في التحذير من مصطلح «الإرهاب الإسلامي»

يحاول البعض التشديد على سبق كلمة الإرهاب بعبارة «ما يسمى بـ» فيتحدثون عن مكافحة «ما يسمى بالإرهاب»، والحرب ضد «ما يسمى بالإرهاب» وهكذا.
وجهة نظر هؤلاء هي أنهم يتحفظون على توصيف عمل ما بأنه إرهابي أو يتحفظون على حق هذه الجهة أو تلك في إطلاق مثل هذه التوصيفات، خاصة لو أنها كانت جهة مشكوكا في نزاهتها ومتهمة هي نفسها بارتكاب جرائم عنف وإرهاب. بحسب من يركز على هذه الإضافة فإن هذه العبارة الزائدة قد تكون مبرئة للذمة وموصلة بشكل ما لرأيه وقناعاته. لكن الأمر رغم ذلك، وبغض النظر عن نوايا أصحابه، لا يخلو من إشكال، لأن كثرة تكرار مثل هذه العبارات التي توحي بأن الإرهاب مفهوم فضفاض وحمّال أوجه، يعقد القضية أكثر ويساهم بصب مزيد من الزيت على نار فوضى المصطلح، التي نكوى بنارها منذ، على الأقل، الحادي عشر من سبتمبر.
الواجب برأيي هو التركيز على المعنى البسيط للكلمة الذي يتمثل في الترويع والتخويف والعنف، خاصة مع علمنا بأن من سيعرف من هو الإرهابي في نهاية المطاف ليس هذا المنبر الإعلامي أو ذاك، بقدر ما أنه الدول ذات القوة والشوكة. أما بقية من هم عزّل من القوة، سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو أنظمة إقليمية، فإن تصنيفهم يظل محلياً وغير مؤثر ما لم يلق بعض الهوى عند تلك القوى العظمى التي باتت تتحكم تقريباً في كل شيء بما فيه التصورات المعرفية. لن نفارق هذه النقطة قبل أن نتساءل: لماذا كانت كلمة «الإرهاب» هي الكلمة الأكثر شيوعاً، دون مقابلاتها ومرادفاتها اللغوية الأخرى، التي يمكن أن تؤدي لذات المعنى؟ هل من المصادفة أن يتم اختيار الكلمة الموجودة في القاموس القرآني؟ ربما كان البعض يراها مصادفة قبل سنوات، لكن التمادي الحالي في ربط الكلمة بالعرب والمسلمين، الذين حسب غرض مستخدمي الكلمة، يحضهم دينهم على إرهاب الغير، إضافة إلى توليد مصطلح جديد هو «الإرهاب الإسلامي». كل تلك أمور تجعل من الواجب إعادة التفكير في المسلّمات التي نستسهل التلفظ بها، والتي أصبح ترديدها من عاداتنا الثقافية اليومية.
«الإرهاب الإسلامي» مصطلح ابتكرته وسائل الإعلام الصهيونية، وبدأ يتسرب للأسف لوسائل الإعلام في العالمين العربي والإسلامي. لكن ألا يمكن أن تعتبر هذه العبارة مسيئة بحد ذاتها؟ أليس في ربط الإرهاب بدين معيّن ظلم وتجنٍ من ناحية، أو احتقار وكراهية لأتباع هذا الدين من ناحية أخرى؟ هل يتخيل أحد حجم الضجة والرفض إذا حاول أحد ما الحديث عن إرهابٍ يهودي أو مسيحي أو بوذي؟ إن العالم المعاصر يبتكر لنا تعريفاً جديداً للإرهاب، تعريفا يجعل منه فعلاً عنفياً مقتصراً على المسلمين، أو على أصحاب التوجهات الإسلامية. فحينما يفتح متطرف مسيحي النار داخل عيادة أمريكية للإجهاض، فإن ذلك لا يعد إرهاباً وكذلك حين يقتل أحد المراهقين ويجرح العشرات من طلاب مدرسته باستخدام السلاح الناري، أما في الحادي والعشرين من ديسمبر 2015 حين تقوم سيدة بعملية دهس في لاس فيغاس فإن الشرطة والأخبار تسارعان لتبرئتها من جريمة الإرهاب، فهي ببساطة لم تكن مسلمة. أمريكا المشغولة بالحرب على «الإرهاب» لم تعتبر في أكتوبر 2015 أن مقتل 10 أشخاص وجرح آخرين في ولاية أوريغون من قبل مجموعة مسلحة أمراً يتعلق بالإرهاب، بل أكثر من ذلك حين استولى مسلحون آخرون على مبنى حكومي في الولاية ذاتها، وقاموا باحتلاله بانتظار توفير مطالبهم، فإن الشرطة ووسائل الإعلام اجتمعت على رفض ربط الحادث بالإرهاب، أو حتى تسليط الضوء عليه بشكل مكثف، ما حدا ببعض الأمريكيين للتعليق آنذاك على المواقع الاجتماعية قائلين أنه من أجل إيصال صوتهم بشكل أقوى كان يجب عليهم تجنيد بعض الأمريكيين المسلمين. لكن التعامل سيختلف مع ما سيحدث يوم 12-6-2016، فبخلاف الحوادث أعلاه وغيرها مما لم نسمع به أصلاً، سوف يركز الإعلام لأيام طويلة على ذلك المسلم من أصل أفغاني الذي قتل وجرح ما يقارب المئة شخص خلال احتفال للمثليين «الشواذ» في أورلاندو.
بخلاف الهجمات السابقة، التي يكمن السبب الأصيل في حدوثها في سهولة الحصول على مختلف أنواع الأسلحة في الولايات المتحدة، لم يتردد أحد في وصف الهجوم بالإرهابي، وبأنه الأكبر بعد هجمات سبتمبر، خاصة مع إعلان منفذه ولاءه لتنظيم الدولة قبل لحظات من إقدامه على تنفيذ ما نواه. المفارقة كانت مع ما حدث من تفجير قنبلة في قلب نيويورك، وهو الخبر الذي استيقظ عليه الناس صباح الثامن عشر من سبتمبر 2016، وهو حدث كبير لرمزية المدينة وتاريخ الاستهداف وسقوط قرابة الثلاثين جرحى، ما يدل على الأهمية. كمنت المفارقة في إصرار السلطات، خصوصاً عمدة نيويورك على عدم وصف الحدث بالإرهابي، حيث كان ملخص تصريحه الصحافي: نعم إنها قنبلة ولكنه ليس إرهاباً.
تفسير كل ذلك هو أننا بصدد تعريف جديد للإرهاب. تعريف يحصره في الأحداث التي تكون وراءها جماعة دعوية أو شرعية أو ذات راية إسلامية، أما طالما لم يكن للحادث، مهما كانت بشاعته، دوافع دينية – إسلامية فسيتم التقليل من شأنه، واعتباره مجرد جرم عادي لا يستحق حتى تكثيف الاهتمام الإعلامي. لو تم توسيع التعريف فشمل كل عمل إرهابي فعلاً، فإن ذلك سيخلق تشويشاً كبيراً وسيمنع التركيز المطلوب على الحركات المقاتلة الإسلامية، التي تعتبر في الغرب، وفي الكثير من بلاد المشرق أيضاً، العدو الأول.
يبدو الأمر هنا أشبه بالتواطؤ المفضوح الذي يخرج من دائرة الإرهاب الكثير من الحركات التي اعتمدت أساليب القتل والترويع والتفجير، ليس فقط ذلك بل إنه يقود للتعاون مع بعض الحركات الدموية في سبيل هدف مكافحة الإرهاب، على طريقة التعامل الغربي المعلن مع التنظيمات الكردية التي دمغتها هي نفسها أو كانت في طريقها لأن تدمغها بالإرهاب. وهل هناك مثال أوضح لتفشي حالة الحكم النسبي على الإرهاب هذه من الممارسات الصهيونية؟ تلك الممارسات التي يصعب حصرها أو تصنيفها أو وصفها بغير كلمة الإرهاب. أكتفي هنا بذكر مثال واحد هو مثال الإرهابي اليهودي باروخ غولدشتاين، الذي نفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي التي نتج عنها مقتل خمسين مصلياً وهم سجود، إضافة إلى مئات الجرحى. تلك الحادثة أثارت استياء الكثيرين حتى في الداخل الاسرائيلي، ما أجبر السلطات هناك على الاعتذار باعتبار أن الرجل مختل عقلياً. هذا هو الجانب الذي نعرفه جميعاً عن القصة، أما ما يجهله معظمنا فهو أن غولدشتاين، المختل عقلياً، تم تعيينه طبيبا في جيش الاحتلال وعند قراءة وصيته بعد وفاته سنكتشف الآتي: « ليس هناك أي تناقض بين عملي طبيبا وعقيدتي اليهودية التي تربيت عليها وأدافع عنها هناك. وقت للعلاج ووقت لقتل العرب. إن التعايش مع العرب كذبة كبرى لا تجيزها التوراة».
رغم كل هذا التأصيل للإرهاب إلا أن غولدشتاين لم يعتبر إرهابياً لا بنظر اليهود في الداخل الذين سموا عليه شوارعهم وساحاتهم ومواليدهم، ولا بنظر العالم الذي تواطأ وتستر على جريمته في الخارج. هذا، كما قلت، مجرد مثال وإلا فإن المرء يحتاج لآلاف الصفحات إذا أراد التفرغ لرصد مظاهر الإرهاب الصهيوني واستهانة المحتلين والمستوطنين بأرواح أصحاب الأرض. لكن الأمر لا يقتصر على اليهود أو الصهاينة فقط، فطالما لم تكن مسلماً فإن بإمكانك فعل أي شيء مروع دون أن يجرؤ أحد على وصفك بالإرهاب.

٭ كاتب سوداني

في التحذير من مصطلح «الإرهاب الإسلامي»

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية