إن شكل خارطة سيطرة القوات المسلحة التي تعمل في سوريا، يشبه رقصة «الأمبا». لا يوجد خط واحد مستقر يضع حدود السيطرة التي تتغير يوميا، وأحيانا كل ساعة. أيضا الخرائط الاكثر تفصيلا تكتفي بالتعريفات العامة مثل «مناطق المتمردين»، «مناطق الأكراد» أو «مناطق الجيش السوري».
في كل منطقة من هذه المناطق، بما فيها التي يسيطر عليها النظام، توجد عشرات المليشيات التي تعمل بشكل مستقل، تنضم إلى مليشيات اخرى أو تنفصل عنها، يتم تمويلها من مصادر قريبة أو بعيدة مثل فنزويلا أو السعودية، قطر، الجزائر أو تركيا، تتحارب فيما بينها وفي داخلها.
حلب هي الصورة المصغرة لجميع الجبهات في سوريا. في الجزء الشرقي منها سيطر حتى قبل ثلاثة ايام «المتمردون» ومنهم جبهة فتح الشام التي كانت تسمى جبهة النصرة التابعة للقاعدة. ومعها تعمل مليشيا تابعة لجيش سوريا الحر تسمى حركة «نور الدين الزنكي»، اضافة إلى 12 مليشيا، البعض منها اسلامية والبعض علمانية.
في داخل هذه المليشيات نشأ خلاف حول اتفاق وقف اطلاق النار الذي بادرت اليه روسيا وتركيا. وقبل ذلك ايضا حول سؤال هل يجب فصل القوات بينها وبين جبهة فتح الشام، وبالتالي التنازل عن التعاون العسكري الهام مع القاعدة، التي اظهرت قدرة عسكرية لافتة. بعض هذه المليشيات أيد الانفصال والبعض وافق على الانسحاب من شرق حلب وترك الساحة للقصف الجوي الروسي ضد جبهة فتح الشام. وفي نهاية المطاف، بعد أن قصفت روسيا مناطق المتمردين دون توقف، تمت الموافقة على وقف اطلاق النار الذي تحقق في تركيا.
لكن عندما جاء وقت التنفيذ تبين أن المليشيات الإيرانية ورجال حزب الله الذين عملوا مع الجيش السوري في احتلال الاحياء الشرقية في المدينة، منعوا السكان من الصعود إلى الحافلات التي انتظرتهم، وذلك حسب التوجيهات التي وصلت من إيران. وقال المتحدثون الإيرانيون إنه نظرا للاتفاق على وقف اطلاق النار بدون اشراك إيران وسوريا، فإنهم لن يلتزموا به. والضغط الروسي الكثيف فقط هو الذي سمح أمس ببدء الاخلاء.
لا زالت هناك جيوب للمقاومة في عدد من احياء المدينة، لكن المعركة الاساسية حُسمت. وعادت حلب لتكون تحت سيطرة النظام السوري وسجلت انتصارا استراتيجيا قد يكون الأهم بالنسبة للرئيس الأسد.
ليس نهاية اللعبة
السؤال المطروح الآن هو ما الذي سيفعله الأسد مع هذا الانتصار. فحلب ليست نهاية حاسمة. والخارطة المتلوية للسيطرة تقول إن مناطق كثيرة في الدولة ما زالت خارج سيطرة النظام. واعادة سيطرة داعش على تدمر هي ضربة شديدة للنظام ولروسيا. كل طرف يتهم الطرف الآخر بالفشل، لكن يبدو أن سبب انجاز داعش هو اهمال الجيش السوري للمنطقة بسبب جبهة حلب.
المتمردون المسلحون في حلب من المفروض أن ينتقلوا إلى ادلب، وهي منطقة هامة حيث أن الجيش السوري لا يسيطر عليها، ويتوقع حدوث معركة شديدة فيها. وفي الشمال وفي جزء من الحدود بين تركيا وسوريا تسيطر المليشيات الكردية التي تقاتل ايضا ضد القوات التركية التي يساعدها جيش سوريا الحر وضد داعش. منطقة الرقة، عاصمة داعش، واجزاء من دير الزور توجد تحت سيطرة مختلطة لداعش والاكراد والجيش السوري. والجنوب ينقسم بين قوات النظام وبين المليشيات التي تنتمي لجيش سوريا الحر وداعش.
بناء على هذه الصورة، لا زال الأسد بعيدا عن السيطرة على معظم المناطق في بلاده. والسؤال هو هل سيؤدي الانتصار في حلب إلى اعادة تقدير الوضع من قبل المتمردين والعودة إلى طاولة المفاوضات، أم أنهم سيستمرون في الحرب. من الواضح أن ممثلي الأسد سيصلون إلى المفاوضات من موقع قوة .
قال رياض حجاب هذا الأسبوع – الذي كان رئيس حكومة في سوريا في العام 2012 وانضم للمتمردين والآن هو يقف على رأس وفد المفاوضات عن المعارضة – قال «إن الخيار الاول للمتمردين هو الحل السياسي». ولم يذكر حجاب شروطا مسبقة للمفاوضات، لكنه ألمح إلى أن وفد المفاوضات لن يطلب طرد الأسد كشرط للمفاوضات، أو حتى استقالته اثناء الحكومة الانتقالية أذا تم تشكيلها.
لكن حجاب والمليشيات التي يمثلها ليست كل القصة. الاكراد في سوريا مثلا ليسوا شركاء في وفد المفاوضات، حسب طلب تركيا، وخلافا للموقف الروسي. جبهة فتح الشام القوية تعتبر منظمة إرهابية، لذلك هي لن تكون في المفاوضات، وستكون إلى جانبها عدة مليشيات أهمها مليشيا «احرار الشام» التي اعلنت أنها تنوي التوحد مع «فتح الشام» للتعبير عن التضامن.
الدرس الروسي
اغلبية المليشيات تعمل بدون غطاء سياسي حقيقي. وقد بقي للرئيس اوباما شهر لإنهاء ولايته. وقد اعلن دونالد ترامب ان الولايات المتحدة لن تهتم بإسقاط انظمة – أي أن المتمردين لن يحصلوا على الدعم في صراعهم ضد الأسد.
التمويل الامريكي توقف تقريبا باستثناء مساعدة المليشيات التي تحارب داعش والمساعدة التي تمنحها تركيا لجيش سوريا الحر الذي يعمل في المناطق الحدودية بين الأكراد. والدول العربية تستمر في تمويل بعض المليشيات، لكن وعود المساعدة في الحرب في حلب ومساعدة الجيوش العربية، أو على الأقل الطائرات السعودية، بقيت في الهواء. الطائرات السعودية التي هبطت في تركيا قبل بضعة اشهر للتعبير عن التصميم، عادت إلى قواعدها بسلام.
الدول الاوروبية ايضا لا تنوي تقديم المساعدة، باستثناء الدبلوماسية التي لا تشمل بالطبع عقوبات ضد روسيا، بل التشجيع على عقد مؤتمر دولي من اجل الحل السياسي، حيث أنه من الواضح أن روسيا هي التي ستكون صاحبة الكلمة.
الحرب على حلب وضعت الدول الغربية والدول العربية أمام المرآة التي كشفت عن بشاعتها. واذا كان يمكن فهم الاعتبارات السياسية التي منعت الغرب من التدخل في الحرب السورية، خصوصا على خلفية المفاوضات على الاتفاق النووي الذي وضع جانبا مسألة اغضاب إيران أو الخوف من المواجهة العسكرية مع روسيا – فإنه لا يوجد تفسير للامتناع عن تقديم المساعدات الانسانية.
المجزرة في حلب، نسبيا، هي صغيرة مقارنة مع قتل مئات آلاف الاشخاص الذين عددهم غير معروف على مدى خمس سنوات ونصف. وحتى قبل حلب يصعب فهم لماذا لم تتم اقامة مناطق حظر طيران أو مناطق آمنة يلجأ اليها المدنيون ويحصلون فيها على الغذاء والادوية والتعليم والخدمات الاخرى. الحرب الروسية في اوكرانيا أثمرت عن عدد من العقوبات الامريكية والاوروبية على روسيا. ونحن لا نعرف لماذا امتنع الغرب عن اتخاذ اجراءات مشابهة في سوريا ايضا. واضافة إلى ذلك، على ضوء الظروف، يصعب قبول طريقة الفيتو المعتمدة في مجلس الامن والتي تمنح الاحتكار لدولة واحدة تجاه مصير دول اخرى في العالم.
المعركة على حلب تتطلب اعادة النظر في خطط العمل العسكرية في الموصل. وقد قال رئيس الدولة الكردية في العراق، برزاني، في هذا الاسبوع «إن تحرير الموصل أقل صعوبة من ادارتها». الموصل هي مدينة يعيش فيها حوالي 1.5 انسان، وهو 10 اضعاف العدد الموجود في حلب الآن. إن القضاء على داعش هو مثابة تسخين للصراع على الغنائم.
إن عيون الاكراد والجيش العراقي وتركيا والمليشيات الشيعية الإيرانية وإيران نفسها، تشخص نحو الموصل. وهذه المدينة ستشهد صراعات وتصفية حسابات على خلفية طائفية ودينية، اضافة إلى الحرب من اجل السيطرة على النفط والغاز فيها. ولا توجد حتى الآن خطط حقيقية لاستيعاب اللاجئين الذين سيهربون من ساحات الحرب في الموصل، ولا توجد استعدادية سياسية تحاول إنهاء المعركة بشكل يمنع سفك الدماء المتوقع، ولا توجد ايضا سيناريوهات تبين ما الذي سيفعله داعش بعد الموصل.
لكن يمكن القول إن مصير مئات آلاف العراقيين ليس واضحا بعد. وهو يشبه بالضبط مصير السوريين في حلب.
تسفي برئيل
هآرتس 18/12/2016
حلب: بين طهران وموسكو وتل أبيب
انتصار بشار الأسد وحلفائه في المدينة سيجعلهم يسعون إلى تحقيق المزيد من الانجازات
صحف عبرية
إن انتصار بشار الأسد في معركة حلب، هو أولا وقبل كل شيء انتصار لبوتين وحرس الثورة الإيراني والمقاتلين من قبل طهران في سوريا وحسن نصر الله زعيم حزب الله. التقى الثلاثة معا في تحالف واحد استطاعت موسكو من خلاله العودة كمنتصرة إلى الشرق الاوسط، أما إيران فقد ضمنت مكانتها كقوة عظمى اقليمية لها تأثير. بين موسكو وطهران توجد خلافات جوهرية حول المستقبل البعيد – من الذي يجب أن يسيطر في سوريا ويفرض على بشار خطواته. ولكن حتى الآن، وفي السنوات القريبة، فإن شراكة المصالح بينهم ستستمر، بل وستزداد.
توجد للأسد كل الأسباب كي يكون راضيا عن نجاحه في البقاء على مدى ست سنوات من الحرب الأهلية الدموية في بلاده. انتصاره في حلب يمنحه دفعة معنوية ويحرم المتمردون من الأمل في الانتصار في الحرب على سوريا. بدون أمل وبدون مساعدة حقيقية من الخارج، فإن فرصة معسكر المتمردين في تغيير الوضع في ميدان المعركة، آخذة في الزوال. رغم أن التمرد لا زال بعيدا عن نهايته، ولا زال يحظى بتأييد أجزاء واسعة من المجتمع في سوريا.
إن من دفع ثمن انتصار بشار هم سكان حلب، التي دمرها الزعيم السوري بمساعدة حلفائه كي تتحول إلى نموذج ورمز لسكان المدن الاخرى في الدولة، وعلى رأسها العاصمة دمشق، كي لا يخطر ببال هؤلاء السكان الخروج ضده. ولكن يجب الاعتراف بأن التراجيديا في حلب، التي ينشغل العالم بها، هي نقطة في بحر واستمرار مباشر للحرب التي قتل فيها حتى الآن حوالي نصف مليون مواطن سوري، اضافة إلى 10 ملايين فقدوا منازلهم، وثلث السكان اصبحوا لاجئين خارج بلادهم. إن مصير حلب هو برهان واضح على أن المجتمع الدولي غير موجود، ويبدو أنه لن يكون موجودا أبدا، لا سيما بالنسبة للسكان المدنيين الذين وقعوا بين المطرقة والسندان وأصبحوا هدفا للنظام الديكتاتوري وحلفائه. حلب تُدمر وسكانها يُقتلون بالمئات والآلاف ويُطردون من منازلهم، لكن العالم يصمت، باستثناء بعض التنديد أو الأسف من قبل القادة في اوروبا والولايات المتحدة.
بالنسبة لإسرائيل، دروس معركة حلب واضحة. أولا، من يعلق آماله ومستقبله على مساعدة المجتمع الدولي سيخيب أمله. العالم مع الاقوياء والمنتصرين، ويفضل أن تسعى إسرائيل إلى تقوية نفسها كضمانة ضرورية، لو لم تكن وحيدة، لبقاء وجودها ونموها في المنطقة. ثانيا، الحرب في سوريا لن تستمر إلى الأبد. وانتهاءها بانتصار محتمل للنظام السوري وحلفائه قد يكون أسرع مما توقعته إسرائيل. الأسد عاد إلى حلب، ويحتمل أن يكون إلى هضبة الجولان التي خسرها لصالح المتمردين قبل عامين. ايضا نافذة الفرص التي فتحت أمام إسرائيل قبل بضع سنوات، بأن تعمل بشكل حر في سوريا ضد ارساليات السلاح إلى حزب الله، قد يتم اغلاقها.
ثالثا، حتى الآن لا زال بشار الأسد يخضع لتأثير موسكو، إيران وحزب الله. وللوهلة الاولى، موسكو هي صاحبة الموقف الاساسي. ولكن خلافا لروسيا التي توجد جوا وبحرا، وتعتبر ما يحدث في سوريا جزءا من لعبة دولية، فإن لإيران وحزب الله موطيء قدم على الارض على شكل الكثير من المقاتلين النظاميين أو المتطوعين في مليشيات شيعية جندتها إيران من اجل القتال في سوريا.
رابعا، الانتضار في المعركة على سوريا سيحرر القوى والطاقات لدى إيران وحزب الله من اجل التوجه إلى الهدف التالي. فهما لا يبحثان عن مواجهة مع إسرائيل، ويرتدعان عن دفع الثمن، لكن الجرأة والتحريض سيتغلبان بلا شك في اليوم التالي. وأخيرا، الإرهاب والراديكالية الاسلامية لن يختفيا، بل سيتعززان، حيث ستتحول الاحداث في سوريا إلى ادوات لتجنيد الدعم ومحرك لعمليات اخرى. إسرائيل بعيدة عن حلب مئات الكيلومترات، لكن يحتمل أن تدفع هي ايضا ثمن التراجيديا التي حدثت هناك. كل ذلك يجب أخذه في الحسبان والاستعداد لمواجهته.
ايال زيسر
إسرائيل اليوم 18/12/2016