تخفيف الإجراءات وتعميق الاحتلال… على غير عادة لم يتم التحقيق معي في المطار. في أقل من خمس دقائق كنت خارج المطار أنتظر السيارة التي ستقلني إلى القرية. دهشت لهذه المعاملة غير الاعتيادية. أكد لي أكثر من مغترب وصل إلى أرض الوطن لقضاء إجازة الصيف أنهم لقوا نفس الإجراءات المخففة. الاجراءات التسهيلية شملت تقريبا كل الفلسطينيين في الضفة المحتلة. سمح لجميع النساء وللرجال فوق سن الـ45 أن يذهبوا إلى القدس أثناء شهر رمضان المبارك. أما من هم دون سن 45 فبإمكانهم الحصول على تصريح وبسهولة للذهاب إلى القدس، بل إن السلطات الإسرائيلية أعطت تصاريح لمئة ألف فلسطيني لزيارة فلسطين 48 والتسوق هناك، مما أنعش الاقتصاد الإسرائيلي كما قيل. كما أصدرت إسرائيل عددا كبيرا من تصاريح العمل في الداخل، بعد أن تقلص عدد العاملين في إسرائيل أيام الانتفاضة الثانية لعدة آلاف فقط. اكتشف الإسرائيليون ان العامل الفلسطيني أكثر مهارة وصدقا في عمله، وفي المحصلة كيفما يصرف فلوسه التي كسبها منهم فستعود إليهم. أما العمال البولنديون والرومان ومن جنوب السودان فيسعون لتحويل ما يكسبون إلى بلادهم، حتى الحواجز التي كانت ‘مختبرا لتصنيع التطرف’ كما سمتها الصحافية الجريئة عاميرة هاس، بالكاد توقف أحدا ويحاول بعض الجنود أن يصطنعوا ابتسامة ترحيبية. أحدهم على حاجز بيتين (بيت إيل) نظر إلى صديقي في السيارة وقال بعربية ملحونة ‘ألف مبروك لرمضان’ فرد الصديق شكرا، فعاد وأكد: ألف مبروك. في نفس الوقت الذي يشعر المواطن بشيء من راحة تتسارع على الأرض إجراءات توسيع الاستيطان وضم الأراضي وفتح الطرق وإقامة المشاريع الكبرى وتشبيك المستوطنات الكبرى. كل يوم تطالعك الأخبار هنا بمزيد من الضم وافتتاح أحياء سكنية جديدة، خاصة حول القدس. إذن الصورة أصبحت واضحة، تخفيف متعمد لسطوة الاحتلال حتى يشعر المواطن العادي بأن حياته تكاد تكون طبيعية جدا وأوضاعه الاقتصادية أقل سوءا وفرص الخروج من قفص المعازل والكانتونات متوفرة، في المقابل تقوم السلطات الإسرائيلية بتعميق الاحتلال وتوسيع الدوائر الاستيطانية داخل الضفة الغربية، خاصة القدس الذي يعني بشكل منطقي تضييق رقعة الأرض التي من المفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية المستقلة.
