لندن – «القدس العربي»: كانت الأيام الماضية جيدة بالنسبة لزعيم تنظيم «الدولة الإسلامية»، أبو بكر البغدادي، ففي الوقت الذي سقطت فيه مدينة حلب معقل المعارضة السورية، أمام حشد من القوات الموالية للنظام ومجموعات شيعية من لبنان والعراق ومناطق أخرى، قام مقاتلوه بهجوم مضاد على القوات الروسية وقوات النظام في مدينة تدمر حيث أعادوا السيطرة عليها من جديد.
الصور والتقارير حول انتهاكات «المنتصرين» في حلب الشرقية، أكدت رواية التنظيم، التي طالما بيّن من خلالها أن «الكفار» و «المرتدين»، لن يقوموا بإنقاذ السنة من النهب والاغتصاب والبراميل المتفجرة التي أطلقها النظام والطيران الروسي.
ويرى حسن حسن ومايكل ويز، في مقال مشترك نشره موقع «دايلي بيست» أن «سقوط حلب يدعم المزاعم التي أطلقها المتحدث باسم التنظيم أبو محمد العدناني قبل مقتله بفترة قصيرة».
ففي أيار/ مايو الماضي، نشر العدناني، بياناً، حاول فيه التصدي لمزاعم بعض نقاد تنظيم «الدولة» من السنة، والذين اتهموا التنظيم بتعريض مدنهم وقراهم للدمار بسبب سيطرته عليها، مثل مدينتي الفلوجة والرمادي. وحسب العدناني، فالدمار الذي حصل لم يكن بسبب التنظيم.
وجاء في كلام المتحدث باسم «الدولة» إنهم «لو علموا أن الجماعات السابقة قد تنازلت عن أراض للكفار من أجل حماية البنايات أو منع سفك الدماء أو مصلحة أخرى لكنا فعلنا هذا كما فعلت قاعدة الحمقى أو ما يطلق عليها الأمة». وكان العدناني، يعتقد أن «الصمود والتصميم حتى في وجه القوة الضاربة هما السبيل لإعادة الكرامة للسنة». ويعلق الكاتبان «شكراً لبشار الأسد وفلاديمير بوتين وآية الله علي خامنئي وباراك أوباما، فنبوءة العدناني صدقت بعد وفاته. فعوضاً عن القتال حتى الموت دفاعاً عن حلب قام الجيش السوري الحر والجماعات الجهادية المنافسة بالتفاوض مثل جبهة فتح الشام، فرع القاعدة في سوريا على شروط الاستسلام من خلال سلسلة من اتفاقيات وقف إطلاق النار المهينة وإجلاء المقاتلين التي كانت في الحقيقة هي عبارة تهجير قسري للسكان ولم تمنع هذه الاتفاقيات من تدمير حلب وتسويتها بالتراب».
ويقول الكاتبان، إن «الهزيمة ستتفاقم من خلال السياق الطائفي». فقد سقطت حلب بيد ما وصفه مراسل مجلة «دير شبيغل» الألمانية، كريستوف رويتر: «أول مجموعة جهادية دولية في التاريخ الحديث»، وتحت قيادة الحرس الثوري الإيراني الذي اعتمد بشكل كبير على توليفة من المقاتلين الذين جلبوهم من أفغانستان وباكستان ولبنان والعراق، وهذا ما كان يريده المقاتل الأردني، وزعيم تنظيم «القاعدة» في العراق أبو مصعب الزرقاوي، والذي وصف الشيعة مرة، بأنهم «عقبة كأداء وثعبان متحفز وعقرب شرير والعدو الجالس منتظراً والسم الزعاف. ومن لديه الوقت للنظر في الوضع سيكتشف أن الشيعة هم أعظم خطر يهددنا وتحد كبير تجب مواجهته والطريقة الوحيدة لمواجهته في العراق هي مهاجمة الشيعة كي ينتقم هؤلاء من السنة».
ويعلق الكاتبان، أن نظرية الزرقاوي، تبدو مهمة في سوريا أكثر منها في العراق، فهي بلد غالبيته سنة تحكمها أقلية علوية. ومن هنا، فسقوط قلعة الثورة السورية وإن كان سيئاً، إلا أن النبرة الانتصارية التي رافقت السقوط تخدم وبشكل مباشر استراتيجية الزرقاوي. فقد قامت حركة «حزب الله – النجباء»، الميليشيا العراقية، المتهمة بقتل 85 مدنياً بمن فيهم نساء وأطفال، ببث أغنية على قناة تلفزيونية تابعة لها في العراق «حلب شيعية».
وفي طهران، وصف رجل الدين آية الله محمد إمامي كاشاني، سقوط حلب بأنه «تحرير» من «الكفار» مستخدماً الخطاب نفسه الذي يستخدمه تنظيم «الدولة» ضد الشيعة. ووفق الكاتبين، فإن هذا الكلام يعني أن 150,000 سني حوصروا لأشهر في حلب الشرقية، وهجروا من بيوتهم هم كفار.
وترافقت هذه الاستفزازات مع صور انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وأظهرت قائد فيلق «القدس»، قاسم سليماني، وهو يتمشى بين أنقاض حلب. وهي تأكيد قاطع عن الطرف الذي كان مسؤولاً عن الحصار وإعادة السيطرة عليها.
كل ذلك يجعل حديث الرئيس السوري بشار الأسد عن السيادة على «كل سوريا» ليس واضحاً في ظل الاحتلال الإيراني للمعركة. وتمنح صور سليماني والجماعات الشيعية تنظيم «الدولة» أداة دعائية لنشرها على مطبوعاته مثل «رومية» أو أفلام الفيديو لتذكير السنة بالخطر المقبل عليهم.
وهناك الكثير من الأطفال تعهدوا عبر أشرطة فيديو بالقتال عندما يكبرون، واتهموا المعارضة بالانقسام ودعوهم للوحدة. ومع ذلك، فالمستفيد من الشحن الطائفي وصور حلب ستكون الجماعات الجهادية التي تقول الولايات المتحدة إنها قتلت منهم حوالي 50.000 مقاتل منذ بداية الحملة ضدهم قبل عامين.
مع أن تقديرات «سي آي إيه» لعدد المقاتلين، كان يتراوح ما بين 22.000 – 30.000 مقاتل، فمن أين جاء عدد القتلى. وفي المواقع القليلة التي ظلت بيد الجهاديين، فإن عدد المقاتلين الذين يدافعون عن الموصل لا يزيد عن عدة آلاف، وهم الذين أبطأوا حركة القوات العراقية.
وتكبدت قوات النخبة «الفرقة الذهبية» خسائر فادحة. ويعلق الكاتبان أن استمرار الخسائر سيجرد هذه الفرقة من فاعليتها وخلال شهر. وقد تتوقف المعركة بصورة دائمة أو تضطر حكومة بغداد إلى الاعتماد على الميليشيات الشيعية.
وفي تطور آخر استطاع ما بين 50 -200 مقاتل الهجوم على تدمر واستعادتها من محور الأسد – بوتين – خامنئي. وذكر موقع «دايلي بيست» أن عملية السيطرة تمت من خلال الرشوة، على ما يبدو، قام الجهاديون برشوة أحد قادة قوات الدفاع الوطني، التي بنتها وسلحتها إيران.
وحسب خالد الحمصي، وهو مواطن من المنطقة الذي يراقب التطورات هناك، فقد قامت القوات الروسية بالانسحاب من المدينة. وربما جاء هذا لإعادة نشر القوات في حلب.
وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال»، قد نشرت قبل فترة تقريراً عن نشر قوات خاصة معروفة باسم «سبتسناز» والتي شوهد أفرادها في أوكرانيا، حيث تم نشرها في حلب، وشارك أفرادها في مهام قتالية.
أثبت سقوط تدمر من جديد خطأ الزعم الذي يقول إن روسيا تقوم بمواجهة تنظيم «الدولة». وسخر الجنرال ستيفن تاونسند، قائد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة» بالقول: «لقد خسروها. والأمر بيدهم لاستعادتها»، في إشارة إلى تدمر. وأضاف أن «التنظيم على ما يبدو غنم عربات مصفحة وبنادق وأسلحة ثقيلة ومنها أسلحة مضادة للطائرات».
وأشار الكاتبان إلى ما قاله صبحي الطفيلي، الأمين العام السابق لـ «حزب الله»، والذي حذر من سفك الدماء الذي سيتبع سقوط حلب. وشبه المدينة بكربلاء، وحمّل الأسد وروسيا وإيران المسؤولية. وتحدث متسائلاً عن ذبح آلاف المسلمين بتواطؤ مع أمريكا، وقال: «كيف يمكننا تفسير الدمار وانتشار النار والقنابل التي سقطت على حلب وقتل كل من كانوا في المدينة في الوقت الذي قام به مقاتلو تنظيم الدولة في تدمر الصحراوية بالسيطرة عليها، كيف نفسر هذا؟».
وأضاف خلال خطبة الجمعة الأسبوع الماضي: «لقد سمحنا لتنظيم الدولة بأن ينتعش وهاجمنا المعارضة الحقيقية حتى لا يبقى أحد إلا النظام نفسه الذي ذبح أمة محمد، وتنظيم «الدولة». وبعدها نقول للناس: ماذا تفضلون داعش أم بشار؟». وكل هذا يؤكد نظرية الزرقاوي والقاعدة في العراق والتي لا يزال يحمل مشعلها أبو بكر البغدادي اليوم وبصورة أشد قسوة ووحشية.
وفي تقرير لصحيفة «التايمز» جاء أن النظام يقوم باعتقال المدنيين على نقاط التفتيش، وحسب طارق غانم: «لقد أوقفونا على نقطة التفتيش وبدأ جنود النظام بفحص هوية كل واحد» ولديهم قائمة فيها كل الأسماء وفيها اسم محمد وأخذوه من الحافلة ولم نسمع عنه»، ومحمد هو شقيق طارق البالغ من العمر 57 عاماً.
وحسب الصحيفة فإن «التحقيق والفحص ليس عملية إجلاء ولكن تشريد». وبالنسبة لغانم وعائلته ممن بقوا في المنطقة، فإن وصول القوات الموالية للنظام يعني القتل والجرائم ضد المدنيين. وقالت الصحيفة إن الجزء الغربي من حلب لم يظهر تعاطفاً مع الجزء الشرقي. فقد عاش هؤلاء على دعاية النظام خلال السنوات الماضية، وأن كل من عارض الأسد هو «إرهابي». واحتفل الكثيرون بالإهانة التي حلت بمن كانوا في السابق جيرانهم.
وقال غانم: «كانت أعداد من الناس تقف على طول الطريق الذي مرت فيه الحافلات وكانوا فرحين ويرقصون ويغنون للأسد وبعضهم بصق على الحافلات أثناء مرورها». ليس بعيداً هناك مشهد آخر في شقيقة حلب العراقية، الموصل.
هناك «جوعى، عطشى وملوثون بالدماء في المعركة لاستعادة الموصل من تنظيم الدولة»، وفق عنوان تقرير في صحيفة «نيويورك تايمز» وصفت فيه حرب الاستنزاف في الموصل بعد شهرين من محاولة طرد تنظيم «الدولة» منها.
منذ أسابيع لم تتغير خطوط القتال وتكبد الجيش العراقي خسائر فادحة لدرجة عبر فيها المسؤولون العسكريون الأمريكيون الذين يشرفون على الحملة الجوية ضد التنظيم، عن مخاوفهم من عدم إمكانية تحملها لوقت طويل.
وقتل مدنيون في المدينة بسبب نار القناصة والعمليات الانتحارية التي نفذها التنظيم. ووفق الصحيفة فإن الجرائم التي ارتكبت في حلب حرفت الانتباه عن تراجيديا تتبدى في الموصل، حيث يوجد ما يقرب عن مليون شخص عالقين في داخلها بدون طعام أو شراب ودواء ويواجهون وحشية تنظيم «الدولة».
ونقلت الصحيفة عن أبو نور، الذي تحدث من بيته في غرب الموصل، قوله: «أصبح عناصر داعش مثل الكلاب المسعورة، ولدى كل واحد منهم قوة لتنفيذ إعدامات فورية ونعيش في رعب وقلق مستمر».
وتبين الصحيفة، أن عدم قدرة الجيش العراقي على السيطرة على الموصل يعني أنها ستكون أول موضوع سيواجه فريق الأمن القومي التابع للرئيس المنتخب دونالد ترامب بعد توليه المنصب رسمياً الشهر المقبل. وفي الوقت الذي لا تشارك فيه القوات الأمريكية الخاصة في العمليات العسكرية في سوريا إلا أن الأمريكيين يشاركون في العمليات المتعلقة بحملة العراق من خلال التدريب وتقديم النصح والاستشارة.
ويؤكد القادة العسكريون الأمريكيون أن حرب الشوارع في الموصل ناجحة لكنها بطيئة، ويقرون بأن المواجهات صعبة أكثر مما توقعوا، ويرى العسكريون هؤلاء أن المعركة قد تستمر لشهرين أو أربعة أشهر مقبلة.
وقال بريت ماكغيرك، المبعوث الأمريكي لدول التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة» في تقرير للمسؤولين بواشنطن أن «معارك مثل الفلوجة والرمادي وكوباني أخذت أشهراً قبل أن يستنفد التنظيم إمداداته».
وأضاف: «سيصلون في النهاية نقطة النهاية بحيث لا يستطيعون توفير الإمدادات ولا يتوفر لديهم انتحاريون». وتابع: «في الموصل، لا نعرف متى سيحصل هذا. وربما حدث سريعاً أو بعد أشهر».
يتقاطع ذلك، مع ما قاله الجنرال تاونسند، حيث رفض التكهن بالوقت الذي ستنتهي فيه عملية الموصل، مشيراً إلى أن النقاش الدائر بين المسؤولين العراقيين حول كيفية «ضخ طاقة جديدة في الحملة». وقال «سنتركها تتحرك بناء على هذا المستوى، فهم الذين يقومون بالقتال والموت». وترى الصحيفة أن لدى التنظيم مراكز صناعة متفجرات اكتشفها الجيش العراقي بعد تقدمه في شرقي الموصل.
وفي تقرير لمركز أبحاث تسليح النزاعات في لندن، والذي أرسل فريقاً إلى شرق الموصل، أكد أن التنظيم أنتج مقذوفات صاروخية وقنابل هاون على قاعدة واسعة. وتم انتاج عشرات الألوف من الأسلحة حيث اعتمد التنظيم على تهريب المواد اللازمة من تركيا قبل أن تشدد الأخيرة الإجراءات على حدودها. ونقلت الصحيفة عن جندي عراقي، شارك في معركة الرمادي وصفه للمعركة الحالية في الموصل «لم أرَ أو أشاهد أبداً معركة كالموصل»، مشيراً إلى أن «لدى الجهاديين الكثير من القناصة الذين يتحصنون في البيوت بين المدنيين وكذلك السيارات المتفجرة».
وتابع: «لقد شاهدت في الموصل أشياء لم أرها في حياتي. ورأيت عائلات كاملة تقتل بسبب السيارات الانتحارية التي أرسلها التنظيم، وفقدت أعز أصدقائي في الموصل». ولم تنشر القوات العراقية أرقاماً عن عدد القتلى في صفوفها، ولكن الأمم المتحدة نشرت في 1 كانون الأول/ ديسمبر، مقتل 1959 من جنود الأمن العراقي في تشرين الثاني/ نوفمبر. وبعد احتجاج الحكومة العراقية، قالت الأمم المتحدة إن أرقامها لم يتم التثبت منها.
إبراهيم درويش