حدود القوة

حجم الخط
0

جبريلي برنسيب كان عضوا في حركة إرهاب صربية تسمى «اليد السوداء» التي كانت تقاتل ضد حكم امبراطورية النمسا – المجر. في 28 حزيران/يونيو 1914 أطلق برنسيب النار فقتل ولي عهد الامبراطورية، الدوق فرانس فرديناند، وزوجته صوفي، الفعلة التي في أعقابها بدأت الحرب العالمية الاولى.
هل روسيا ستفتح حربا ضد تركيا بسبب اغتيال سفيرها أندريه كارلوف في أنقرة أمس؟ معقول الافتراض أن لا. فكل المؤشرات، من العاصمة التركية ومن موسكو أيضا، تقول في هذه اللحظة إن الطرفين يحاولان تقليص حجم الضرر. بما في ذلك عقد المحادثات المخطط لها في المدينة غدا (اليوم) في محاولة لايجاد حل لازمة سوريا.
عمليا، لا حاجة لفتح حرب: هي نشبت منذ زمن بعيد، وروسيا وتركيا متدخلتان فيها بشكل عميق، على جانبي المتراس. اردوغان، الطاغية التركي الاسلامي، اعتقد في بداية ايام حكمه بأنه سينجح في تثبيت طيف اسلامي على طول وعرض الشرق الاوسط يضم إيران، سوريا ومصر – ولكن ما أن بدأت الحرب الاهلية حتى فهم بأنه في الصدع المتسع بين السنة والشيعة عليه أن يأخذ جانبا. وبالتالي فقد وقف على قدميه ضد المذابح البربرية التي ارتكبها الأسد حفاظا على حكمه.
أما الرئيس بوتين من جهته فقد اكتشف في الحرب الاهلية في سوريا فرصة ذهبية للعودة للعب دور قوة عظمى في هذه المنطقة المتفجرة. فقد بعث بقوات إلى المنطقة في لعبة تهكمية ذات هدف مزدوج. الاول، الابادة الجسدية للقوات المعتدلة والعلمانية التي تقاتل ضد الأسد. كي يكون البديل الوحيد هي الحركات الجهادية، بحيث يتخذ العالم الخيار الواضح للرئيس القائم، الاقل سوءاً. الثاني، هو جعل إيران وحزب الله، التواقين لبقاء الاسد، متعلقان بحبال الكرملين.
على مدى الزمن، كان يبدو أن هذا ينجح له. فمساعدة عسكرية زهيدة الثمن نسبيا وبدون ضحايا تقريبا، ضمن حكم الأسد، وعلى الفور سينهي قتل سكان حلب عقب احتلال المدينة. اما تركيا فقد حاولت تحدي روسيا بالاقوال وبالافعال – اسقاط طائرة روسية تسللت  إلى مجالها الجوي – غير أن رد بوتين العنيف انتزع على الفور من اردوغان اعتذارا وهو يزحف على ركبتيه.
ولكن مثلما في فصل جيد من «لعبة الكرسي» في النهاية فإن العائلة المالكة المجرمة ايضا تفهم بأنه يوجد حدود للقوة. فالقيادة المركزية لداعش نجحت في اسقاط طائرة مسافرين روسية في سيناء على سبيل الثأر من التدخل في سوريا، والاسرة الدولية اتخذت وسائل مقاطعة تجاه روسيا تشدد من وضعها الاقتصادي، وأمس، في فعل إرهابي هو بالاساس رمزي (باستثناء الضحية وعائلته طبعا) قتل السفير.
في عالم الكي.جي.بي القديم الذي جاء منه بوتين كان يمكن اخفاء مثل هذا الحدث، الذي يمس بالكرامة الوطنية عن السكان في الوطن. اما في العالم الجديد فهذا متعذر. فالروس الفخورون يفخرون بأن أفعال بوتين في سوريا دفعت شخصا إلى النهوض والقيام بعمل ما. لعل بوتين يمكنه أن يخيف اردوغان ويحظى برئيس ممتنٍ في البيت الابيض، ولكنه لا يمكنه أن يسيطر على كل سكان الشرق الاوسط. طالما استمر بوتين في تدخله في المنطقة، سيتعلم، مثل حكام آخرين، بأن الثمن الأليم الذي سيدفعه لقاء هذا التدخل سيرتفع.
رونين بيرغمان
يديعوت 20/12/2016

حدود القوة
من الممكن لبوتين أن يخيف أردوغان ويحظى برئيس ممتنٍ في البيت الأبيض ولكنه لن يسيطر على الناس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية