القاهرة ـ «القدس العربي»: أثارت التفجيرات الأخيرة، التي شهدتها الكنيسة البطرسية، واستهداف كمين أمني في الجيزة، انتفاضة في مصر بجميع مؤسساتها ومن بينها مجلس النواب. وفتحت الباب أمام مـطــالب شعــبـــية بضرورة ردع الإرهاب بقوانين صارمة، وتحقيق ما يسمى «العدالة الناجزة».
وخرجت مطالب برلمانية بتعديل التشريعات الخاصة بقانون الإجراءات الجنائية لسرعة التقاضي، وبالأخص للمتورطين في العمليات الإرهابية، بل زاد الأمر ليصل إلى المطالبة بتعديل دستوري بإحالة قضايا الإرهاب إلى القضاء العسكري.
وفي هذا الصدد، كلف الدكتور علي عبدالعال رئيس مجلس النواب، اللجنة التشريعية في البرلمان بدراسة تعديل كل من قانون الإجراءات الجنائية، وقانون تنظيم الطعن وقانون الإرهاب، مشيرًا إلى أن عليها تقديم تقرير للمجلس بسرعة وخلال أسبوع واحد بشأن تلك التعديلات.
وشدد نواب البرلمان على ضرورة تعديل المادة 237 من الدستور، والتي ألزمت الدولة بمواجهة الإرهاب، حيث إن الدستور لا يسمح بمحاكمة المدنيين عسكرياً، إلا في حالات معينة حددتها المادة 204 من الدستور والخاصة بالقضاء العسكري، ومنها الاعتداء المباشر على المنشآت أو المناطق العسكرية أو المعدات أو في الجرائم التي تمثل اعتداء مباشرا على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية مهام وظائفهم، وهي المادة التي أعلن النائب إيهاب الطماوي أنه سيقدم تعديلا عليها، للتسريع بمحاكمة من وصفهم بالقتلة والإرهابيين أمام القضاء العسكري، بدلا من القضاء العادي، حيث إن هناك تغييرا في أداء قوى الشر والإرهاب، يستدعي اتخاذ أساليب تشريعية غير تقليدية لمواجهة هذا التطور في العمليات الإرهابية. ويشار في هذا الصدد إلى أن المادة 204 من الدستور الجاري النقاش حول تعديلها تنص على أن «القضاء العسكري جهة قضائية مستقلة، يختص دون غيره بالفصل في جميع الجرائم المتعلقة بالقوات المسلحة وضباطها وأفرادها ومن في حكمهم، والجرائم المرتكبة من أفراد المخابرات العامة أثناء وبسبب الخدمة، ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تمثل اعتداء مباشرا على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها أو وثائقها أو أسرارها العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد أو الجرائم التي تمثل اعتداء مباشرا على ضباطها أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم».
وأشار عدد من فقهاء القانون والدستور، إلى أن المطالبات بإحالة المتهمين في قضايا الإرهاب للمحاكمات العسكرية، تتطلب تعديلا دستوريا للمادة 204 خاصة أن تلك المادة حددت حالات الإحالة للمحاكمة العسكرية، مؤكدين أن قانون الإرهاب والدوائر الخاصة به في القضاء العادي، يفي بالغرض بدلا من الدخول في إجراءات قانونية لتعديل دستوري، وهو ما أكد عليه الدكتور فؤاد عبد النبي، استاذ القانون الدستوري، لـ«القدس العربي» بالقول «ان الإرهاب أصبح الآن عالميا وليس في مصر فقط، وقانون العقوبات والإجراءات الجنايات كفل ضمانات للمحاكمات والمتهمين والشهود في قانون الإجراءات 57 لسنة 59 كما ان قانون الإرهاب 94 لسنة 2015 الذي صدر من الرئيس السيسي وضع ضمانات للحد من الجريمة وبالتالي لا يوجد مبرر للتغيير».
وأكد «ان المحاكمات العسكرية تعد جريمة ومن ينادي بها يعد إرهابيا لأنه يعطل نص المادة 97 من الدستور التي تقول انه لا يجوز محاكمة شخص إلا أمام القضاء الطبيعي والمادة 204 التي تقول انه لا يجوز محاكمة شخص أمام القضاء العسكري إلا في جرائم محددة، فإن مخالفة النصين الدستوريين يعد تعطيلا لنص المادة 92 من الدستور التي تقول ان الحقوق والحريات اللاصقة بشخص الإنسان لا تقبل تعطيلا أو انتقاصا ولا يجوز لأي قانون ان يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها، فمن يخالف ذلك يعد إرهابيا وفقا للمادة 2 فقرة أولى من قانون الإرهاب التي تقول انه يعد إرهابيا من يقوم بتعطيل نص من نصوص الدستور أو القانون أو اللائحة».
وأوضح «نحن من جعلنا الإرهاب حقيقة، فهو ظاهرة طبيعية، ونحن وضعنا قانونا له وهذا كاف لمواجهته، ولكن المادة 237 من القانون نصت على انه لابد من تتبع الدولة للإرهاب ومعرفة مصادر تمويله خلال مدة زمنية محددة باعتباره يشكل تهديدا للوطن والحريات».
وأضاف «لكل فعل رد فعل، فالإرهاب ناتج عن فعل الحكومة وقيامها بالحبس الاحتياطي بدون مدة والقهر والعنف، والإرهاب أعمى لا يميز بين المواطنين، فنحن لا نلوم إلا أنفسنا، والبرلمان بعد إقراره القانون 94 يكون قد قام بواجباته كاملة».
وقال الدكتور ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشورى الأسبق لـ«القدس العربي» انه «لابد من إجراء تعديل على قانون الإجراءات الجنائية وليس قانون الإرهاب، لأن طول مدة القضية هو ما يشجع الجماعات الإرهابية على القيام بأعمالها ويعطيها القدرة على تجنيد أنصار جدد، لذلك مطلوب تعديل هذا القانون لكي يتم تقصير مدة نظر القضية في مرحلة النقض بحيث انه في حالة حكم محكمة النقض بقبول الطعن المقدم إليها وتأمر بإعادة نظر القضية لا تحيلها إلى دائرة أخرى تنظر إليها من جديد».
وأضاف «ان الدستور يمنع المحاكمات العسكرية للمدنيين نهائيا، ومن يطالب بهذا فهو لم يطلع بشكل جيد عليه، إذ حدد الدستور ان من يحاكم عسكريا هو مثلا من يعتدي على المنشآت العسكرية أو رجال الجيش أثناء وظيفتهم، ومن يطالب بالمحاكمات العسكرية عليه أولا ان يعدل الدستور، ومن يطالب بالمحاكمات العسكرية لانه يريد ان تتحقق العدالة الناجزة فمن الممكن ان تتحقق عن طريق تعديل قانون الاجراءات الجنائية ما يساعد على التقليل من العمليات الإرهابية. ولكن لا يمكننا منع الإرهاب نهائيا لأنه عدو ممول من الخارج وينفذ أجندته وفقا لمخططات، فالعملية هي حرب بين مصر ومخابرات عدة دول».
وأوضح «الرئيس السيسي يريد تعديل القانون وفقا للكلمة التي ألقاها بعد واقعة الكنيسة، وتعديل القانون في يد الحكومة التي لم تقدم مشروعا للقانون حتى الآن، وفي جميع برلمانات العالم التشريع يبدأ من مشروع قانون يقدم من الحكومة ثم يناقشه البرلمان».
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي طالب خلال الجنازة العسكرية، التي أقيمت لتشييع جثامين ضحايا حادث التفجير الذي استهدف الكنيسة البطرسية، البرلمان والحكومة بالتحرك السريع لإصدار قوانين تعالج مسألة الإرهاب بشكل فعال وحاسم، وتعديل أي قوانين مكبِّلة بما يضمن الجزاء الرادع لكل من يستهدف أمن المصريين.
وانفعل السيسي، خلال كلمته موجها حديثه للقضاة، قائلا: «لازم تبقوا عارفين مش هنسيب تارنا بعد اللي قبضنا عليهم».
وأقر السيسي قانون مكافحة الإرهاب، ويأتي هذا باعتباره مكملا لقانون «الكيانات الإرهابية» الذي أقر في شباط/فبراير الماضي ليعرف الكيان الإرهابي، ويحدد دوائر خاصة بالمحاكم، ويرسم السبيل القانوني للتعامل مع هذه الكيانات أو الأشخاص.
ويتلخص قانون مكافحة الإرهاب في نقاط أولها: لا يسأل جنائياً القائمون على تنفيذ أحكام هذا القانون (الجيش والشرطة) إذا استعملوا القوة لأداء واجباتهم، أو لحماية أنفسهم من خطر محدق. ويعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار جماعة إرهابية.
ويغرم كل من بث متعمدا بأي وسيلة بيانات غير حقيقية عن عمليات إرهابية بالمخالفة للبيانات الرسمية ما بين 200 ألف و500 ألف جنيه، ويمكن منعه من مزاولة المهنة لمدة لا تزيد على عام. ويحظر نشر وتصوير جلسات المحاكمة في الجرائم الإرهابية إلا بإذن من المحكمة.
وتخصص دوائر في محاكم الجنايات للنظر في الجرائم الإرهابية. ويمكن لرئيس البلاد اتخاذ التدابير اللازمة في حالات الخطر الإرهابي بما في ذلك، حظر التجول وعزل بعض المناطق أو إخلاؤها لمدة لا تزيد على ستة أشهر.