هل النهاية في حلب مجرد البداية؟

حجم الخط
0

سقوط مدينة حلب، التالية في حجمها في الدولة، في أيدي بشار الأسد وحلفائه من موسكو وطهران، هو انجاز هام في الحرب التي يديرها نظام الأسد ضد خصومه. ومع ذلك، فإن السبيل لإنهاء الحرب بانتصار الأسد لا يزال طويلا وليس مؤكدا. بعد كل شيء فإن التدخل الروسي والإيراني في المعارك في الدولة، ابتداء من ايلول 2015 ضمن استمرار وجود نظام الأسد، وأبعد أو حتى أزال عنه خطر السقوط في ايدي الثوار أو في ايدي قوة أجنبية من خارج سوريا. ولكن جمرات الثورة والاحتجاج في سوريا لا تزال تعتمل وتهدد مرة اخرى بالاشتعال، فما بالك إذا توقف ضغط الكماشة الروسية ـ الإيرانية.
منذ بدأت الحرب الأهلية في سوريا في 2011، شهدت صعودا وهبوطا بل وانعطافات دراماتيكية. وفي بعض الاحيان بدا بأن هزيمة الأسد هي مسألة منتهية، وسقوطه مسألة ايام وفي الاكثر اسابيع قليلة؛ وفي بعض المرات بدا بأن خطوة واحدة فقط تفصل بينه وبين تحقيق الحسم والانتصار في الحرب التي تعربد في بلاده.
في نظرة إلى الوراء يمكن القول مع ذلك انه حتى وصول الروس والإيرانيين في ايلول 2015 للقتال في حرب الأسد على أرض سوريا، كان الميل في الحرب في الدولة احادي الاتجاه ـ في اتجاه الثوار وضد الأسد.
لقد نجح الثوار في السيطرة على مناطق واسعة في أرجاء الدولة ـ قرية إثر قرية وبلدة إثر بلدة ـ بل وتوحيد الصفوف. وبالمقابل، نزف النظام السوري دمه وأخذ يفقد قوته، وفي نهاية اليوم وجد نفسه بلا احتياطات من القوى البشرية تسمح له بمواصلة القتال في حربه.
أدى التدخل الروسي ـ الإيراني في المعارك إلى تغيير الميل الذي لاح في الحرب في سوريا حتى ذاك الوقت. استراتيجية قتالية تقوم على أساس «النموذج الشيشاني» الذي طبقه الروس في سوريا بتصميم وبدون أي ازعاج أضرت بالروح القتالية لدى الثوار وذلك من خلال القصف الجوي والمدفعي ضد مناطق واسعة لردع وتهريب السكان المدنيين الذين يسكنون فيها، والمشتبه بهم كمؤيدين للثوار.
كما أن الاستراتيجية موضع الحديث سمحت أيضا للنظام ولحلفائه، من قوات إيرانية، ميليشيات شيعية ومقاتلي حزب الله، بأخذ المبادرة من الثوار والسيطرة على سلسلة من المعاقل الاستراتيجية والمواقع الاساسية ذات الاهمية في شمال سوريا، في وسطها وفي جنوبها.
ومع ذلك، لم تحسم الثورة ولا يزال الثوار نشطاء في كل أرجاء سوريا تقريبا يواصلون ملاحقة قوات النظام السوري وايقاع ضربات أليمة بها. وهم يواصلون التواجد في المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق، في أرجاء جنوب سوريا وفي وسط الدولة ـ حول مدينتي حماة وحمص.
محافظة إدلب كلها في شمال سوريا لا تزال توجد تحت سيطرتهم، وكذا أيضا اجزاء واسعة من شرق الدولة. والان، سيوجه النظام السوري إلى كل هذه المناطق الجهود في محاولة لحسم الحرب في سوريا نهائيا.
في كل محاولة لتحليل الحرب في سوريا، وكذا أيضا توقع المستقبل لما سيحصل في هذه الدولة، ينبغي أن تؤخذ بالحسبان حقيقتان أساسيتان، متناقضتان ظاهرا: الاولى هي أن نظام الأسد اظهر قوة مفاجئة وقدرة على البقاء، ولم ينهر.
مؤسسات الدولة السورية تواصل أداء مهامها وتشكل نواة للانتعاش، بل ولهجوم متجدد من الدولة السورية. وبالتوازي فإن النظام السوري مستنزف وتعوزه القوة كي يفرض نفسه من جديد، بمساعدة روسية وإيرانية.
الثانية هي أن معسكر الثوار يعتمد على دعم واسع من أجزاء هامة من السكان السوريين، وكل جهود النظام السوري، بل وحلفائه الروس والإيرانيين لالحاق الهزيمة بهم لم تنجج.
ومع ذلك لم ينجح معسكر الثوار في خلق تراص ووحدة للصفوف وتنمية قيادة عسكرية وسياسية تسمح له بأن يحسم المعركة في صالحه. كما أنه أصبح متعلقا اكثر من اي وقت مضى بالمساعدات من خارج سوريا، والتي لا يعد استمرارها مضمونا على الاطلاق.
من هنا ينشأ استنتاجان: الاول، في ختام ست سنوات من الحرب المضرجة بالدماء، ليس لدى الاطراف المقاتلة في سوريا قدرة على ان يحسموا وحدهم خصمهم ويؤدوا إلى انهاء الحرب. والآخر هو أن الحرب في سوريا لم تعد حرب السوريين وحدهم. فالتدخل الفاعل لقوات اجنبية في القتال يغذيها، يؤدي إلى استمرارها بل ومن شأنه أن يقرر نتيجتها.

القليل المتبقي

يثير هذا الواقع تساؤلات ولكن أيضا اجابات محتملة، حول الشكل الذي يمكن فيه للحرب في سوريا أن تنتهي، وعلى أي حال بالنسبة للمستقبل المتوقع لهذه الدولة. احد الاحتمالات، «السيناريو الاسباني» (سيناريو الحرب الاهلية في اسبانيا) ـ النظام السوري ينجو من الحرب ويخرج منها ويده هي العليا، أو على الاقل وهو يسيطر بثقة على النواة الصلبة للدولة السورية، ذات القاطع الذي يمتد من دمشق شمالا إلى مدينة حلب وانتهاء بالشاطيء السوري.
من هذه المناطق سيحاول الأسد الاقتحام والسيطرة على الاجزاء المتبقية من سوريا. معسكر الثوار سيدحر إلى الهوامش وعلى مدى الزمن سيتفكك إلى أن يكف عن أن يشكل قوة هامة قادرة على أن تهدد وجود النظام في دمشق.
الاحتمال الثاني، «السيناريو الافغاني» ـ القتال في سوريا يستمر بقوى متغيرة، ويبقى يخرب كل قطعة طيبة لا تزال باقية في الدولة. وذلك، حتى لو واصل الأسد الحكم ـ حكم هزيل وهش ـ برعاية روسيا وإيران ـ النواة الصلبة لسوريا، حيث يتركز معظم السكان.
الاحتمال الثالث، «السيناريو الليبي» ـ منظومة الدولة السورية تنهار بسبب النزف الذي لا يتوقف من الدماء وبسبب انهاك النظام السوري، ومجموعات مختلفة من الثوار تسيطر على مناطق الدولة. سيناريو كهذا يبدو غير معقول في ضوء التجند الروسي ـ الإيراني من خلف نظام الأسد.
ومع ذلك، تغيير دراماتيكي في سياسة النظام الأمريكي تحت رئاسة دونالد ترامب، بخلاف تصريحاته، وكبديل انصراف الأسد بشكل غير طبيعي، كفيل بأن يغير صورة الواقع في سوريا من الاساس.
وختاما، في نهاية ست سنوات من القتال المضرج بالدماء ـ القليل جدا بقي من سوريا التي يكافح عليها الأسد ومعسكر خصومه. فمعظم الدولة خربت، نحو نصف مليون من سكانها قتلوا ونحو 8 مليون آخرين، ثلث السكان فروا إلى خارج حدود الدولة.
الحرب ستستمر على ما يبدو لزمن ما آخر. ولكن إذا ما واصل الأسد التمتع بالدعم غير المحدود من جانب روسيا وإيران، وواصلت واشنطن ابداء انعدام الفعل والتعطل، جيدة احتمالاته ان يخرج من المعركة ويده هي العليا.
كل ما يتبقى هو أن نرى إذا كان سيتمكن ايضا من أن يسيطر، في غضون بضع سنوات، على عموم الاراضي السورية ويعيد هذه الدولة إلى ايام ازدهارها، قبل اندلاع الثورة والحرب في الدولة في ربيع 2011.

إسرائيل اليوم 16/12/2016

هل النهاية في حلب مجرد البداية؟
رغم سقوط المدينة لا تزال الطريق إلى انتهاء الحرب في الدولة طويلة
ايال زيسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية