هذا المواطن داخل المؤسسات الرسمية، المدنية والإعلامية لم تتغير في شيء، ما خلق عنده انطباعا أن التغيير الجاري لن يدركه، ولن يمن عليه بفائدة لا من قريب ولا من بعيد. يظن بأن كل شيء يتغير حوله ليبقى الحال كما كان عليه دائماً، سلبيا.
لقد تم استعباد، اضطهاد، استقصاء، معاقبة، ملاحقة هذا المواطن قبل وبعد انطلاق الثورات بنفس الطريقة والمستوى، بل زاد عليه حملات التشهير، التشويه، التحريض، الكراهية والتهديد المباشر والمبطن، تحت ذرائع سخيفة وواهية يعجز العقل عن بلورة نتائجها. حالياً الفلسطيني يصور وكأنه من يحرك كل خيوط المؤامرات، المظاهرات، الاغتيالات، السرقات، الرشاوى، الاشتباكات والأزمات الدائرة رحاها بين مختلف القوى العربية المتصارعة، ابتداء من القاهرة حتى دمشق، عبوراً ببغداد ووصولاً لعمان.
الاغلبية العظمى من الشعب الفلسطيني هم ناس عاديين غير تابعين لحركة حماس أو فتح. ضمن هذه الاغلبية هنالك من يمقت كل من يتغنى ويتلاعب بالقضية وبمصير أهلها، بدرجة لا تقل عن مقتهم للمحتل الإسرائيلي. ما يهم هؤلاء حقاً هو أن تركز الطاقات على انهاء الاحتلال. لذلك، تراهم يبتهلون إلي الله لكي تسهل أمورهم وتتحسن أساليب التعامل معهم وتثب وفق معايير تليق بكرامتهم وهدفهم النبيل. كذلك تراهم يتضرعون لكي لا يزج بهم عمداً وعن سوء نية فى المناكفات، المساومات وتصفية الحسابات الداخلية، التي ليس لها فيها لا ناقة ولا جمل. وهنالك من بين هذه الاغلبية من يناشد كافة القوى الوطنية عدم الانصياع أو الاصطفاف وراء هذا أو ذاك الطرف، وإنما التزام نوع من الحيادية الإيجابية، التفاهم بينهم وتوجيه البوصلة نحو العدو المشترك، كل حسب طريقته وإمكانياته.
عملية التشهير والتشويه والتحريض الممارسة يومياً بحق المواطن الفلسطيني التي بدأت نتائجها تلاحظ سلبياً على مستوى الشارع وداخل البيت الواحد، تؤلم كل شخص مناكف فقط لعدوه وعاشق لأمته. حالياً هنالك فئات شعبية تنظر للفلسطيني بعين من الشك والريبة، وتعتقد بأنه هو المسؤول الأول والأخير عن استمرار أزماتهم، بعد أن كانت تعتبره سابقاً رمز الكفاح والفداء. هذا التغيير الدراماتيكي غير مفهوم، لكنه بلا شك مدبر ومقصود.
للأسف، كثير هم القائمون على تشويه ومحاولة تغيير صورة الفلسطيني، التطاول على مكانته، النيل من مسيرته النضالية وتعكير نمط حياته. من بين هؤلاء هنالك من يعمل فى مؤسسات حكومية، وهنالك من يقذف سموم البغض والكراهية من خلف شاشات وسائل الإعلام الرسمية أو شبه الرسمية. المستفيد الوحيد من كل هذا هو العدو الإسرائيلي الجاثم فوق صدور وأراضي هذه الأمة. يجدر على هؤلاء تغيير اساليب ولغة عملهم، حتى لا تتلاقي مع أهداف هذا العدو، الراغب فى استمرار حالة الارتباك المتبادل بين مختلف شعوب المنطقة وبين الأمة جمعاء.
‘ –