أين اختفت بلاد الأمل؟

حجم الخط
0

روى البروفيسور يهوشع ليفوفيتش بأنه التقى ذات مرة في طريقه بالكاتب شاي عجنون، الذي تساءل على مسمعه: لماذا هزلت قوة التوراة. فأجاب ليفوفيتش بهذه الروح: قوتها تحطمت لأنها أصبحت مهنة، وقدر أكبر مما ينبغي من الحاخامين.
وبالفعل، فإن الطماعين الذين جعلوا التوراة مهنة يحظون بلقب حاخامين. في المنفى لم تمس قلة الحاخامين بالهوية اليهودية، فيما أن إسرائيل اليوم غارقة بجيوش من الحاخامين في صورة مرشدين روحانيين يهمسون في آذاننا منذ الختام وحتى حفرة القبر. الكثيرون منهم محصنون من النقد حتى لو كانوا سراقين، مغتصبين، محرضين عنصريين، مهاجمين لجنود الجيش وساعين بلا كلل وملل إلى ضعضعة المؤسسات الديمقراطية. ففي الوقت الذي تحاول فيه ذراع القانون العلمانية، التي اصبحت هزيلة من يوم إلى يوم، لجمهم، يقف على الفور للدفاع عنهم موالون، سياسيون تنز منهم رائحة الفاشية أو رؤساء حكم فاسدون مستعدون لأن يبيعوا صالح الدولة بشروى نقير من المكاسب الشخصية.
وحيال الثلاثي الدنس للحكم الفاسد، المال والدين المسيحاني العنيف يبدو أن الشعب يقف عديم الوسيلة، مشلولا ومشوشا. فالحكام يدعون بأنه يمسكون بالحكم بشكل ديمقراطي إذ أن لهم أغلبية في الكنيست. فالديمقراطية ليست فقط حكم الاغلبية. معنى الديمقراطي هي الحماية المتزمتة لحقوق الاخر والمختلف. معنى الديمقراطية هو ضمان وجود الضعيف، وحين يلغي الحكم التأمين الاغاثي الجماعي للشيوخ ويلقي بمئات الالوف إلى حياة العوز في أواخر ايامهم، ويصوت ضد مساواة مخصص العجز بالحد الادنى للاجور، فان هذا الحكم ليس ديمقراطيا بل عصبة من مغلقي الحس الانساني.
معنى الديمقراطية هو حماية منظومات الرقابة والقضاء، فيما نشهد نحن هجمات مغرضة وخطيرة على المحكمة العليا، مثل القول الفاشي لنائب في إسرائيل انه يجب الصعود مع جرافة على المؤسسة القضائية العليا. معنى الديمقراطية هو حرية التعبير وحرية التفكير. معنى الديمقراطية هو الحق في التظاهر دون الاصطدامة بعنف الشرطة على لون جلدة المتظاهرين، دمهم أو جنسهم.
في أجواء من الدعاية الكاذبة واللسان اللاذع لذاك الثالوث الدنس، تنزلق إسرائيل اليوم إلى العالم الثالث الظلامي وتبتعد أكثر فأكثر عن العالم الديمقراطي المتنور. فالضحايا المباشرون هم السكان المستضعفون والابرز منهم هم المواطنون العرب، الذين يتطلع معظمهم ان لم يكونوا كلهم إلى حياة مطمئنة في نظام سليم. نذكر حملة التشهير الشريرة ضدهم، التي جرت بادارة رئيس الوزراء قبل نحو اسبوعين حين احترقت حيفا باللهيب. ولم تجدي نفعا تصريحات المواطنين العرب بأن هذه البلاد هي بلادهم مثلما هي بلاد المواطنين اليهود، وان الالم العام هو أيضا المهم. وبسبب هذا الشرخ السام للنظام الذي يختلق الاعداء، يشكل المواطنون العرب على نحو دائم هدفا للنبذ والتمييز العلني والخفي.
ان الحلف غير المقدس بين الحكم الهزيل وبين المدعين بروح القدسية يحظى بتأييد حماس من اصحاب المال. فالسمان يصبحون أكثر سمنة والهزيلون يغرقون عميقا في وحل الديون والعوز. واحد يشتري شقة بعشرات الملايين وواحد في افضل الاحوال يدفع نحو نصف دخله على اجر شقة خربة مفتتة وفي أسوأ الاحوال يخلى ويطرد من بيته بوحشية في صالح رب مال عقاري.
بسبب الاستقطاب الطبقي المثير للحفيظة تغرق الطبقات الضعيفة في دائرة الفقر الاخذة بالتعمق، والتي يبدو انه لا مخرج منها. فهذه الطبقات تنهار تحت عبء الديون لأن ليس بوسعها أن تدفع لقاء الكهرباء والماء (حقوق انسان اساسية)، بينما تمارس السلطات العامة ضدها أجهزة جباية تعسفية. من المحزن أن يكون معظم الأطفال الذين يولدون لعائلات فقيرة يحكم عليهم بالمراوغة حتى آخر ايامهم في ضائقة السكن، سوء التغذية ومدى العمر القصير. والغواصات الزائدة التي تشترى بالمليارات، ثمنها كفيل بأن يخلص عشرات الالاف من الفقر.
في واقع الاحتلال، الاستيطان العنيف لأرض ليست لنا، مبادرات قوانين السلب، فإن صورة المحتل العنيف في الثقافة الإسرائيلية هي موضع اعجاب. النساء في المجال العام، في صفوف الجيش والعمل لا يعانين فقط من التمييز في الأجر بل وأيضا من التحرش الجنسي الذي لا يطاق. وفي كل يوم تنكشف قضايا فظيعة للاغتصاب والتنكيل. واحدة من كل ثلاث نساء في إسرائيل تتضرر بعنف جنسي. مخيف أن يكون المرء اليوم فتاة أو امرأة بريئة في مكتب، في بار، في حديقة عامة، في الجيش بل وفي مكتب جنرال وساحة حاخام.
خطير بقدر لا يقل أن يكون المرء أسود في إسرائيل. في حالات غير قليلة فان الشخصية التي يفترض بها أن تدافع عنك، سواء كانت هذه شرطيا أو رجل أمن في نادٍ ليلي من شأنها أن تدوس عليك. ذروة الاهانات، يتعرض لها سليلو اثيوبيا لقاء الطمع المالي الذي يعرض للخطر حتى صحة الاطفال. الاسود هو هدف مريح للتنكيل من جانب الزعران المتوحشين بالضبط مثلما كان اليهودي في بلاد اللا سامية.
اليوم أنا ابن 90. جئت إلى البلاد في سن 23. رأيت حولي عيونا لامعة، كانت أحلام.
كان أمل بالمساواة العدل. في الخدمة الهيدرولوجية التي عملت فيها، كان راتب السائق البسيط في القسم كراتب المدير لأن السائق كان أبا لأطفال كثيرين. كيف تبددت الأحلام من افق حياتنا، كيف سحبت بلاد الامل من تحت أقدامنا؟ كيف ديس على حقوق الانسان في مجالات عديدة؟ وكيف ترك المواطنون لمصيرهم أمام سياسة كل أزعر فيها رجل؟ وحتى الثقافة الإنسانية تطارد اليوم وتفر للنجاة بروحها، منظمات حقوق الانسان تتعرض للاعتداء، ومعها أيضا الإعلام النقدي تجاه الحكم. كما ان الأكاديميا تشكل هدفا، إذ طرحت مؤخرا فكرة شوهاء تقضي بأن تتبلور قواعد اخلاقية مرفوضة لمؤسسات التعليم العالي. وحتى الأدب مطالب بأن يجتاز طريق الترشيح السام الذي يفرضه المشرفون ضيقو الافق.
على المرء أن يكون بطلا جسور الروح كي ينهض ويصرخ صرخة الوطن الانساني المداس. ليس كل واحد قادرا على أن يكون شجاعا يحمي حقوق الانسان. وأنا أتبنى قول الدلاي لاما: هدفنا المركزي في هذه الحياة هو مساعدة الآخرين. واذا كنتم لا تستطيعون مساعدتهم، فلا تضروا بهم على الأقل. مثقفون وفنانون غير قليلين يستجيبون لغمزات المؤسسة الرسمية، ولاسفي غير قليل من الكتاب والشعراء يكتفون بشروى نقير ويبيعون كفاءاتهم واقلامهم لمفسدي وجه الثقافة.
وعلى الرغم من ذلك، في سنوات حياتي شهدت امبراطوريات شريرة آمنت بأن تبقى على حالها الف سنة، فتفككت إلى غبار دقيق تحت القدم الشديدة للانسان الذي يتطلع لأن يكون انسانا. الكابوس الفظيع الذي يلفنا اليوم حكمه أن ينقضي.

يديعوت 12/12/2016

أين اختفت بلاد الأمل؟
تنزلق إسرائيل اليوم إلى العالم الثالث الظلامي وتبتعد أكثر فأكثر عن العالم الديمقراطي المتنور
سامي ميخائيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية