انهيار الدولة.. صعود الفاشية

حجم الخط
0

لم ترق معظم التحليلات والدراسات والاستنتاجات التي أحاطت بالمتغير العربي الراهن إلى مستوى التنظير بمعناه الخلاق بعد، ما شكل جانبا لا يستهان به من معضلة الخروج بهذا المتغير إلى رحاب ما تصبو إليه الشعوب العربية من مفردات الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، وأبقى محاولاتها في التغيير السياسي الاجتماعي حبيسة أطر ضيقة راحت تشد خيط التحول إلى وتد الآني المباشر في قصور لم يشهد التاريخ نظيرا له على الاطلاق.
من بين أهم العبر والدروس والتجارب التي راحت تفرزها الثورة السورية المعاصرة جملة من المقولات والمصطلحات التي لم تعد امتداداتها وارتداداتها ومفاعيلها تعكس مجريات الأحداث الميدانية، والممارسات اليومية في مشهد الصراع السياسي على السلطة في سورية فحسب، بل راحت تتعدى الحدث الملموس وترقى إلى مستوى المفاهيم الشمولية والذهنيات والمناهج التي تستحق عن جدارة أن توضع تحت مجهر البحث والتحليل، بغية رصد خلفياتها وتحديد مساراتها العامة وسياقاتها النظرية والعملية، في محاولة جديدة لتشخيص سر حالة الاستعصاء التي تمر بها تجربة سياسية كان مستهلها محاولة للتصدي لتغيير سياسي بات يشكل استحقاقا فعليا بكل المعايير المعروفة.
لن نخوض في هذا المقام في منشأ مصطلح الشبيحة والتشبيح والبيئة التي ظهر فيها، فالجميع يعرف هذا الجانب الملموس من القصة لجهة ارتباط الكلمة بعائلة الأسد وممارساتها غير القانونية أو المافيوزية خصوصا، وبمنظومة الفساد الذي ينخر في عضد النظام السوري منذ نشوئه عموما، وستذهب هذه المعالجة إلى الآفاق التي راحت تتولد تباعا حول هذا المفهوم ليس بالمعنى العملي، الذي قدم فرصة ذهبية للعائلة الحاكمة في سورية لاحكام قبضتها الحديدية على مقدرات البلاد والعباد طوال أربعة عقود ونيف من الزمن، وإنما بالمعنى النظري، الذي ربما يوفر قاعدة ذهنية صلبة لحالة تغول آلة القتل والقمع في دم السوريين ومعنوياتهم.
استحقاق هذه الوقفة يفرضه واقع تزايد خطورة هذه الممارسة المنهجية على المرتكزات التقليدية التي يقوم عليها أي مجتمع أو دولة في سلطاتها الرئيسية الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، التي عادة ما تسحق تحت نعال الشبيحة وتختزل جميعها في سلطة الفرد أو العائلة أو العصابة أو حفنة من الأفراد، وهذا أمر رأيناه بوضوح في غير تجربة سياسية على امتداد مواقع النظام الرسمي العربي، لكن يبقى للتجربة السورية فيه خصوصية لم تعد رائحتها النتنة تفوح داخل أسوار الحدود الوطنية فحسب، بل تعدتها وراحت تخترق حدود الساحتين الاقليميةو الدولية في نقلة نوعية، المراد منها ممارسة التشبيح على هذين المستويين لتأمين استمرار هذه الممارسة في مستواها الأول داخل الحدود الوطنية.
إشارة قوية تدل على هذه العقلية التشبيحية ولا يمكن تجاهلها بالمرة، تأتي هذه المرة ومجددا من خارج الحدود السورية، من خلال انخراط قوى اقليمية في الحرب الداخلية السورية وعلى رأس هذه القوى حزب الله اللبناني، الذي يبدو أنه اتخذ قراره ودخل على خط الصراع السوري بصورة مباشرة لا لبس فيها، كاشفا بذلك انتقال هذا الصراع من مرحلة إلى أخرى أوسع نطاقا وأكثر وضوحا واستقطابا وتموضعا، في الوقت الذي يفتقر فيه هذا التدخل الخارجي لما يكفي من المبررات المقنعة من الناحية العسكرية واللوجستية، إذا أخذنا في الاعتبار حالة التوازن السلبي التي استطاعت أن تحافظ عليها منذ مدة طويلة قوات الجيش السوري النظامي وقوات الجيش السوري الحر على كافة خطوط النار، وعلى امتداد الجغرافيا السورية، ما يعني أن دوائر التحالف الطائفي الايراني السوري اللبناني العراقي باتت ترى ضرورة ملحة في الكشف عن العنوان الطائفي الحقيقي الذي تخوض تحت رايته حربها ضد الشعب السوري.
بهذه الخطوة التي يمكن وصفها بالجريئة والخطيرة والمغامرة في آن يكون هذا التحالف قد ارتقى بامتدادات ذهنية التشبيح إلى مصاف اقليمية جديدة تلغى فيها كافة الشرعيات القانونية في دول المنطقة ليحل محلها قانون الغاب، حيث البقاء للاقوى، فقد ألغت قوات حزب الله وقوات النخبة في الحرس الثوري الايراني وميليشيات عراقية بدخولها معركة القصير وغيرها شرعية الدولة السورية، وشرعية الدولة اللبنانية وشرعية الدولة العراقية وشرعية الدولة الايرانية نفسها، المشكوك فيها أصلا، واتخذت قرارا ذا طابع ميليشوي صرف لا يخلو من ملامح فاشية عندما ادعت لنفسها حق حماية المراقد والمقامات الدينية الشيعية ومواطنين لبنانيين يعيشون خارج الحدود اللبنانية، في اشارة واضحة إلى غياب أو تغييب أطر الدولة الرسمية والشرعية التي من المفترض أنها هي المعنية بالقيام بمهام من هذا القبيل، وليس حزبا عسكريا يدعي أنه يستمد مشروعية وجوده من مقاومة الاحتلال الاسرائيلي عند خاصرة بلاده الجنوبية، خاصة أن هذا الحزب نفسه لم يحرك ساكنا لا على المستوى السياسي ولا العسكري، ولم يصدر عنه أي موقف عندما تعرضت مقدسات دينية في العراق لضربات وانتهاكات حقيقية، من بينها مرقد الامامين العسكريين في سامراء.
وبهذه الخطوة أيضا لا يكون حزب الله قد تخلى عن شعار المقاومة فحسب، وإنما عن تاريخ طويل من النضالات والحروب التي خاضها ضد الاحتلال الاسرائيلي في مشهد يجب كل أوجه السمعة الطيبة وحالة التضامن التي استطاع أن يراكمها خلال نحو ثلاثين عاما، كادت تتلاشى معها الصورة الانقلابية التي ظهر عليها هذا الحزب الطائفي في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي، حين تمكن من مصادرة المقاومة الوطنية والتقدمية اللبنانية الفلسطينية والباسها العمامة السوداء بقوة السلاح، والاغتيالات التي طالت أسماء تقدمية وثورية بارزة في الساحة اللبنانية، مستأثرا بحق التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي في زمني الحرب والسلم على حد سواء، بينما لم يتورع فصيل سياسي لبناني آخر ينتمي للطائفة عينها عن شن حرب شعواء ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت بضوء أخضر سوري وتحت مظلة التحالف الاقليمي عينه الذي كان يخطو خطواته الأولى إثر انتصار الثورة الاسلامية في ايران عام 1979.
خطوة يدرك من يقدم عليها وبشكل مسبق ما ستثيره من مفاعيل في المحيطين العربي والاسلامي لجهة امكانية ظهور محاور وتيارات على الشاكلة المذهبية ذاتها، في كنف القطب الآخر من المعادلة الذي بات هدير قواه السياسية وجماهيره المنادية بالرد يسمع بشكل ملحوظ في غير بلد عربي واسلامي، في مشهد تقوم حالة الاستقطاب فيه على العرق أو الدين أو المذهب، وتبتعد دفعة واحدة عن المقومات المدنية التي عادة ما تتشكل على أساسها التشكيلات السياسية، سواء كانت داخل السلطة أم خارجها، الأمر الذي يفتقر له نظام مستبد كالنظام السوري ويمنحه في الوقت نفسه نوعا آخر من الشرعية يحاكي مطالبة الدولة العبرية العالم أجمع بالاعتراف بها دولة يهودية، ما يمكن اعتباره خدمة مجانية جديدة يقدمها هذا النظام للدولة العبرية المارقة، التي لطالما سعت إلى خلق دويلات مذهبية أو عرقية تشبهها، كي لا تبقى هويتها الدينية التي تفوح منها رائحة العنصرية والفاشية جزيرة معزولة في محيط يخلو من دويلات تمثل هذه الطائفة أو تلك القومية، وتحكمها معادلات طائفية فاشية تقوم على المحاصصة الطائفية أو العرقية أو المذهبية، على غرار النظامين السياسيين في العراق ولبنان.
ولذلك يخطئ من يعتقد أن الجهود والمساعي السياسية المحمومة التي تبذلها قوى عالمية واقليمية كبرى ستفضي إلى نتيجة بغير هذه الاتجاه لا لشيء إلا لأن كلمة السر في تحرك ما يسمى بالمجتمع الدولي المسيطر عليه من قبل الغرب إذا ما أريد لها أن تأتي فإنها لن تأتي من مكان آخر غير الدولة العبرية نفسها، التي لا نكشف سرا حين نؤكد أن كل تلك التحركات تأخذ في الاعتبار أولا وثانيا وأخيرا مصلحتها ومصلحتها فقط في البقاء آمنة مطمئنة، ومن الغباء الاعتقاد بغير ذلك أو اغفال الواقع الذي أحدثه تدخل حزب الله وغيره من القوى الميليشياوية الاقليمية في سورية وتداعياته على المنطقة، لجهة حرف مسار نضالات الشعوب العربية إلى اتجاهات تكفل ابقاءها تدور في دوامة غريبة عنها وعن مصالحها الحقيقية حتى اشعار آخر.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية