ليس سهلاً أن تتناول في مقالة صحفية عملاً روائياً لكاتب ناجح ومتمكن من أدواته الفنية وصاحب ذوق أدبي ورؤية فكرية مميزة كالروائي العربي المصري علاء الأسواني، أجل العملية صعبة للغاية وقد ينتهي مقالك دون أن تتمكن من سبر غور هذا الأديب الذي ولد عملاقاً في روايته الأولى ‘عمارة يعقوبيان’ فلدى صدورها طبعت منها حوالى عشر طبعات وفي فترة زمنية قصيرة غدت الرواية بل الكتاب العربي الأول ضمن أكثر الكتب مبيعاً في السوق العربي وحولت الرواية على الفور إلى عمل سينمائي قدمه نجم الكوميديا المخضرم عادل امام وعزز به مكانته كقامة فنية سامقة. وبعدها جاءت روايته الثانية ‘شيكاغو’ وحصل من خلالها شهرة ما جعلته يقف الآن في طليعة روائيي العالم العربي إن لم يكن على رأس القائمة (مع أنه طبيب ويهوى الأدب ويحب مقارفته والكتابة فيه).
وتجيء الآن روايته الثالثة ‘بعد طول انتظار’ كما يقول الناشرون في دار الشروق المصرية، جاءت لتكون رائعته الجديدة في كل شيء وليتناولها النقاد والكتاب بالبحث والتحليل. إن ‘نادي السيارات’ رواية ليست كسابقاتها من حيث الموضوع (المضمون) والشكل. الرواية تشق طريقاً صعباً في ميدان الحداثة والجدّة فكيف تأتى لها ذلك ؟
المكــــــــــان
إن الرواية بطلها ـ كعادة مؤلفها البارع علاء الأسواني ـ المكان الذي من خلاله يستمر الراوي في طريق التميز والتفرد، ففي روايته الأولى كانت عمارة يعقوبيان هي البطل وهي عمارة تقع وسط القاهرة قديمة لصاحبها اليوناني الأصل لم يلتفت اليها أي كاتب أو أديب قبله ولكنه هو الذي عاش وسط القاهرة كان له التفرد في تناولها ومتابعة أبطالها الذيم يسكنون فيها، فكانت مسرح الأحداث المشوقة الذي أعجبت القراء من شتى المنابت والأصول. وفي الرواية الثانية المعنونة ب ‘شيكاغو’ كانت مدينة شيكاغو الأمريكية هي البطل الأول ومسرحاً لشخصياتها العديدة، أما في ثالث رواياته ‘نادي السيارات’ فجاء النادي الذي يعود الى أيام الملكية والملك فاروق وحاشيته قبل ثورة عام 1952 وأصبح هو مسرح الأحداث فلقد دخلت السيارة بعد اختراعها الى مصر وكانت أول دولة عربية تستخدم هذه المركبة الغريبة والجديدة في نفس الوقت وتأسس النادي في عهد زعيم مصر الملك فاروق ثم غدا كمركز ترفيهي مميز للملك وحاشيته والطبقة البرجوازية المصرية آنذاك وتأسيساً على ذلك فيعتبر الرمز الأول للحكم والنفوذ والسيطرة وهو أبعد ما يكون ممثلاً لمصر الحقيقية بكافة ناسها وطبقاتها الشعبية.ومع هذا فإن النادي يضم أيضاً فئات الموظفين على مختلف درجاتهم ومستوياتهم المعيشية فمنهم الصغار ذوو الدخل المحدود ويشكلون أغلبية ومنهم كبار الموظفين الانجليز مثل السيد رايت رئيس النادي ورئيس الخدم وهو بنفس الوقت كبير شماشرجية الملك قاسم محمد قاسم ‘الكوو’ ومنهم صغار الموظفين أمثال عم سليمان البواب وعبد العزيز همام الذي يموت بسبب اضطهاد الكوو له ثم سماحي وعبود ويوسف طربوش والمتر شاكر وكرارة السفرجي وغيرهم الكثير.الصنف الأول هو الذي يضطهد الصنف الثاني ويساعد الملك في تثبيت حكمه ونظامه.
الزمـــــان
بعد المكان سأتناول الآن الزمان وهما معادلة واحدة لدى الروائيين بمختلف توجهاتهم فلأول مرة يعالج علاء الأسواني موضوع الزمن بمنحى جديد يختلف عن روايتيه السابقتين، إنه يغوض فيه وفي زمن الملك فاروق ويعود الى فترة الأربعينيات والخمسينيات في تاريخ مصر حتى انه من الممكن اعتبار هذه الرواية تاريخية بكل ما في الكلمة من معنى وهنا أتساءل: لماذا اصرار الأسواني على هذه الفترة وفتح ملفات الملك فاروق من جديد ؟ إن هذه الفترة أشبعت دراسة وروايات وأعمال فنية مميزة تناولتها من مختلف الآراء والتوجهات فهل يريد علاء الأسواني أن يثبت أنه قادر على كتابة رواية تاريخية حول فترة زمنية قريبة ومثيرة هي فترة حكم فاروق الملكية ؟ أو انه يريد القول ان الملكية كانت فاسدة جداً لأسباب أوضحها في متون كتابه الروائي الثالث ؟ ورغم هذا الا أننا نستطيع القول ان الأسواني تناول الموضوع بسردية معبرة وأسلوب روائي فريد من نوعه وهذ ما سوف نتحدث عنه لاحقاً.
الشكل الفنـــي
أما في موضوع الشكل الفني فهناك أمور كثيرة يجب أن تقال فالرواية تبدأ بالمؤلف وهو في شاليه أو لنقل جاء الى البحر بعيداُ عن امرأته وعائلته ليكمل روايته وهنا تحدث المفاجأة بمجيء شخصيتين رئيسيتين من شخصيات روايته هما كامل وصالحة همام (وهنا تظهر براعة المؤلف في دمج الواقع بالمتخيل). تتحدث الشخصيات وتخبرانه أنهما غيرا من الأحداث وساعداه في الكتابة ويضع لنا ما كتبتاه وتكون الرواية ‘المشكلة’ الجديدة.اضافة لهذا التغير فهناك تقسيم الأحداث في أجزاء ’44 جزءا أو بابا’ ثم اضافات صالحة وكامل بألسنتهما وتعليق على مجريات الأمور بطريقة مشوقة وتتابع مثير.
الشـخصيات
والكاتب يغوص في شخصيات ويقدم لنا سرداً طويلاً ولكن غير ممل عن هذه الشخصيات ومن كل الجوانب فلا يترك أي شاردة ولا واردة الا وعالجها بقلمه السيال حتى أنه يعتبر وبكل مصداقية أنه من أكثر الروائيين الذين يهتمون بأدق التفاصيل السردية عن الشخصيات وأحداث الرواية ويتم ذلك كله بتشويق منقطع النظير (يبدو أنه يعتمد على التشويق التلفزيوني بالقطع عند ذروة الحدث ليظل القارىء متابعاً ومتلهفاً لنهاية هذا الحدث). واضافة لذلك نجده يعبر عن آرائه ويقدّم الحِكَم. ‘الصدمات القوية التي تنقض فجأة على رؤوسنا كالصواعق تحتاج الى وقت حتى نستوعبها’ ثم ‘أن يموت أبوك فهذا يعني أنك أصبحت في العراء مكشوفاً وحيداً، ضئيلاً بلا سند، هدفاً سهلاً متاحاً لكل الضربات، ستشعر أن القدر يحيط بك تماماً كطائر الرخ الخرافي’ كامل همام في معرض حديثه عن مشاعره بعد وفاة أبيه في النادي.
هذه التفاصيل والالمام بكل صغيرة وكبيرة عن الشخصية ‘ نفسياً وموضوعياً ‘ تغني الرواية وتجعلها تبدو في حلة قشيبة وتدل على امتلاك الراوي لأدواته وقدراته الفائقة في عرض موضوعاته والامساك بها والتركيز على الحداثة في كل شيء.وهو أي الراوي علاء الأسواني يظهر مقتنعاً كل الاقتناع بمقولة رامبو الشهيرة : ‘ من الضروري أن نكون محدثين بصورة مطلقة’.
عن المضمون أيضاً..والحرية والكرامــة
ننتقل الآن للحديث في نقطة أخرى بارزة في الرواية ربما تتعلق في المضمون وأهداف العمل بمجمله ألا وهي مسألة الكرامة والحرية، فهناك رموز ايجابية بحتة مثل عبد العزيز همام الذي مات لاحساسه بسحق كرامته على يد الكوو وتابعه حميد وزوجته وأولاده الذين ينحدرون منه كامل وصالحة ثم عبدون وبحر البارمان والأجنبية ميتسي، أما الرموز السلبية حيث العبودية والخنوع والذل في مجمل الأوضاع، فهناك الكوو نفسه وكبار الخدم في النادي مثل يوسف طربوش وكرارة والمرمطون وركابي الطباخ وغيرهم.إن هؤلاء في صراع دائم مع السيد المستبد الذي هو في الحقيقة ملك مصر بينما واقعياً هو الاستعمار الانجليزي.إن منطقهم هو واحد : سرور السيد والطاعة العمياء له هو حريتنا، هكذا يؤمن الكوو وكل من حوله، هذا الايمان الذي يبيح للمستعمر كما الملك أيضاً أن ينكل بهم وهم ضاغرون.
إن الرواية تفضح هذه القناعات وتفضح أصحابها وممثليها وتؤمن بالحرية والنضال الذي انتهى بموت الكوو على يد من يضطهدهم من صغار الموظفين والذين بالكاد يعيشون فقد كان يهددهم في الرزق والحياة ومصير العبد وأجهزة نظام الذل والعبودية الموت وليس غيره.
الاسـلوب الفنــــي
والحقيقة أن الرواية لا يمكن الالمام بكل ما تحفل به من مضمون سياسي وفكري معين وتحتاج الى دراسة مطولة تنفذ الى كل جزء منها وتمحص وتحلل وتستنتج غير أننا هنا في مقالة نكتفي بالقدر المهم الذي أوردناه وأريد أن أختتم هذه المقالة بالحديث عن الأسلوب الفني والأدبي للرواية وأقول إن علاء الأسواني روائي من طراز رفيع ومتمكن من أسلوبه وأدواته، وفي هذه الرواية ينضج أكثر ويغدو أمثال الكتاب الكبار من الروائيين العالميين فهو يبحر عميقاً في تحليل شخصياته، كما أسلفنا ويستخدم لغة عربية سهلة التراكيب والجمل يتميز بها ولكنها صعبة في نفس الوقت أي من السهل الممتنع ويكثر من التصوير والاعتماد على الحركة والنقل بتشويق ممنهج.اقرأ ما يقوله في هذا المقطع عن ميتسي ابنة جيمس رايت : ‘ تحس دائماً بنزعة للتمرد على كل ما هو ثابت، تمقت ما هو مستقر، يستفزها ما هو متفق عليه ومفروغ منه، تسعى الى كسر القواعد فتندفع دائماً عكس الاتجاه، تجد لذة في ارباك الذين الذين يثقون بأنفسهم وفي قراراتهم الحكيمة.هذا الجموح قديم، كان ينتابها وهي طفلة صغيرة، عندما يسود الصمت في الفصل في اللحظة التي يبدو المدرس فيها واثقاً من سيطرته على التلاميذ المهذبين الصامتين المذعنين لإرادته، عندئذ تصير الغواية فوق احتمالها، تستبد بها رغبة عارمة في إفساد المشهد، تضحك فجأة أو تنادي زميلة لها بصوتٍ عال ‘.
وأسلوبه يعتمد أيضاً على الخيال الجامح لأبطال روايته، الخيال الذي يشطح بهم فيأخذون بالتكلم والحوار وهم يفلسفون الأمور ويبررون ما ينجم عنهم من أعمال طبيعية أو غريبة أحياناً، انهم شخصيات متكاملة أو ناضجة حتى لكأنك تحس في بعض الأوقات أن المؤلف قد تدخل في حيواتهم بطريقة استفزازية مثيرة مثل عبدون العامل البسيط الذي يغدو عضو تنظيم له أهميته ويحرك الأحداث في النادي بوعي مثقف جيد.أو مثل محمود وفوزي في مغامراتهما غير السوية مع النساء الأجنبيات أو العربيات من الطبقة العليا.
يقوم أسلوب الكاتب أيضاً على متابعة دقيقة لكل ما يتناوله وبالذات الشخصيات فيسرد لنا عن البطل منذ ولادته وحتى لحظته الراهنة، متابعة معمقة وبلغة وكلمات معبرة ومشوقة في نفس الوقت غير أن ما أخذت عليه عدم المتابعة لشخصية جيمس رايت في نهاية الرواية فلم يكمل لنا الحديث عنه بعد هروب ابنته من بيته ولجوئها الى كامل، بعد هذا الحدث الكبير لم نقرأ عنه أي شيء أو كان هذا الأمر مقصوداً ؟ ولو كان ذلك فلماذا ؟!
وفي الختـــــــام
إن الرواية زاخرة بكل ما هو مفيد وطيب وتحتاج الى دراسات متعددة الجوانب والأشكال أما في هذه المقالة فأكتفي بما أوردت وأختتم بأن ‘نادي السيارات’ هي ‘الثالثة الثابتة’ التي أرادها الكاتب وهي بصدق من أنضج وأشمل وأعظم الروايات التي صدرت خلال الخمس سنوات الماضية. لقد استمتعت بها وأحسست أنها اضافة مميزة للمكتبة العربية.