لا أعرف سببا يدعوني للقلق او الانزعاج كمواطن أردني من وصف اليمين الإسرائيلي المتطرف لبلادي بأنها «قط سيامي وسط غابة من الوحوش» لولا أن هذا اليمين نفسه يعبر عن واحدة من أبشع آلات الوحشية على مستوى إرهاب دولة وليس افرادا.
ولولا إيماني العقائدي بان الوحش الإسرائيلي وعندما يحاول شرعنة المستوطنات بغرور لا يستهدف فلسطين تحديدا بقدر ما يستهدف اسقاط عمان ومكة والقاهرة وعندما يستقوي على الشعب الفلسطيني يحتفظ بنواياه للانفراد بالشعب الأردني..
وايضا لولا ان القط إياه يتقافز برشاقة بين الوحوش ويتجنب الوحل والعنف وموجات الحريق الاقليمية بكفاءة تحسب له لا عليه وبتجربة لابد من الاعتراف بفضل المؤسسات الوطنية فيها قبل اي اعتبار سياسي.
ولا أعرف سببا يدفعني للاغتياظ عندما يمرر يمين إسرائيل مشروخته المعتادة حول أنه يوفر «الحماية للنظام الأردني» فأنا ولدت وعشت على الواقع المعاكس الذي يقول ما يلي: لولا القط السيامي نفسه لسهرت إسرائيل ليلها الطويل ولكانت منطقة الأغوار موطئا لكل حر في الكرة الأرضية يؤمن بإزالة آخر أعنف وأبشع احتلال لا زال عالقا في ذاكرة البشرية.
لولا إلتزامات القط السيامي الدولية لخرج نحو القدس من مخيم الوحدات فقط 20 الفا من الاستشهاديين صبيحة يوم جمعة ومثلهم من بادية الأردن الوسطى فقط ولقاتل الباكستاني والماليزي والهندي في حرب مقدسة ليس بالسكاكين بل بالمعالق وقصاصة الأظافر أيضا.
وهي حرب قد لا ينفع فيها جدار الفصل العنصري ولا شبكة الصواريخ ليس فقط لأن الاستشهاد على أسوار القدس حلم كل أردني شريف خصوصا من أبناء العشائر الذين يحترمون إلتزامات دولتهم الدولية.
ولكن ايضا لأن إسرائيل كانت ولا زالت اقرب إلى كيان يعادي فكرة الحياة نفسها ولأنها كما يقول شاعرنا الراحل رحمه الله حبيب الزيودي الدليل الأبرز على مشروع «غير منجز» ولا يمكن انجازه بالمعنى التاريخي للإنسان.
هنا حصريا لابد من السؤال المر : في الواقع والحقيقة من يحمي الآخر؟.. في الواقع والحقيقة من يلتزم دون الآخر بالاتفاقيات الدولية ؟ وما هي حال إسرائيل لو فتح الأردن حدوده أمام الحرب المقدسة بعدما تجرع اليمين الإسرائيلي حصته من دم الأردنيين والفلسطينيين ولا بد له من الرحيل وإن طال الزمن ؟.
واحدة من القناعات المتكثفة في وجدان الأردنيين جميعا تلك المتعلقة بالانزعاج من ذلك القط السيامي لأنه يساهم في توفير الحماية للكيان وتلك قصة يعرفها الجميع.
مجددا الأردنيون يختلفون احيانا مع نظامهم ولا يختلفون عليه ونقطة الخلاف المركزية في الشارع الأردني تتمثل في الاستغراب من الرهان المستمر على عملية السلام وعلى إسرائيل والحزن من تلك الاجراءات «الرسمية» التي تطبع مع إسرائيل او تساعد في حمايتها.
لكن الأردنيين يقرأون ميزان القوى جيدا ويعرفون بان التورط في مجازفات مع «الوحش الإسرائيلي» وفي ظل الواقع الموضوعي عربيا ودوليا وإقليميا لا يخدم بل يؤذي الشعبين الأردني والفلسطيني ويضع اليمين الأعمى في صدارة الفعل وتمكينه من مشاريعه المريضة التي تقول بان «فلسطين هي الأردن».
الأردني يقرأ بالفطرة بأنه لا مصلحة لفلسطين بأردن هش وضعيف ومهزوز وان كانت له مصلحة وخبرة في «ترويض الوحوش» إلى ان تتغير الأحوال وتختلف الدنيا فتحين ساعة رحيل المشاريع التي لا يمكنها ان تصبح منجزة في المنطقة.
أعلم شخصيا لماذا يصاب اليمين الإسرائيلي بالجنون ويحاول إيذاء النظام الأردني بادعاء حمايته.. السبب بسيط: اليمين الإسرائيلي لا يمثل الدولة العميقة في الكيان وعمان على تواصل وصلة بالعمق الإسرائيلي.. بمعنى القط السيامي له «مخالب» ولديه خبرات متراكمة بحكم اعتبارات واقعية وسياسية تزعج اليمين وهي نفسها التراكمات التي أحبطت مشروعه في القدس مع اليونسكو مؤخرا.
في الواقع لا يعلم اليمين الإسرائيلي انه يقدم خدمة عملاقة في وجدان الناس عندما يشتكي ويتذمر ويتآمر على النظام الأردني لأن إسرائيل ببساطة شديدة لا يمكنها ان تمثل «الحق» ولأن التآمر على الأصدقاء والحلفاء والشركاء جزء من طبيعتها.
ثمة سؤال صغير هنا: كيف يتذمر «الحامي» من «المحمي» ويلومه إذا لم يكن الواقع في اتجاه معاكس تماما ؟ وإذا كانت اسرائيل هي فعلا من يحمي النظام الأردني فلماذا «يتنمر» عليها الأردنيون؟.
من جانبي اخالف كل القناعات التي اسمعها في الصالونات المغلقة حول أهمية تجنب شر إسرائيل من اجل ضمان «بقاء الأردن وألاحظ بان الحكومة الأردنية تبالغ في مساعدة إسرائيل والثقة بها ولا أؤمن بالسلام مع متوحشي اليمين في الجانب الآخر وإسرائيل كانت ولا زالت وستبقى «العدو».
تلك قناعات مترسخة في عمق كل الأردنيين وإن كانت الدولة كبقية الدول لها حساباتها.
قصة حماية إسرائيل للنظام في الأردن «كذبة» ووادي عربة اثبتت العكس للأسف الشديد أما القط السيامي فلديه ايضا مخالب يمكنها مغافلة الوحش الدموي ورشاقة تؤهله لمشروع ينمو ويتقبله العالم ويحترمه وينصفه التاريخ خلافا للطرف الآخر.
في الأردن وبعيدا عن حسابات الدولة الرسمية وحتى عن اتفاقية وادي عربة شعب حيوي ومؤسسات لها ما لها من العراقة والخبرة وقبائل وعشائر لا مجال للمزاودة عليها تتحين الفرصة للانقضاض على المشروع الصهيوني غير المنجز.
كلام اليمين الإسرائيلي الذي يردده بنيامين نتنياهو سياسي بامتياز وما يحاول فعله الضغط على الأردنيين وتخويفهم لأسباب من المرجح انها في نفس يعقوب…هنا حصريا ينبغي لنا كأردنيين الانتباه جيدا.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين