■ تضعنا كتب التراجم والرسائل أمام حقيقة أن فن السيرة الذاتية كان موجوداً في الأدب والثقافة العربيين. وقد كان هذا النمط من الكتابة بمدلوله السيرذاتي لا يُكتب وفق شكل فنّي محدد، وإنما كان يجمع في الأغلب على شكل فصول، محاولاً إيجاد الوحدة والتماسك بينها عن طريق إبراز التطور الزمني في ذكر مراحل حياة المؤلف وشخصيته الاعتبارية، فصار يُعبّر عن نثر تمثيلي يركز على الاهتمام بنقل الخبر من الذاكرة لإبراء الذمّة مع النفس والآخر، وتدوينه كوثيقة أكثر من صَوْغه صياغة فنية ضمن شكل سرديّ مُتطوّر بناءً وأحداثاً، مع ما يتخلّله هذا النمط من شعر وترسُّل وأحلام ورؤى.
وكان أكثر فضاء السيرة الذاتية عند قدامى المسلمين مُتعلّقاً على نحو مباشر بالأنا، بما يعنيه هذا التعلق في نمط السرد السيري من حكي وكشف وتبرير واعتراف، خاصة في منحاها الشخصي، كما عند أسامة بن منقذ وابن خلدون، أو في منحاها الصوفي أو الروحي الذي اهتمّ فيه أصحابه من أمثال ابن حزم وأبي حامد الغزالي وابن عربي تمثيلاً، بتدوين الحياة الداخلية للنفس.
وعلى هذا النحو، كانت السيرة الذاتية تتنوّع بحسب المقاصد من كتابتها وتدوينها، وطرائق تلفُّظها السردي وعلاقتها بما تسرده ومن يُسرد له: بين سيرة ذاتية تعكس الصراع الروحي، وأخرى تسرد تجارب الأنا السيرذاتية ومغامراتها، وثالثة بغرض الاعتذار والتبرير، أو بغرض التأريخ والإخبار.
رؤى استشراقية
وقد كان أول من اهتدى إلى البحث في السيرة الذاتية أو التراجم الذاتية عند العرب هم المستشرقون، بمن فيهم فرانتز روزنتال وكارل بروكلمان، قبل أن يأخذه عنهم الدارسون العرب المحدثون. وكانت أغلب هذه البحوث مقالات مختصرة وتأويلات مجتزأة نهجت العرض التاريخي، ولم تتناول «المفهوم الفني» للسيرة الذاتية. مع ذلك، فإنّ الإرث الذي تركه لنا أولئك القدماء من كتب التراجم أو السيرة الذاتية يبين عن ملامح واشتراطات ومواصفات خاصة لـ«نوع أدبيّ» كان يتطوّر باستمرار، وبالتالي يدحض المغالطات التي شاعت في الأدب الغربي وأشاعها الفكر الاستشراقي، أو الكولونيالي ورديفه الإغرابي الذي يؤمن بتفوُّق الغرب، والقائلة بأنّ أدب «السيرة الذاتية والاعتراف» الذي يتمحور حول البوح بهدف التكفير عن الخطايا التي يرتكبها الإنسان المُذنِب، إنّما هو نوع غربي مسيحي خالص لم يعرفه غير الأوروبيّين، وأنّ مسألة السيرة الذاتية العربية قد تأثرت بالفكر الأوروبي، وأن هذه السيرة نفسها كانت تلغي أنا الفرد لحساب أنا الجماعة، مثلما أنّه كان ينقصها العمق السيكولوجي، كما نجد ذلك عند المستشرقين بالمعنى الذي يعطيه لهم إدوارد سعيد، وعند أبرز النقاد من أمثال: جورج غوسدورف، وجورج ماي، وروي باسكال، وجون ديجو وغرونباوم.
فهذا جون ديجو ـ تمثيلاً ـ يرى أن قول «الأنا» في السياق العربي الإسلامي لم يُصرَّح به منذ عشرات السنين، فقد كان يجب انتظار تأثير طابع الحضارة الغربية، الإنكليزية والفرنسية، على العالم العربي الإسلامي في العصر الحديث، حتى يبرز هذه «الأنا» الاستبطاني في الروايات والنصوص الأدبية. وقد برر قوله بأن عرض النفس، نفس الإنسان ـ الذات، قلّما تم تثمينه إلا في سنوات حديثة، وكان هذا العرض للذات يتمُّ في سياق التثاقف الأجنبي. ويعتقد فون غرونباوم أن الدين الإسلامي كان يمنع المؤلّف من أن يتحدث عن نفسه، عن «أناه» الإنسانية، وكأنّه بذلك يحاكم كلّ نص سيرذاتي باعتباره نصّاً دينيّاً، بمنأى عن اشتراطاته السوسيوثقافية التي تتنوّع من بلد إلى آخر، ومن صقع إلى آخر.
أما جورج غوسدورف فرغم إقراره بأن تأكيد الذات على حساب الحياة، أو الرغبة بقدر الإمكان في إبقاء الهوية الإنسانية على أعلى درجة من التجريد والتعالي، قد وُجدا معاً داخل الصوفيات التأملية في المسيحية أو الإسلام، لكنه هو الآخر لم يتخلّ عن منظوره الكولونيالي، عندما ادعى أنّه لم يكن بوسع السيرة الذاتية أن تظهر خارج نطاقها الثقافي. فهي في نظره تترجم هَمّاً خاصّاً لدى الإنسان الغربي، همّاً أمكن أن يحمله معه في غزوه للكون ويتواصل مع إنسان آخر من حضارة مختلفة، وسيجد هذا الأخير نفسه مُلْحقاً بنوع من الاستعمار الثقافي على الذهنية التي كان عليها. وحتى فيليب لوجون يذهب في كتابه «السيرة الذاتية في فرنسا» الذي دشن بدايات مفهوم الميثاق السيرذاتي، إلى أن السيرة الذاتية ليست أبدية: إنّها ظاهرة غربية خاصة بأوروبا الغربية، وقد مرّ بالكاد على وجودها قرنان من الزمن.
عماء المركز
لا يمكن بأي حالٍ أن نتّفق مع هذه الآراء العرقية المتمركزة على أوروبا، والغرب عامة، لأنّ رغبة الذات في القول وفي أن تحكي عن نفسها وتبوح بحياتها الماضية كان أمراً موجوداً على الدوام وفي كل مكان، ولم يكن نتاجاً قد اختصّت به الحضارة الغربية. ليس هذا وحسب، فقد وجدنا أن بعض مفكّرينا يقترضون هذا الخطاب الاستشراقي والكولونيالي. نستشهد، هنا، بعبد الرحمن بدوي الذي لخص، في كتابه «الموت والعبقرية»، وجهة نظر هؤلاء المستشرقين ومن نحا نحوهم، فأنكر على العرب قدرتهم على الإبداع في فن السيرة الذاتية، لأن الشعور بالشخصية الذي لا غنى عنه، في كل ترجمة ذاتية، «هو شعور غامض بعض الغموض، مضطرب، قد خلا من القوة والوضوح» عند العرب. كما اعتقد الباحث عبد السلام الشدادي أنّ الـ«أنا» السيرذاتي رأى النور بفضل أوروبا، وأخذ النموذج السيرذاتي الغربي باعتباره نموذجاً كونيّاً على الجميع أن يسير على منواله. وتبعاً له، ففي الغرب صار الحديث عن النفس «أكثر حميميّة وبطريقة مفصّلة للغاية»، وقد ازدهر تحت ثلاثة أشكال أساسية هي: المذكرات، والاعترافات واليوميات. وبالنسبة للثقافة العربية الإسلامية، يلاحظ الشدادي أن «الحديث عن النفس مذمومٌ بوضوح دينيّاً وأخلاقيّاً»، وأنّ المؤلف قلّ أن يلمح إلى حياته الحميمية.
وفي السياق نفسه، كتب المفكر هشام جعيط أن «البحث عن الغرب» كان بمثابة بحث عن الـ«أنا»، «بمعنى التأكيد على الفرد»، زاعماً أنّ «الإسلام تجاهل النزعة الأنسية كحامل للقيم الحضارية»، أو أنّ «الإسلام ظلّ مرتبطاً بنمط من الذات الذي يغيب كُلّية الإنسان، أو أن الإنسان ليس إنساناً إلا بصفته مؤمناً». فعلاوةً على الخطأ الفادح الذي يقعون فيه إذ يعدّون السيرة الذاتية نوعاً نادراً في الأدب العربي، يعيدون إنتاج مغالطات المستشرقين، ويُسقطون نظرياتهم وآراءهم المسبقة في حديثهم عن نوع السيرة الذاتية في الأدب العربي قديمه وحديثه.
بيد أن ثمّة رأياً آخر انحاز إليه بعض المستشرقين المتأخرين ممن نفضوا فكرهم من المركز، مثل الباحث الأمريكي دوايت رينولدز الذي درس تراث السيرة الذاتية عند العرب، واكتشف مع مجموعة من الباحثين عدداً غير متوقع من السير الذاتية العربية القديمة، وهي متنوّعة إلى حد مدهش، وقال: «إن ما نجده من تنوع اجتماعي عند هؤلاء المؤلفين، هو واحد من السمات الأخّاذة في تراث تراجم النفس العربية السابق على العصر الحديث، هذا التراث الذي ما زال مستمرّاً بصورة السيرة الذاتية الحديثة». وسبق أن استهجن رينولدز أفكار كلٍّ من جورج مش وروزنتال وتصدى لمغالطاتهما وهما يدعيان بأنّ السيرة الذاتية نوع أدبي أوروبي خالص.
فمن المجحف وغير التاريخي، أن نظلّ نتسقّط عبر هذه التراجم والسير الذاتية آثار مفهومها الحديث و»ميثاقها السيرذاتي» كما قعّد له الفرنسي فيليب لوجون، وأن نطلب منها أن تكشف لنا عن معنى العالم الفردي بأبعاده الذاتية المفترضة كما جرى العرف بذلك في التأريخ للحياة الفردية والكشف عن منحنياتها على الصعيد الأوروبي. ولا أن تقيم وزناً لمفهوم الاعتراف الرائج في الآداب المسيحية القروسطية الذي يتطهّر به الفرد المذنب بحسب اعتقاده الديني، رمزيّاً ومعنويّاً، من خطاياه وزلّاته. ففرض القوانين الغربية الحديثة على السيرة الذاتية العربية يبدو غير ملائم بالمرّة، لأنّ أيّاً منها كان يتطوّر في سياق تاريخي مختلف.
مع ذلك، ما زال بعض النقّاد يواصل انتقاد تراث السيرة الذاتية، مرتكزاً في ذلك على أقوال نسبية، وعلى حسبان النموذج الغــربي قابلاً للمحاكاة والاحتذاء، بعد أن كرست «الإسطوغرافيا الغربية»، لفترة طويلة، أوروبا كمركز مرجعي يأتمر به تاريخ البشرية. وحسب هذا التمثل البسيط والأحادي للمستقبل، يبدو كأن قدر المجتمعات غير الأوروبية أن تمرّ بالمراحل نفسها التي مرت بها أوروبا بوصفها النموذج الأكمل، وإلا بقيت في مؤخرة الركب.
شرط التاريخانية
لقد انطبعت أغلب هذه الرؤى الاستشراقية بطابع المركزية الأوروبية، ومنها من يرجع إلى جهل كلّي بالثقافات الأجنبية، وإلى نقص واضح لأيّ رؤية مُقارِنة والتباسٍ إرادي أو لاواعٍ بين أصل السيرة الذاتية والإنتاج السيرذاتي الحديث والمعاصر، ثُمّ بين السيرة الذاتية كنوع أدبي متغيّر والنزوع السيرذاتي الفطري. حتى إن احترسنا من الوقوع في «وهم تاريخي» يدّعي وجود السيرة الذاتية بمفهومها في التراث العربي، إلا أنه ليس الصائب اقتراح تسمية النصوص العربية القديمة المنتمية لسجلّ الكتابات الذاتية بالنصوص ما قبل السيرذاتية كما يذهب كثير من الباحثين. لكننا ننظر إلى نوع السيرة الذاتية في الحدود التي يعتبر فيها النوع تاريخيّاً؛ أي خاضعاً لشروط كلّ «عملية تاريخية»، بحسب تعبير عبد القادر الشاوي.
لكن ذلك لا يمنعنا من القول إنّه رغم غنى تراث السيرة الذاتية في التقليد العربي الإسلامي، كان يجب انتظار القرن العشرين لينتشر هذه النوع الكتابي من جديد، ويتلوّن بخواصّ وقوانين جديدة بفعل عامل التثاقف مع الآداب الأجنبية، من الشرق والغرب على حد سواء. كما كان يجب نهاية الإيديولوجيا التبريرية للتوسُّع الغربي في العالم وهيمنته، ونشوء الفكر ما بعد الكولونيالي، ليعلم الغرب أن من حقّ الشعوب الأخرى أن توجد بدورها، بمعنى أنّ لها تاريخها الخاص الذي لا يقتفي بالضرورة آثار النموذج الأوروبي. وقد راح العالم المتخلف (بالقياس إلى الغرب)، مع تطور العلوم الأنثروبولوجية والاجتماعية والتاريخية، يبرز أصالته وغناه وتنوّع عناصره على نحو أعاد النظر في حقل العلوم الإنسانية وعجّل ببدايات انهيار المركزية الأوروبية.
٭ كاتب مغربي