شد الرحال إلى الأقصى
الصلاة في الأقصى في الجمعة الأولى من شهر رمضان تجربة لا يمكن نقلها بدقة عبر الكلمات، لأنها تجربة روحانية خاصة لا يحس بها إلا من يعيشها. هذه شوارع القدس العتيقة التي مر منها كل غزاة التاريخ ورحلوا مهزومين. هنا صنع التاريخ وهنا ستعاد صياغته. يداهمك التاريخ والقداسة والحب والغموض الساحر من كل جانب وأنت تدلف من باب العامود لتصل إلى رحاب الأقصى وقبة الصخرة. لا مدينة تشبه القدس وقد زرت تقريبا كل المدن العربية العريقة ذات الطابع الشامي المسقوف من فاس إلى مراكش، ومن قرطبة إلى دمشق ومن القيروان إلى القاهرة ومن الرباط إلى بغداد. نكهة خاصة بالقدس لا تجدها إلا في القدس. هذه أول جمعة رمضانية أحضرها منذ غادرت الوطن طالبا. زرت الوطن مرارا لكن لم يصادفني شهر الصيام أبدا، رمضان هنا له مذاق خاص، كل شيء يشير إلى الأقصى ويدلك عليه. كثير من رجال القرية يؤدون صلاة التراويح في الأقصى كل ليلة. أحسست عندما انبلجت الصخرة المذهبة أمامي أنها حبيبتي الغائبة عني سنين مددا. أريد أن أقبلها وأضمها إلى صدري وأبكي على كتفها وأشكو لها مرارة الغربة وشوق اللقاء. أحسست أنها جزء مني تعيش داخلي وأعيش فيها ولها. من أين أتت هذه الجموع الغفيرة، تفترش الأرض أو تحت ظل شجرة زيتون مباركة في ساحة الأقصى وتتلاصق كأنها الأمواج؟ مئتان وخمسون ألفا زحفوا من كل قرية ومدينة وضيعة وبادية في فلسطين التاريخية. أحسن الخطيب عندما ذكرنا بحرمان شعبنا الأبي في غزة من الوصول إلى الأقصى. على الأقل تمكنت ثلاثة مكونات من الشعب الفلسطيني (القدس والداخل والضفة) فرقتها القوانين والاحتلالات والمؤامرات أن تجتمع في رحاب الأقصى، وصلت معا وتجالست وصلّت معا وتناثرت دموع من عيونها معا، والخطيب يؤكد على المهمة التي انتدبهم الله لها ليرابطوا ويحموا الأقصى والقدس من التهويد والحفريات والمداهمات.
أحسست لحظتها أن هذه الألوف في لحظة معينة لو حاول أحد أن يمس الأقصى بسوء سيتحولون إلى دروع بشرية تحمي القدس وأقصاها بدمائها كما فعلت في السابق. بشد الرحال إلى الأقصى قدمت هذه الجموع ثلاث رسائل، قال خطيب الأقصى الدكتور يوسف جمعة سلامة، واحدة للفلسطينيين من أجل الوحدة وحماية الأقصى من الهدم أو التقسيم على طريقة الحرم الإبراهيمي في الخليل. ورسالة ثانية لمليار ونصف المليار في العالمين العربي والإسلامي يمتلكون نصف ثروات الأرض، من أجل نصرة القدس والأقصى وفلسطين. ورسالة ثالثة للعالم أجمع تقول بأننا لن نتخلى عن قدسنا وأقصانا. لم ينغص المنظر إلا تلك اليافطة الضخمة التي رفعتها ثلة من أعضاء ‘حزب التحرير الإسلامي’ كما قيل لنا، على مدخل الأقصى تقول: القدس مع الشرعية، لا للانقلاب، وبجانب الكتابة صورة ضخمة للرئيس المصري المخلوع محمد مرسي. أهذا هو المكان المناسب؟ هل استفتيتم أبناء القدس وفوضوكم أن ترفعوا مثل هذا الشعار؟ لماذا يزج بالأقصى ليكون منبرا سياسيا لبعض الأحزاب الهامشية؟ بعد الصلاة مباشرة تقدمت مجموعات الحراسة والدفاع المدني والمتطوعين بإنزال اليافطة، بينما كانت الثلة الصغيرة تهتف لمرسي. على حد علمي أن حزب التحرير، ومؤسسه الشيخ تقي الدين النبهاني، لا يؤمن بالديمقراطية ولا بالانتخابات ولا بالبرلمانات، وما زالوا يصرون منذ نشأتهم عام 1953على إقامة الخلافة الإسلامية أولا قبل تحرير القدس.
حريتي فوضاي – محمد عساف وخمس حفلات مجانية
ما زال عساف وحفلاته حديث الناس جميعا. صوره في كل مكان ويافطات كتب عليها ‘صوّت لفلسطين- صوّت لمحمد عساف’. يافطة كبرى نصبت على مقربة من حاجز قلنديا بدعم من شركة جوّال للاتصالات تقول: ‘بوحدتنا حققنا الإنجاز: ألف مبروك فلسطين- ألف مبروك عساف’. أحد بائعي الاسطوانات الغنائية الجامعة لأغانيه قال في الإذاعة إنه باع في يوم واحد نحو 8000 أسطوانة. هذا ما حذرنا منه في مقال سابق عندما قلنا نخشى على عساف من السياسة والسياسيين، الذين يريدون أن يجيروا فوزه لمكاسب سياسية بعد أن وصلوا وأوصلوا الشعب إلى الحائط المسدود. الشعب بتشجيع من السلطة ضخموا فوز عساف وتوجوا ابن الاثنين وعشرين ربيعا بطلا أسطوريا. قال لي أحد الأصدقاء العالمين ببواطن الأمور لدى السلطة الفلسطينية ‘عندما اقترب الأسير الفلسطيني سامر العيساوي من الموت بعد 179 يوما من إضرابه عن الطعام، بدا أن الشعب الفلسطيني جاهز تماما، في حالة إعلان استشهاده أن يفجر انتفاضته الثالثة ويتوج العيساوي بطلا أسطوريا يرتقي إلى صفوف الأولياء والصديقين والصالحين، لكن السلطة هرعت للاستنجاد بإسرائيل وأرسلت رسالة وراء أخرى مفادها أن وفاة العيساوي قد تعني نهاية هذه السلطة وانطلاق الانتفاضة الثالثة. وهكذا تم فورا التوصل إلى اتفاق لإطلاق الأسير بعد ثمانية أشهر مقابل إنهاء الإضراب. الرمز الجديد للشعب الفلسطيني ليس الأسير الذي دخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية من باب ‘صاحب أطول إضراب عن الطعام في التاريخ’، بل المغني المحبوب محمد عساف. ومع محبتي وتشجيعي وإعجابي بعساف، لكني أستبعد أن يقبل أن يكون رمزا أسطوريا لشعب مناضل ما زال يرزح تحت الاحتلال، وهناك الآلاف من الأسرى يقبعون في زنازينه وآلاف من الشهداء ضحوا من أجل حرية هذا الشعب العنيد وبناء دولته المستقلة ذات السيادة الكاملة على أرضها.
أبجل في السيد عساف عودته فورا بعد فوزه في المسابقة إلى مسقط رأسه خان يونس في قطاع غزة أولا، ثم جاء إلى الضفة وأقام خمس حفلات في رام الله وبيت لحم ونابلس وجنين وأريحا كانت في معظمها مجانية. الحفلة الأولى كانت في رام الله، لقد كانت أقرب إلى الفضيحة والكارثة لقلة التنظيم، حيث توافد مئات الألوف لساحة الأمم التي لا تتسع لأكثر من أربعين أو خمسين ألفا. نزلت هراوات الأمن على الشباب الذين تدافعوا نحو المسرح بطريقة فوضوية لا تعكس صورة حضارية لهذا الشعب الذي مثلها عساف بكل تفوق، مما اضطره لإلغاء الحفل والانسحاب. لم أسمع كلمة إطراء واحدة حول الحفل الذي لم يستمر لأكثر من نصف ساعة. وقد سمعت من أكثر من شخص أن فئات طائشة من الشباب استغلت حالة الازدحام الخانقة وتحرشت بالفتيات بطريقة فظة ومثيرة للاشمئزاز. المدن الفلسطينية الأربع التي استقبلت عساف تعلمت من أخطاء رام الله ونظمت حفلاتها بطريقة سليمة، فجاءت في معظمها ناجحة. وإذا سألتني عن عُـلية القوم هنا والذين يأنفون أن يجلسوا مع الناس العاديين خوفا أو ترفعا فقد أقيمت لهم حفلة خاصة في فندق غراند بارك في رام الله وقيل إن التذكرة الواحدة كانت تعادل ما قيمته 140 دولارا.
رمضان في القرية
أعود إلى ‘أول منزل يألفه الفتى’ زائرا لا مقيما، لأن شروط الاحتلال تسمح لحامل جواز السفر الأمريكي أن يبقى ثلاثة أشهر لا غير، وإذا تجاوزها سيمنع من الدخول مرة ثانية، إذن لا أستطيع أن أزور بيتي وبلدي ووطني إلا كأجنبي زائر، مثلي مثل آلاف الفلسطينيين الذين يفضلون قضاء شهر الصيف مع أهليهم وذويهم في الوطن. يصطحبون أطفالهم معهم كي ينغرس في نفوسهم حب الوطن والتعرف على الأقارب وتعميق معنى الانتماء للهوية الفلسطينية والتقاط لهجة فلسطينية فلاحية تنطق الكاف تشاء والقاف كافا والضاد ظاء. وأول ما يصدم الزائر زحف المستوطنات على القرى وخنقها ببطء في دائرة محصورة يمنع تجاوزها. مستوطنات تزحف على أرض القرية من كل الاتجاهات، السوبر ماركت الإسرائيلي’ شعار بنيامين’ الذي افتتح على الطريق الرئيس للقرية قبل خمس سنوات أصبح مركزا تجاريا كبـيرا وبه العديد من المباني والعمارات، ونقل إليه مقر قيادة شرطة الضفة الغربية وأضيفت إليه قاعة أفراح كبيرة. أما البؤرة الاستيطانية ‘ميغرون’ لمجموعة من المتطرفين اليهود، التي دخلت في معارك مع البلدة حول قطاف كروم الزيتون فقد انتصرت إرادة وصمود البلدة بعد أن شجوا أكثر من رأس مستوطن نقل أحدهم بالمروحية لإنقاذ حياته، فقد أفرغت تقريبا من سكانها. تم تفكيك البؤرة إلا من ثلاثة بيوت ما زال وجودها رهن حكم المحكمة، لكن تم ضم تلك البؤرة إلى بؤرة أخرى قرب البلدة أقيمت على أرض أميرية وتعتبر في قوانين العنصرية الإسرائيلية ‘شرعية’. مستوطنة ‘معاليه مخماس’ المبنية على أرض مخماس ودير دبوان أصبحت أقرب إلى المدن الصناعية والزراعية واحتلت رؤوس الجبال القريبة وزحفت على سهل ‘البقعة’ الغني وابتلعت نصفه أو يزيد، وأذكر أنني كنت أذهب مع والدي صغيرا لذلك السهل الجميل لحرث الأرض التي ‘تفيض لبنا وعسلا’. أما مستوطنة آدم فبدأت تتجه جنوبا من سهول جبع وصولا إلى عين فارة ثم تشابكت من الجانب الغربي مع مستوطنة جبعات زيف التي تخترق أرض جبع وحزما وعناتا وشعفاط وبيت حنينا وصولا إلى التلة الفرنسية فالشيخ جراح، أحد أحياء القدس.
الحقيقة التي تخلص إليها أن إنشاء دولة الوهم الذي وعدنا بها الأوسلويون، من تقدم منهم ومن تأخر، أصبحت أقرب إلى المستحيل، وأن تعميم الوهم ما زال مستمرا، خاصة أنني أستطيع أن أقرأ بوضوح يافطات الدوائر الحكومية في رام الله التي تبدأ بـ:دولة فلسطين- وزارة كذا أو دائرة كذا.
دع عنك حديث السياسة الذي يغم البال واستمتع قليلا بجمال القرية وكرومها التي تزيد مباني القرية الجميلة جمالا ورونقا. رمضان الآن يحرمنا من الاستمتاع بشجرات التين القريبة من البيت، التي زرعها الوالد واحدة واحدة وكان يعتني بها وبالأرض وأشجار الزيتون أكثر من اعتنائه بأولاده. لكن شهر رمضان له مذاق خاص في البلدة، تموت الحركة في البلدة أثناء النهار ثم تعود الحياة مجددا بعد الإفطار وبعد صلاة التراويح، فتبقى المقاهي والمحلات التجارية والحركة ساعات بعد منتصف الليل. لا أجمل ولا أحلى من حياة الفلاحين البسطاء. الشيء الذي يحز في نفسي غياب الملابس الفلسطينية الأصيلة للرجال والنساء. القمباز والعباءة والحطة البيضاء اختفت أو تكاد، أثواب النساء المطرزة بالحرير والمخامل الجميلة أيضا اختفت أو تكاد، كثير من الرجال يلبسون الآن الدشداشة الخليجية التي لا تلائم مناخ بلاد الشام، والنساء يلبسن الجلابيب السوداء التي تثير حزنا وغما في النفس. إنني أعتبر غياب تلك الملابس الشعبية جزءا من الهجوم على الشعب الفلسطيني وتراثه وتقاليده التي توارثها عبر العصور واستبدالها بملابس قبيحة ‘تخلط الرام في الشام’، كما يقولون، تسهل عملية تمييع الهوية المميزة وكأن الناس هنا خليط من بشر لا رابط حضاري وتراثي يجمعهم. وقد سمعت أن بعض مضيفات الطائرات الإسرائيلية يلبسن ثيابا مطرزة بالحرير على أنها تراث إسرائيلي.
إستقالة عبد الباري عطوان
على حد علمي أن الصديق عبد الباري عطوان لم تسنح له الفرصة أن يزور هذا الجزء من فلسطين. فهو ابن قطاع غزة الذي كان مفصولا عن الضفة الغربية قبل حرب 67 ، الاحتلال أتاح فرصة التواصل لفترة وجيزة وعاد الفصل بينهما بعد اتفاق أوسلو. الجميع هنا يعتبرعبد الباري واحدا من الأهل والعائلة لأنه ينطق باسمهم ويتحدث بصدق عن معاناتهم.
فشعبية الرجل هنا كاسحة وشاملة ولو جرى تصويت على أهم الشخصيات الفلسطينية التي تشعر بقربها من قلبك لجاء ترتيبه الأول قبل صعود ظاهرة محمد عساف، الذي سيبقى محتلا لهذا الموقع ربما لسنوات. وقد حدث قبل هذه الزيارة أن كنت أزور جناحا قيد الإنشاء في مستشفى جنين الحكومي. وعندما علم المهندس عن علاقتي بـ’القدس العربي’ وعبد الباري نظر إلى العمال وعددهم نحو سبعة وقال: لنقف جميعا احتراما للسيد عبد الباري عطوان. وبالفعل وقفوا وأدوا التحية وقال المهندس باسم المجموعة: ‘أرجوك أن تبلغ عبد الباري هذه التحية نيابة عنا’. وقد بلغته بالفعل عبر رسالة الكترونية.
ولأني من كتاب الصحيفة ومعروف لدى الأصدقاء والأهل والرفاق انهالت الأسئلة عليّ من كل من تحدثت معه ولو بشكل عابر عن سبب استقالة عبد الباري، خاصة أنها تزامنت مع ثاني أيام زيارتي للوطن، وكانت بمثابة الخبر الأهم بين النخب المثقفة والمهتمين بالصحافة والإعلام ومتابعة التطورات العربية. الجميع يريد أن يعرف هل ستبقى الصحيفة محافظة على خطها القومي العروبي المناهض للتدخلات الأجنبية والمنتصر لقضايا الأمة والرافض للدكتاتوريات وفسادها والفاضح للمؤامرات على القضايا القومية وفي قلبها قضية فلسطين. وكيف لي أن أعرف وأنا البعيد عن أجواء لندن وكواليس الصحيفة الداخلية. اتصلت بالزميلة كلمنتين في مقر القدس العربي بحثا عن إجابة من دون فائدة. أكدت لكل من تحدث معي في الموضوع أنني لا أعرف السبب الحقيقي ولكني واثق أن الزميل عبد الباري وضع أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الصحيفة وإما عبد الباري فاختار أن يضحي بنفسه على أن يضحي بالجريدة، مما يؤكد مبدئية الرجل وسمو خلقه واقتران المبدأ لديه بالممارسة.
قال لي صديق هنا ان اسم الجريدة مرتبط باسم عبد الباري ولا يجوز الفصل بينهما، وأضاف ‘أرجوك أن تبلغ عبد الباري ألا يؤسس لصحيفة أخرى لأننا لا نريد لـ’القدس العربي’ واسمها ورسالتها أن تختفي من الساحة، لكن قل له أن يكتب في كل الصحف وأن يحاضر وأن يؤلف وأن يحافظ على الزخم الإعلامي والحضور الصحافي الذي يمثله، وإذا قرر أن ينشئ جريدة أخرى فليكن اسمها مستوحى من اسم القدس’. نتمنى لأبي خالد التوفيق في كل ما يصبو إليه. وللحديث بقية
‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك