أي دور للمثقف في زمن اللاثقافة

حجم الخط
0

بات الكل يشهد في الآونة الأخيرة انسحاب المثقف من الحياة العامة؛ بله انسحابه من دوائر الثقافة وما يتصل بها من سياقات، نتيجة تبخيس دوره والتشويش على قنوات التداول التي باتت تروج للمستهلك والمبتذل، في زمن اختلت فيه الأذواق والقيم وغلبت فيه المصالح الشخصية. وكذا بسبب من إقصائه وتعويضه بنخب جديدة، يمثلها المغنون والممثلون والرياضيون أنبياء الزمن الجديد، بعدما كان هو النخبة ومدار الاهتمام، إذ برزت نخب جديدة احتفت بها المؤسسة مادامت تحرس لها أنساقها، وسلط عليها الإعلام أضواءه، واستحوذت على المشهد العام؛ مروِّجة لخطابها الجديد المخادع الذي يكرس النمطية، كما صارت نموذجا للمتلقي الذي بات يعيش في عالم اليوتوبيا والأحلام والاستيهامات؛ بعيدا عن واقعه ونافرا من الثقافة التي أحدث معها قطيعة بفعل أزمة التمثيل السلبي التي نعيشها، والتي كرست صورة محتقرة عن الثقافة وعن المشتغلين بها وانغرست في المتخيل الجمعي لتصير قانونا مطردا وحقيقة ثابتة.
ففي ظل التغيرات الكثيرة والجذرية أحيانا، التي يعيشها مجتمعنا، ليس نحو الأفضل بتاتا، في كافة مناحيه، لم نعد نسمع صوت ذلك المثقف الذي يتعامل مع الظواهر المجتمعية بوصفها جزءا لا يتجزأ من تخصصه ومدارات اهتمامه، فينبري لها بالتحليل والرصد والتفكيك والمعالجة واقتراح البدائل والحلول المناسبة؛ إيمانا منه بدوره كمثقف عضوي حسب غرامشي يقتضي منه المشاركة في الحياة العامة، أو بدوره المدني حسب إدوارد سعيد؛ حتى لا يكون في معزل عما يتحرك في مجتمعه وما يموج داخله.
ومرد هذا الانسحاب إلى التوجه العام الذي لم يعد ينظر إلى الثقافة من زاوية أدوارها الطلائعية في الرقي بالمجتمع معرفيا وقيميا وجماليا وحضاريا، وتبخيس كل عمل ثقافي جاد مهمته التنوير والعقلانية واللحاق بركب الحداثة؛ لا في عرَضِها الزائل الذي مازلنا متعلقين به، بل في جوهرها الثابت. وحتى نتسلح بآليات ضد غلواء العولمة التي روضت أذواقنا وحولتنا إلى روبوتات استهلاكية فارغة من أي محتوى قيمي وإيثيقي، وقتلت فينا الحس الإنساني؛ ما خلق أجيالا مستلبة تجهل ماضيها وتراثها ومقتلعة من حاضرها، همها الوحيد والأوحد البهرجة وثقافة الاستهلاك والانقياد لسحر الصورة وغوايتها التي عملت على تشييئهم.
ومرده كذلك إلى غياب سياسة ثقافية ذات استراتيجية واضحة محددة الأهداف والمعالم، تسهر على وضع برامج ثقافية هادفة؛ من شأنها خلق مواطن صالح واعٍ، يعي الحقوق والواجبات، مقبل على العمل الثقافي بوصفه جزءا مهما من حياته اليومية.
وقد انعكس غياب السياسة الثقافية على إعلامنا المفتقِد لأي حس ثقافي أو استراتيجية ثقافية، لصالح هيمنة الحس الفرجوي، أو لصالح توجهات أخرى لن تسهم بتاتا في عملية الإقلاع الحضاري والقيمي والمعرفي. كما انعكس سلبا على توجهات وزارة الثقافة التي تعيش سباتا ثقافيا في غياب أي سياسة ثقافية بناءة تُشرك مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية وجمعيات المجتمع المدني في تشييد رؤى ثقافية تستهدف مختلف فئات المجتمع؛ خاصة فئة الشباب والمتعلمين حتى نحصنهم ضد الخطابات المسمومة والفكر الظلامي وحملات الاستلاب والليبرالية المتوحشة، ونزرع فيهم قيما نبيلة تمجد العلم والمعرفة وتكريس ثقافة الاختلاف والاعتدال.
فكل هذه المؤشرات التي وقفنا عندها؛ تشي بأننا بتنا نعيش في زمن اللاثقافة الذي من ملامحه؛ انحطاط القيم وغياب القدوات والنخب الجادة وبروز نخب جديدة تضطلع بوظيفة التهجين والأسلبة وترويض الأذواق وتنميط الفكر والاستحواذ على سوق الاستهلاك الثقافي الذي يحتفي بالمعاد والمكرور ويقصي الرصانة والجدة؛ مما فتح الباب أمام أشباه المثقفين وأدعياء الثقافة وتكريس ثقافة الارتزاق والانتهازية، وأوصد الباب في وجه المثقف الجاد الذي آثر الهامش وابتعد عن الأضواء؛ نظرا لانحسار وانحصار دائرة متلقيه حتى صار غريبا وضائعا في مجتمعه. ومن مظاهر زمن اللاثقافة الذي نعيشه تراجع مؤسسات التنشئة الاجتماعية في أداء وظيفتها والاستهتار بدور المدرسة والمدرس.

أي دور للمثقف في زمن اللاثقافة

هشام الدركاوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية