شهر أيلول والمتشائلون العرب… «ادوارد سعيد» أحدهم

حجم الخط
3

ارتبط شهر أيلول/سبتمبر، بجراح العرب، هذا الواقع اللغوي والثقافي والاثنولوجي، الذي يكون في وضعه الحضاري والوجودي، كيانات تراهن على مواجهة تحديات الانقسام والتفرقة والتجزئة، نتيجة عقود من الاستعمار خلفت انظمة استبدادية، خلفت وراءها مصيرا سوداويا زادت قتامته نتيجة ويلات الحروب المشتعلة في اوصال كل كيان منه.
ان شهر أيلول/سبتمبر يجسد في الذاكرة العربية آلاما ومحن الشعب الفلسطيني خاصة، فهذا الشهر جسد بجدارة أحقيته بلقب ملحمة «مأساة العرب»، خاصة حينما أضاف إلى قائمته بتاريخ 25/2003، وفاة المفكر الفلسطيني «ادوارد سعيد»، الذي وافته المنية قبل حدوث ولو انفراج بسيط في مصير شعبه وأرضه.
لقد خلف وراءه، بعد مسار فكري وثقافي حافل، اعمالا اكاديمية خير معبر عنها كتاباه «الاستشراق» و«الثقافة والامبريالية»، ومواقف سياسية أبرزها رفضه لاتفاقية أوسلو، وحق العودة. وغيرهما من الأعمال والمواقف التي وطدت آصرة هذا المغترب الفلسطيني بوطنه وبمختلف الأجيال العربية والعالمية.
لم يكن «ادوارد سعيد» من اختار منفاه الجسدي اراديا، وراء البحار، إلى عمق أرض دولة لها اليد الطولى في دعم الشعب الذي يحتل بلاده، بل طرد وشرد كغيره من أبناء شعبه منذ الانتداب البريطاني المشؤوم ومجازر العصابات الإسرائيلية.
في أرض المهجر، توسل المكافح الفسطيني، النضال المعرفي والثقافي سلاحا فتاكا في خاصرة اسطورة الغرب الذي انتج اسطورة اسرائيل، يدافع عن حق شعبه في التحرر والعودة، بعمله الاكاديمي كأستاذ للادب المقارن في جامعة «كولومبيا» التي ربما لاسمها دفء في قلب كل مناضل من اجل التحرر، ارتباطا باسم كولومبيا وكاسترو وتشي غيفارا.
هناك برز فقيدنا كمثقف رائد في عالم النقد ومتمرس بشكل خلاق في ميدان البحث حفرا وتفكيكا وتركيبا، ليس لأنه منفي يريد التعويض النفسي، وانما لإيمانه بقضيته الوطن فلسطين وزيتونها ومقدساتها.
رحل «سعيد» ولكن الموت ليس دائما نفيا تاما للحياة، كما قال الراحل «عبد الله ونوس»، او ان العالم عبارة عن موت، كما ردد ذلك «فيليب سولرز»، لأن الموت ليس انقطاعا كليا عن الحياة، بما أن ذكرياته وكتبه وانجازاته ومواقفه، ستبقى حاضرة في قلب مكتباتنا ومشاريعنا الفكرية والمستقبيلة.
لقد سبق لادوار أن قال، إن اللغة العربية هي لغة الدموع، أي العاطفة والوجدان، أو البيان الفصيح، الا اننا قلما نجد ذكرى شعرية او مقالات تأبينية أو مشاريع فكرية باسمه أو جوائز نقدية بمقام مساهمته الفكرية. غـير ان ذكـرى واحـدة ستـظل تحتفي به دائما وهي فلسطين التي قال عنها الراحل «درويش» وفي كل واحد منا فلسطين.
«ماهي مشاعر المرء حين يكون مشكلة؟» بحلول العام 2003 رحل ادوارد سعيد واحتلت العراق، واستمر نزيف الجرح العربي نحو التفكك والدمار وقتل الآلاف وتواصل مسلسل اللاجئين، فلحقوا بمصيرهم الذي نبههم اليه شعب فلسطين قبل ذلك بعقود. فأن تكون مشكلة معناه ان هويتك، واسمك، ووطنك، دائما مفقودة، والكل ينظر اليك نظرة ريب وشك، خاصة اذا كانوا من مناوئيك.
أن تكون مشكلة في نظر النظم العربية، يعني أنك أشعلت فتيل الفتنة على أراضيها وعطلت مصالحها، بعدما أصبحت شبحا بلا حدود، ومصدر قلق تجلب القلاقل، فتغتال مناضليك على أرض عربية، و ترتكب فيك مجزرة ذات ايلول اسود على أرض عربية، و تفتك بك في مجازر وأنت في مخيم للاجئين على أرض عربية. وتشردك دولة إسرائيل إلى العراء في ثلج بارد ولا يرحمك أحد من ذوي القربى؟
لقد توفي «سعيد» ومشاعره تتألم لفقده الكثير من أبناء شعبه لحلم العودة إلى وطنهم، لأنهم بعد اتفاقية «أوسلو» ومن قبلها ومن بعدها، سيدفنون في أرض ليست وطنهم، غرباء.
اذن فالقضية الفلسطينية، لا يصدر عنها الا المتشائلون، فياسر عرفات، متشائل لأنه رجع ليموت على أرض فلسطين بعد كل الاكراهات والحصار انتقاما من حمله لقضية، لا يريد بيعها بل فاوض وأخذ وهو لا يملك جيشا ولا دبابة ولا مـالا..
اذن ادوارد سعيد، متشائل لأنه رفض الاحتلال الإسرائيلي، والهيمنة الأمريكية والصمت العربي، بقلمه ومؤتمراته وكتبه، وشرح استشراق الغرب وثقافة امبرياليته على المجتمع الشرقي، وتركوا ولدا جلبوه من أساطير التـاريخ على أرض فلسـطين.
اذن، اميل حبيبي، ابن حيفا، صاحب رواية «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل»، هو ايضا متشائل، ولربما جمعت روايته كل الفلسطينيين، خاصة عرب الـ 48، الذي هو واحد منهم يروي في روايته ان حياة «ابي النحس المتشائل» التي عاشها في اسرائيل هي بفضل دابة سائبة، نفقت عوضا عن سعيد «كانت البداية حين ولدت بفضل حمار».
المتشائل، عرفات، وادوارد سعيد، واميل حبيبي، ومحمود درويش، وغسان كنفاني، وكل فلسطيني، هم في عرف أمريكا واسرائيل وحتى حلفائها من العرب، ليسوا الا مشكلة، ولا حل لها إلا اذا لحقت بها كل الدولة العربية؟
إلا أن وصية، اميل حبيبي بكتابة عبارة «باق في حيفا» هي أملنا الوحيد الذي يجب رصفها بل ونقشها على قبر كل من اولئك العظماء، وكل فلسطيني اينما كانت بلاد غربته بشعار فيروز «… سنعود يوما».

كاتب من المغرب

شهر أيلول والمتشائلون العرب… «ادوارد سعيد» أحدهم

ماءالعينين سيدي بويه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية