حل «دولتين لشعبين» هو الوسيلة… وليس الهدف النهائي

حجم الخط
1

في السياسة، كما هو معروف، تعتبر الصراحة والمباشرة امرا مستبعداً، ذلك إذا لم تعتبر تصرفا خاطئاً او نقيصة حتى، إلى درجة ان تطور الامور في الحضارة البشرية، استدعى ايجاد مهنة واسلوب مخاطبة، نَحَت له تعبير «الديبلوماسية»، التي تُمكّن رجل السياسة من التعبير عن مواقف وقناعات راسخة، وعن قرارات حادة وصادمة، بكلمات رقيقة موارِبة. إلا ان هذه القاعدة الذهبية تنطبق على الغالب الأعم من قضايا الخلافات والتحالفات والمفاوضات بين الدول والشعوب. واقول «الغالب الأعم»، لأنها قاعدة لا تسري على جميع قضايا السياسة بشكل مطلق. وقضية فلسطين والصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وامتداده الصراع الصهيوني العربي، هي حالة سياسية ليست عادية ولا هي مثل صراعات دولية عديدة اخرى.
انها حالة نادرة، بل ربما فريدة، جراء الكَمِّ الهائل الذي فيها من عقد مستعصية وتناقضات كاملة في العديد من نقاط الاختلاف بين نظرتي وقناعتي كل واحد من طرفي الصراع. والتي لم تزِدها سنوات الصراع، التي تفوق قرنا وبضعة عقود، إلا تعقيدا.
قالت الحركة الصهيونية، كما قالت اسرائيل، مواربة في بعض الاحيان، وصراحة في احيان اخرى: «كلّها لنا، من البحر إلى النهر»، بل وزاد مغالون عندهم إلى ذلك «من البحر إلى الصحراء»، معبِّرين عن ذلك بكلمات نشيد بيتار وحركة حيروت، (وبتجلّيها الاخير تحت اسم «الليكود»)، التي تقول: «للاردن ضفّتان، واحدة لنا، والثانية.. ايضاً» (!). لكن اسرائيل والحركة الصهيونية فشلت، حتى الآن على الاقل، في تحقيق حلمها المجنون هذا فشلا ذريعا. مقابل ذلك فان الشعب الفلسطيني العربي آمن وردّد نفس المعاني، وربما الكلمات ايضا، في مناسبات عديدة، ولكنه مُنِيَ هو الآخر، بفشل اكثر من ذريع، إذا جاز التعبير.
تمّت في اطار هذا الصراع حتى الآن، مواجهات عسكرية وحروب طاحنة ومعارك لا تحصى، وكان الفلسطينيون والعرب في غالبيتها هم الطرف المهزوم، وكانوا في نتيجتها الاجمالية هم الخاسرون لكل فلسطين ولأَجزاء من اراضي «دول الطوق». وتمّت في القرن ونيِّف من سنوات الصراع مفاوضات ومحادثات ووساطات وتدخلات وقرارات دولية لا تحصى ولا تعد. كلها، باستثناء اوسلو، لم تسفر عن استعادة حق واحد من حقوق الفلسطينيين، ولم تُعِد إلى ارض فلسطين لاجئا واحدا.
حتى اوسلو نفسها، التي تعاطى الفلسطينيون مع ما اسفرت عنه من نتائج ايجابية، وما وفرته من مقدمة بشّرت ووفرت بداية لتحقيق انجازات اكبر واعمق واوسع، بممارسات وسياسات وقرارات لم تتصف بالحكمة المطلوبة في العديد من المراحل والمواضيع، كما تعامل معها اليمين الاسرائيلي بالرفض، ثم بالعنف، ثم بالالتفاف على كل ما هو ايجابي فيها، إلى جانب التمسك بكل ما هو سلبي في تلك الاتفاقية، ووصلت بنا إلى ما نحن فيه اليوم من احباط يلف جميع مكونات الطبقات الاجتماعية الفلسطينية، باستثناء افراد يُعَدّون بالعشرات فقط، ينعمون بمكاسب وفَّرتها وتوفِّرها لهم كراسي السلطة والنفوذ التي يتربعون عليها، في هذا الزمن الفلسطيني الرديء، اضافة إلى اعداد كبيرة، ( وانا واحد منهم)، من الذين ينظرون إلى مجمل الاحداث بعين التاريخ، ويقرأون الاحداث، مهما طغت وطالت، باعتبارها «حِقبة» في مسلسل تاريخي متواصل الحلقات، حتى لو غطت احدى تلك الحقب قرنا او قرنين من الزمن، فانها تظل في تاريخ الشعوب مجرّد «حقبة». ورحم الله الراحل الكبير شاعر فلسطين، محمود درويش، الذي تعالى على المحتل وخاطبه باسلوب مباشر: «في حجم مجدكمُ، نعلي… وقيد يدي، في طول عمركمُ المجبول بالعارِ».
في اعتقادي، ان تطور الامور على صعيد القضية الفلسطينية كما شهدناه وعايشناه، ووصول الحال إلى ما نحن فيه من انعدام افق يسمح بتوقع تغيير قريب لما فيه مصلحتنا، يفتح الباب على مرحلة تستدعي الاجتهاد، والبحث عن سبل جديدة، تُستبعَد فيها تعابير «حمّالة اوجه»، وذلك باعتماد لغة صريحة واضحة المعاني والدلالات، نخاطب بها انفسنا ومجتمعنا، ونخاطب بها نفسها عدونا الذي نخوض الصراع معه منذ ما قبل مطلع القرن الماضي.
توضيحا لما ادعو اليه اقول: تعالوا نتصارح مع اسرائيل والاسرائيليين، بان نكشف لهم قناعاتنا، وما نسعى إلى تحقيقه، وآمالنا، بوضوح تام، على النحو التالي:
ـ لدينا قناعة تامة بان من يتنازل عن شبر واحد من ارض وطنه، يفقد الحق الادبي باي شبر آخر من ارض وطنه. هكذا نؤمن نحن الذين فقدنا الجزء الاكبر من «ارض فلسطين»، (78٪)، في «نكبة» العام 1948، وفقدنا ما تبقى، (22٪)، في «نكسة» العام 1967. وهكذا انتم ايضا، حسب قناعاتكم وكما تقولون. واذا كان عمر نكبتنا ثلاثة ارباع القرن، فانكم تقولون ان عمر «نكبتكم» عشرين قرناً، وترون فيما تقومون به وتنفذونه من احتلال واستعمار، كما نراه نحن، استعادة مشروعة لحق سليب. منطلقين من هذا المبدأ، نقول صراحة اننا نرى في حل «دولتين لشعبين» خطوة اولى في الاتجاه الصحيح. هي وسيلة لتحقيق هدفنا المشروع في الحرية والاستقلال، انها اسلوب نضال وطني صادق، يتعامل مع الواقع في حدود الممكن، ولا يتنازل اطلاقا عن أي حق، وهي ليست الهدف ذاته باي حال من الاحوال، وان رأى فيها الفلسطيني هدفا نهائيا فانه يكون قد انحرف ودخل دائرة الخيانة للذات ان كان مواطنا عاديا، ودائرة خيانة الامانة والشعب، ان كان في موقع المسؤولية.
ـ هذا عن قناعتنا الراسخة، اما عن خططنا، فهي الاخذ في الاعتبار لكل ما طرأ على «ارض فلسطين» بلغتنا، وعلى «ارض اسرائيل» بلغتكم، في المئة سنة الماضية، وتكوُّن مجتمع يهودي اسرائيلي على هذه الارض، يستحيل معه اعادة الجيل الرابع او ربما الخامس من اليهود إلى الدول التي هاجر اجدادهم، قتلة وطردوا اجدادنا، منها. ومن هنا فليس امامنا واياكم إلا بديل من اثنين: استمرار الصراع والقتال وسفك الدماء وعدم الاستقرار ربما لمئة سنة جديدة او يزيد، واما العيش معا على هذا الارض، كمواطنين متساوي الواجبات والحقوق، دون عنصرية ودون أي تمييز من أي نوع كان.
ـ أما آمالنا فهي ان نصل إلى هذا الحل في اقرب فرصة، وباقل عدد ضحايا ممكن.
هذا يستدعي ان يتعامل الفلسطينيون مع الواقع، ومع حقيقة استحالة ان «يتبخر» من على «ارض فلسطين» ستة ملايين يهودي، حتى لو امتلكنا الف قنبلة نووية. وهذا يستدعي ان يتعامل اليهود الاسرائيليون مع الواقع، ومع استحالة ان «يتبخر» من على «ارض اسرائيل» ستة ملايين فلسطيني، رغم امتلاك اسرائيل، على ذمة صحف اجنبية، مئتي قنبلة ذرية. لم تسعفنا مفاوضات مباشرة بلغة ديبلوماسية على مدى عقدين ونصف العقد حتى الآن. دعونا نضع الديبلوماسية جانبا، ونقول بصراحة، حتى وإن كانت فجّة، ما نؤمن به، وما نسعى إلى تحقيقه، وما نأمل بانجازه.

٭ كاتب فلسطيني

حل «دولتين لشعبين» هو الوسيلة… وليس الهدف النهائي

عماد شقور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية