شعراء السبعينيات يكتبون شِعْرَ النُّكتة كالمِزْغنّي

حجم الخط
0

حاوره في تونس ـ عبد الدائم السلامي: ولد الشاعر حافظ محفوظ سنة 1965 في قرية قصور الساف (الساحل التونسي)، تحصّل على الأستاذية في اللغة والآداب العربية، وأصدر أكثر من عشرين كتابا في الشعر والرواية والقصة والمسرح، ونالت بعض كتبه جوائز تونسية عديدة منها جائزة «كومار الذهبي».
هو شاعر خلافي يُعدُّ من أبرز شعراء جيل التسعينيات في تونس من حيث صفاءُ اللغة وجِدّةُ الاستعارة وتخيُّرُ الرّمز. صدرت له منذ أيام مجموعة شعرية جديدة بعنوان «لا ينام البحر إلا وحيدا» عن دار الأطلسية للنشر في تونس وهي مناسبة استثمرتها «القدس العربي» لمحاورته في شؤون الكتابة في تونس.
■ يلومك بعضُهم على كونك كثير الإنتاج الأدبي قصة وشعرا ورواية وكتابة للأطفال من أين لك كل هذا الوقت حتى تنشر كلّ هذه الكتب؟
□ الغريب أني أشعر دائما بأني مقصر، وأتمنى أن أمنح نفسي الفرصة الأنسب لأمارس حريتي في الكتابة. أنا أكتب بمعدل كاتب هاو – كتابا في السنة شعرا أو نثرا- ورغم ذلك يمكن أن أجيب ببعض المكر المعرفي فأقول إن الكتابة شكل من أشكال الإقامة على الأرض، فأفتح أمامهم حقولا من التأويل الاجتماعي قد يرضيهم. ويمكن أن أجيبك بأني أحاول أن أقّلد الكتاب الكبار في دأبهم وصبرهم، فأجلس إلى مكتبي خمس ساعات يوميا لأكتب أو لأقرأ، وهذا معدل ضعيف مقارنة بغيري من المشتغلين بالكتابة. مرض الكتابة لديّ مرض عضال وطويل الأمد، وهو ليس زكاما خفيفا أو عارضا أعود بعده إلى حالتي الطبيعية صحيحا وسالما. حين أبتعد عن مكتبي أشعر بأن أحدهم يمنع عني التنفس فأعود مسرعا إلى كتبي وأوراقي أحاولها وتحاولني، هذا في ما يخصني، أما في ما يخص الآخرين فإني أعذرهم لسببيْن اثنيْنّ: فأما الأول فهو خلوُّ تاريخ الأدب التونسي من مثالٍ وهب حياته للكتابة وصارع من أجلها مصارعة. أما الثاني فيعود إلى كونهم أحرص مني على الحياة بمشتقاتها.
أنا جاهز للتضحية بكل الحياة من أجل قصيدة. ودعني أقل لك شيئا: خساراتي أكبر بكثير من أرباحي، ولكنني لا أفهم منطق الربح والخسارة فـــي الأدب. كان يمكن أن اشتغل شغلا آخر يضمن لي دخلا وفيرا أو وجاهة اجتماعية أبهى، ولكــــني لم أفعل، أجد لذة كبرى حين أكون في أحضان الكتابة أكبر آلاف المرات من أي لذة أخرى، لذلك أنا مدمن وحالتي ميئوس منها فلا أرى لي منها شفاء.
■ يذهب بعض النقاد إلى القول إن الشعر التونسي الراهن إنما هو قصيدة واحدة بعناوين كثيرة، ما مدى صحة هذا الرأي؟
□ هناك أحكام نقدية متهافتة لا تنطلق من دراسات جدية على غرار هذا الرأي. القصيدة التونسية مختلفة ومتباعدة المشارب.
صحيح أن المتعارف منها قد يقود إلى هذا الرأي، وخذ لذلك أمثلة كثيرة، هناك من أساء للشعر التونسي كثيرا بطريقة كتابته ذات البــــنى اللغـــوية السطحية والخالية من الجوهر. ومع ذلك لا أعدم وجودَ تجارب تسعى في كل نص إلى الاختلاف.
■ هناك خلاف شعري تونسي بين جيل السبعينيات وجيل التسعينيات، أعني جيلك، ما مضامين هذا الخلاف؟
□ حاولت مرة أن أبحث عن مضامين هذا الخلاف فلم أجدها. الخلاف ببساطة مفهوم: جيل قديم تفاجأ بظهور جيل جديد مختلف، ويكتب بعنفوان أكبر فشعر بالتهديد وفقدان مكانة مَّا. البعض من جيل السبعينيات شعراء بالاسم، بل قل شعراء بالثقة، لم يكتبوا ما يصمد أمام الأطروحات النقدية وأمام الجماليات الحديثة، لذلك شعر أفراد هذا الجيل بالضعف معرفيا وبالعجز عن كتابة شيء جديد، فهبّوا إلى محاربة الشعر الجديد بكل شراسة، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا، وانظر إليهم الآن، إنهم يكتبون النكتة الشعرية، مثل تلك التي يكتبها منصف المزغني، أو يكتبون نصوصا بلا روح خالية من شروط تكوينها. جيل السبعينيات انتهى شعريا في تونس وغير مأسوف عليه، لأن أصحابه كتبوا من أجل شيء آخر غير الأدب. فانتهوا حين انتهى ذلك الشيء. كان جيل السبعينيات، وأستثني هنا أسماء قليلة جدا، عكازات وعصيا في أيدي السلطة الحاكمة والمعارضة، فلم ينتج غير شعارات سياسية مكتوبة على شكل شعري. أين قصائدهم الآن؟ نحن نذكرها –إذا ذكرناها- للتندر والضحك العالي.
■ كيف تعاملت أدبيا مع أحداث 14 يناير/كانون الثاني؟ وهل لها حضور في نصوصك الجديدة؟
□ أنا ابن هذي البلاد وما يحدث فيها يؤثر فيَّ شخصا ونصا. كتبت رواية «نوم الديك» المنشورة في لندن مؤخرا عن تاريخية ومشروعية الواقع التونسي الجديد. وكتبت مجموعة شعرية عنوانها «على أرض ممكنة» تتحدث كلها عن ثورة تونس وعن حلم الشاعر بأرض جديدة. الشاعر ابن بيئته وأنا كذلك، أنطلق منها لأصل إليها. ولكنني لم أتنازل في خلال ذلك عن الشِّعريِّ من أجل الحديث عن ثورة واقعية.
■ قلة من الكتاب التونسيين من سطع نجمهم عربيا، أما البقية فقد ظل حضورهم حبيس الندوات المحلية. هل ينبئ هذا الأمر بضعف المنجز الأدبي التونسي أم بتخلي وزارة الثقافة عن دورها التعريفي بالمبدعين؟
□ قبل سنوات ممّا سُمي بالربيع العربي أرسل عبدالعزيز المقالح رسالة إلى وزارة الثقافة التونسية لتزويد الجامعة اليمنية ببعض كتبي، لأن تجربتي تُدرَّس هناك. فكان أن أرسلت إليه الوزارة كتب محمود المسعدي والبشير خريف، فأعاد طلبه مؤكدا على اسمي مرة أولى، فثانية، وعندها أرسلت إليه كتبي. وقس على هذا الأمر. ما زلنا لا نحمل للمعارض الكبرى غير كتب تعود إلى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي وكأننا نعيش زمنا مستقرا. الدنيا تغيرت والعقلية لم تتغير.
أغلب الدعوات التي تأتيني من الوطن العربي لم تكن عن طريق الوزارة. كانت بسبب نصوصي وهذا يسعدني. أين عمل الوزارة في هذا الشأن؟ لا أدري. المنجز الشعري التونسي ليس أسوأ من المنجز العربي وليس أحسن منه، وليس هو السبب في ندرة من عُرف من الكتاب التونسيين عربيا. الكاتب التونسي بدأ اليوم، والأكيد أن الأمر سيتغير في المستقبل.
■ من يصنع الشاعر؟
□ هذا سؤال كبير، الشاعر تصنعه الروح. إما أن تكون شاعرا وإما أن لا تكون. والشعر أوسع من القصيدة التي لا يمكن أن تكون إلا مظهرا وحيدا من تجليات الشعر. الشاعر لم يعد ذاك الذي يبني قصائد.
الشاعر اليوم مختلف جدا. ويجب ألا ننشد وجود شاعر بالمواصفات ذاتها التي كانت في الجاهلية أو في الستينيات من القرن الماضي. الشاعر اليوم هو الذي يحمل داخله ملخصات المعرفة الإنسانية كاملة، وهو العارف بالآن والهُنا أعمق من غيره، وهو الرائي.
الشاعر هو الأقدر على كتابة الرواية والمسرح والقصة والمقالة وهو القادر على المحو أيضا.

شعراء السبعينيات يكتبون شِعْرَ النُّكتة كالمِزْغنّي
الشاعر التونسي حافظ محفوظ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية