احتلال حلب: ليس نهاية حاسمة

حجم الخط
0

لقد وصلت الثورة السورية إلى مدينة حلب، المدينة الثانية من حيث حجمها في الدولة، بتأخير كبير. موجة المظاهرات ضد نظام بشار الأسد بدأت في مدينة درعا في جنوب الدولة في آذار 2011. ولكن بعد سنة ونصف فقط، أي في آب 2012، وصلت النار إلى حلب ايضا في اعقاب العملية التي قتل فيها خمسة من رموز النظام في دمشق. وبعد هذه العملية اقتحم المتمردون مدينة حلب وسيطروا على بعض احيائها الشرقية. وكانت هذه هي اللحظة التي بدا فيها أن مصير بشار الأسد قد حُسم، وأن سقوطه هو مسألة ايام معدودة.
لكن بشار بقي في الحكم، وجر روسيا إلى حرب اهلية دموية تركت القليل من الدولة ومواطنيها. وحلب هي مركز صناعي وتجاري هام، عاش فيها حوالي ثلاثة ملايين شخص، وتحولت إلى نموذج لما يمكن أن يحدث لكل مدينة مركزية تتجرأ على التمرد. لقد تم تدمير المدينة، وأقل من ثلث السكان بقوا فيها، معظمهم في الاحياء الغربية التي صمد فيها النظام.
قبل سنة حدث التحول الدراماتيكي في الحرب عندما انضمت الطائرات الروسية والمقاتلون الإيرانيون والشيعة إلى المعركة من اجل محاربة حرب بشار. أمام القوة العسكرية الروسية والإيرانية كانت يد المتمردين قصيرة. ويجب علينا تذكر أن معسكر المعارضة لا زال غير موحد، ومئات الجماعات المحاربة تهتم بالحرب فيما بينها وتحقيق أجندات إسلامية راديكالية أبعدت عنها المؤيدين في الغرب، وكذلك الكثير من السوريين الذين تفاجأوا من تطرف حركات مثل داعش وجبهة النصرة.
روسيا وإيران تقدمتا، بطول نفس وتصميم، نحو حلب. القصف الروسي ـ بدون تمييز، بل واحيانا بشكل متعمد، لإلحاق الضرر بالمتمردين والسكان الذين يؤيدونهم ـ لم يبق الكثير من الاحياء التي سيطر عليها المتمردون. وفي الطريق إلى تحقيق الانتصار تضررت أسواق كانت مليئة بالناس، وكذلك المؤسسات التعليمية والمستشفيات بمن فيها. واستكمل الامر آلاف المحاربين الإيرانيين على الارض ومحاربو حزب الله ومتطوعون شيعة جلبتهم إيران من جميع أنحاء الشرق الاوسط.
أمام الماكينة الروسية لم تكن فرصة للمتمردين. عدم الوحدة وغياب القيادة السياسية والعسكرية المتفق عليها والناجعة وغياب الدعم والتأييد الخارجي، لا سيما من الولايات المتحدة، كل ذلك حسم الامر لغير صالحهم. حلب أصيبت وقتل سكانها أو هربوا من بيوتهم والعالم ما زال صامتا.
يصعب التقليل من أهمية انجاز بشار الأسد وشركائه. احتلال حلب يشكل بالنسبة للزعيم السوري دفعة معنوية أو حتى ضوءا في نهاية النفق المظلم الذي تسير فيه سوريا بقيادته على مدى السنوات الست الماضية. من هنا قد يتوجه من اجل ضمان سيطرته في الاماكن القروية حول العاصمة دمشق، التي ما زالت فيها مجموعات كثيرة من المتمردين. ومن هناك قد يتوجه إلى الجنوب، ومن ضمن ذلك هضبة الجولان. وكذلك إلى الشمال، إلى محافظة ادلب التي يعمل فيها عشرات آلاف المتمردين تحت رعاية تركيا. وهناك احتمال آخر، رغم أنه غير ملح، هو العمل ضد داعش في شرق الدولة، ويمكن مقابل ذلك، تلقي الشكر من الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب.
لكن احتلال حلب لا يعني بالضرورة نهاية الحرب في الدولة. جيش بشار الأسد متعب وفيه عدد قليل من الجنود وتقوم بالحرب من اجله روسيا وإيران، والغطاء قصير كما تبين في هذا الاسبوع من خلال احتلال مدينة تدمر من قبل داعش، حيث تم استغلال انشغال النظام وحلفائه في حلب وعدم قدرة هذا النظام على العمل في عدة جبهات.
ما زال يوجد في ارجاء سوريا 100 ـ 150 ألف متمرد في مئات المجموعات المسلحة التي تحظى بدعم خليجي وتركي. وفي نهاية المطاف، الحرب في سوريا لم تعد حربا بين السوريين، بل هي حرب إقليمية لها بُعد دولي. أمور كثيرة ترتبط باللاعبين الإقليميين والدوليين. ولكن يصعب الافتراض أن ادارة ترامب ستحيد عن سياسة عدم فعل شيء كما فعلت ادارة اوباما. وهذا سبب آخر لسعادة بشار الأسد في طريقه إلى الانتصار المحتمل في الحرب.

إسرائيل اليوم 14/12/2016

احتلال حلب: ليس نهاية حاسمة
غياب الدعم هو الذي جعل النظام السوري يسيطر على المدينة التي قتل عددا كبير من سكانها
ايال زيسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية