القاهرة ـ من كمال القاضي: وصف الكاتب والسيناريست محمود أبو زيد بفيلسوف الكتابة السينمائية، ليس من قبيل المبالغة، فالكاتب الذي رحل مؤخراً كان أحد الدارسين للفلسفة، فهو من الذين جذبتهم السينما بسحرها المعهود، فانصرف عن مجاله الأصلي وتخصصه الأكاديمي والتحق بالمعهد العالي للسينما وتخرج فيه عام 66 ليحترف كتابة السيناريو والحوار ويصبح واحداً من أهم كتاب السينما المرموقين.
فرضت الدراسة الفلسفية على أبو زيد السينمائي والقاص نمطاً خاصاً من الإبداع، اعتنى فيه بالفكرة كمحور ارتكاز أساسي للأحداث، فمنها كان ينطلق في رسم الخطوط الدرامية والشخصيات والنفاذ إلى العمق، على أن تحمل الفكرة ذاتها خصائص البناء الدرامي، بمعنى أنه رفض الحشو لمغازلة السوق كإقحام المشاهد الحسية المثيرة لمجرد تمرير السيناريو إنتاجياً وإرضاءً لشهوات الشباك، كما هو معهود في الأفلام التجارية التي تستهدف الربح في المقام الأول وتأتي مضامينها الفكرية على هامش الأحداث.
هذا اللون لم يرد في إبداع محمود أبو زيد على مدار تاريخه كله، فقد آمن بالسينما كمسوغ للأفكار البناءة، وكان من الصعوبة بمكان خضوعه لآليات السوق، وربما أفلامه المعتبرة التي مثلت ثورة فنية على الرديء والمسف في السينما كانت كفيلة بنقل هذه الحقيقة وتوثيقها، ليظل إبداعه ماركة مسجلة عصية على التقليد وخالية من أي شبهات، ففيلم «العار» على سبيل المثال الذي أخرجه علي عبد الخالق في ثمانينيات القرن الماضي، طرح أزمة اجتماعية من العيار الثقيل لأسرة متوسطة ميسورة من أصول شعبية تعيش في كنف الأب الوقور المقدر الذي يمتلك محل عطارة كبير ويشتهر بالتقوى والورع، ويرى أبناؤه وزوجته أنه المثال للخلق الكريم والاستقامة ولكنه يموت إثر حادث أليم فينكشف المستور ويتهدم الرمز، حيث يتبين أن الأب من أكبر تجار المخدرات، وعلى أثر الصدمة يتعرض الأبناء إلى أزمات مركبة تتسبب في تحولات جذرية عنيفة تقلب حياتهم رأساً على عقب، وإزاء هذه التحولات وفي خضم الصدمة المروعة نرى أشكالا من الاعتراض والرفض وعدم القبول بالواقع المرير، وفي الوقت نفسه نلمح دفاعاً من الأخ الأكبر عن التجارة المحرمة.
وهنا تظهر فلسفة الكاتب في التعامل مع النص، حيث يرى أن الوقوف على الثوابت في واقع مشوه يصبح نسبياً طالما هناك تضارب في الرؤى والمصالح، وأن التمسك بالفضيلة يقود أصحابة إلى التهلكة في ظل غياب المعايير الأخلاقية والاجتماعية، وهذا ما حتمته النهاية في آخر النفق التراجيدي المظلم.
وفي فيلم «الكيف» ينحت الكاتب الراحل محمود أبو زيد خطين دراميين على قدر متساو من الأهمية، خط المخدرات بخطورتها وأضرارها المعروفة، وخط آخر يتمثل في فساد الذوق العام والهبوط الغنائي وما يتسبب فيه من خلل في مستوى التربية والثقافة، ويضع الكاتب هذه التحديات أمام العالم المثقف الذي ينهار ويفشل في المقاومة، بل يقع هو نفسه في براثن الإدمان بفعل مؤامرة كبرى من أخطبوط الكيف، وتدلنا التفاصيل على عمق ثقافة أبو زيد ومرجعيته الفكرية والفلسفية، وهو سر نجاح أعماله التي كانت وليدة الفكرة والتجربة.
وفي فيلم «جري الوحوش» نلحظ قدرة فائقة في مناقشة القضية ذات الأبعاد الدينية والعلمية والاجتماعية، وهي قضية نقل الأعضاء والخلاف المثار حولها، وقد رأينا كيف بنى محمود أبو زيد الصراع على ثلاثة محاور رئيسية، الدين والعلم والحاجة ووضع المال والبنون وهما زينة الحياة الدنيا في مواجهه الفقر والعوز، لنستنتج من الأحداث أن الصحة هي التاج، والسلطة الحقيقية لدى الإنسان الراضي القنوع، وهي دروس مستفادة ساقها المبدع الراحل لتظل الغطاء الأهم للأحداث. ونراه يطرق باباً مختلفاً في فيلم «البيضة والحجر» الذي تقوم فيه الفكرة على ألاعيب النصب والاحتيال وأساليب الفهلوة والشعوذة لإدراك البعد الفلسفي لحياة الإنسان المتراوحة بين الرغبة في تحقيق الغاية والعجز عن تحقيقها، ما يؤدي إلى الانحراف باستغلال نقاط الضعف لدى عوام الناس واللعب على أوتار الغرائز الفطرية لديهم، كالخوف والقلق والطمع للإيهام بالقدرة الخارقة، وكلها معان فلسفية ونفسية أيضاً استوحاها الكاتب محمود أبو زيد من دراسته الأكاديمية، وليست الأعمال الثلاثة المشار إليها فقط هي الأميز في إبداعه وفنه، ولكنها مجرد نماذج كانت لسبب أو آخر هي الأشهر من بين ما كتبه للسينما وتجاوب معه الجمهور ونجح نجاحه المستحق، ولا نغفل بالقطع أعمالاً له كانت على مستوى لائق من التميز مثل «الذل» و»عين لا ترى الشمس» فهما عملان جديران بالإشارة وإن كانا أقل شهرة وذيوعاً لكنهما بالقطع ليسا أقل أهمية.