كان تصريح الفريق الركن عبد الغني الأسدي قائد جهاز مكافحة الإرهاب قبل أيام، اعترافا ضمنيا بانتهاء المرحلة الأولى من عمليات تحرير الموصل، حيث تمت استعادة الساحل الأيسر، بتحرير 40 حياً من أصل 56 في الجانب الشرقي من المدينة.
فهل وضع هذا التصريح النقطة التي تنهي جملة المرحلة الاولى من المعركة؟ وهل تمثل المرحلة الأولى خطة عسكرية تم رسمها سابقا وحققت نتائجها؟ أم أنه اعتراف بتلكؤ وتأخر عملية التحرير، ما استوجب الاعتراف بانتهاء المرحلة الاولى؟ وماذا يعني انتهاء المرحلة الاولى؟ هل يعني أن القوات المهاجمة وصلت إلى اهدافها المرسومة؟ وماذا عن التصريحات الحكومية التي بدأت متفائلة عند انطلاق العمليات، ثم ما لبث هذا التفاؤل أن تراجع مع ما اصدمت به القوات المسلحة العراقية من مقاومة شرسة من مقاتلي تنظيم «داعش»؟ كل هذه الاسئلة ما زالت تبحث عن إجاباتها قبل انطلاق المرحلة الثانية التي من المقرر البدء بها بعد ايام.
عند انطلاق عمليات (قادمون يا نينوى) يوم 17 اكتوبر الماضي كانت التصريحات الرسمية العراقية تبدو متفائلة بمعركة سريعة لاستعادة المدينة من التنظيم الإرهابي، على غرار ما حصل في المدن السابقة، وانطلقت عمليات التحرير على اكثر من محور، وحررت البلدات والقرى المحيطة بمدينة الموصل بسرعة كبيرة، جعلت رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي يصرح بأن العمليات العسكرية تسير بمعدلات أسرع مما خطط لها، لكن مع دخول المعركة مرحلة حرب الشوارع وتحرير أحياء الجزء الشرقي من المدينة، بدا حجم المقاومة العنيفة وشراسة مقاتلي «داعش» تظهر بصورة جلية، لكن مع كل ذلك كان هنالك تقدم ملموس، حتى بدأت العمليات تتوقف تقريبا في الاسبوع الثاني من ديسمبر، بل اصبحت هناك هجومات معاكسة يشنها «داعش» على الاحياء المحررة شرق الموصل، بالاضافة إلى هجوماته بقنابر الهاون وصواريخ الكاتيوشا على هذه الاحياء، ما أدى إلى وقوع إصابات كثيرة بين المدنيين الذين احتموا بالقوات العراقية التي حررتهم من سيطرة التنظيم.
ويشير باحثون ومحللون عسكريون إلى أن حرب الشوارع تمثل تحديا كبيرا للقوات النظامية، بينما تستطيع التنظيمات الميليشاوية مثل «داعش» أن تتحرك بسرعة وتباغت هذه القوات، لكن منذ أن دخل جهاز مكافحة الارهاب على هذه المعادلة، حتى باتت النتائج مبهرة، وهذا ما شهدناه في معارك سابقة في محافظات صلاح الدين والانبار، لكن تبقى صعوبة المعركة التي تخوضها قوات النخبة في القوات المسلحة العراقية تتمثل في صعوبة إدارة القتال في مدينة مليونية السكان كالموصل، حيث يمثل المدنيون الصعوبة الاكبر في الصراع، فعلى القوات المهاجمة أن تضرب الارهاب بأقسى قوتها، وفي الوقت نفسه يجب أن تنتبه وتحذر من وقوع اصابات بين المدنيين العالقين بين جانبي القتال، الذين اتخذهم التنظيم الارهابي دروعا بشرية.
لقد ربط عدد من المحللين الغربيين بين انطلاق العمليات العسكرية في الموصل في اكتوبر وتوقيت الانتخابات الامريكية كجزء من الحملة التي سيختتم بها الرئيس اوباما وادارته ولايته الثانية، وقد بشروا بتحقيق انتصار كبير يسجل في سجل الرئيس قبل مغادرته البيت الابيض، بينما ذكر بعض المتشائمين من المحللين المقربين من مراكز صنع القرار في الحزب الجمهوري، بأن عملية تحرير الموصل من اصعب العمليات التي ستواجهها القوات المسلحة العراقية، وربما احتاج الامر إلى شهور طويلة لانجاز المهمة قد تصل إلى سنتين، وبين الشد والجذب كان دعم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة متأرجحا، وهو المتمثل بشكل اساس في توفير الغطاء الجوي لضرب دفاعات «داعش».
ومع بدء حرب الشوارع في الاحياء الموصلية بات تدخل الطيران امرا صعبا جدا بسبب قصر مسافات الاشتباك، وقالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، بحسب «رويترز»، إن «وزير الدفاع آشتون كارتر وصل إلى بغداد الأحد 11 ديسمبر الجاري لإجراء محادثات مع القادة العراقيين، بشأن الحملة العسكرية المدعومة من الولايات المتحدة ضد متشددي تنظيم «الدولة الإسلامية» في الموصل». وأضافت أن «كارتر سيلتقي رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ورئيس أقليم كردستان العراق مسعود البارزاني والجنرال ستيف تاونسند قائد قوات التحالف الذي تقوده أمريكا ويساند القوات العراقية»، ما جعل بعض التسريبات تعلن أن العراق ربما يضطر لقبول مشاركة محدودة لقوات خاصة برية امريكية وكندية في الجبهة الشمالية للموصل، لتسريع عمليات التحرير قبل نهاية فترة إدارة اوباما للبيت الابيض.
كما أشار عدد من المحللين العسكريين إلى وجود اخطاء أو هفوات في المرحلة الاولى من عمليات (قادمون يا نينوى) باتباع الخطط التقليدية القائمة على قضم الاحياء أو ما يعرف بالخطوة خطوة، حيث تهاجم قوات مكافحة الارهاب التي مثلت رأس الحربة في عمليات تحرير المدن السابقة ثم تتبع عملية الهجوم والقضاء على قوات التنظيم أو طردهم من الحي، عملية التمشيط وتنظيف المنطقة من السيارات المفخخة والعبوات الناسفة، ثم تسليم الحي للقوات التي ستمسك بالارض، لتنتقل قوات النخبة إلى الحي المجاور وهكذا، وبما أن المعارك السابقة كان فيها دائما منفذ لخروج أو تحرك قوات «داعش» فإن هذه الخطة نجحت بشكل كبير سابقا، بينما في معركة تحرير الموصل ومع إحكام الطوق على المدينة من الجهة الغربية من قبل قوات الحشد الشعبي وعزل المدينة نهائيا، باتت المعركة تمثل بالنسبة للتنظيم معركة وجود، معركة حياة أو موت، لذلك ارتأى بعض القادة العسكريين وجوب تنفيذ إنزلات عسكرية متعددة على أحياء المدينة، لتشل حركة التنظيم عبر فتح عدة جبهات في وقت واحد، إلا أن الأمر لم يكن بهذه السهولة، كما أن بعض الساسة كانوا قد اشاروا إلى أن المرحلة الاولى من العمليات كان يجب أن تنتهي بالسيطرة على الجزء الشرقي من المدينة بالكامل، وصولا إلى نهر دجلة، وعندها سيتم التوقف وإعادة تنظيم وانتشار القوات لبدء المرحلة الثانية المتمثلة بالهجوم على الجانب الغربي من عدة محاور، لكن الصعوات حالت دون وصول القوات المسلحة العراقية إلى نهر دجلة.
ويراقب المحللون العسكريون الصعوبات الاخرى المتمثلة بكون الجزء الشرقي من المدينة هو الجزء الاسهل في المعركة، لأنه يحوي الاحياء الحديثة ذات الشوارع الواسعة والكثافة السكانية القليلة، مقارنة بالجانب الغربي الذي يضم المدينة القديمة بأزقتها وحواريها الضيقة وكثافتها السكانية العالية، بالاضافة إلى مشكلة عبور نهر دجلة، بعد أن تم تدمير اربعة جسور من مجموع خمسة تربط ضفتي النهر، اثر قصف قوات التحالف للبنى التحتية في المدينة، ما يعني اضافة عبء جديد على الجهد الهندسي العسكري الذي يجب أن يجد الحلول لعبور هذا المانع المائي.
أما من جانب آخر، ورغم المقاومة الشرسة التي أبداها «داعش» في القتال، إلا أننا يجب أن نشير إلى بعض الحقائق التي اوجزها المحلل العسكري هشام الهاشمي حين كتب على صفحته في الفيسبوك؛ لقد نجحت القوات المشتركة بعرقلة وافشال تكتيك «داعش» باستخدامه المفخخات المدرعة بإعداد كبيرة وكذلك طائرات الدرونز المفخخة (طائرات صغيرة بدون طيار ابتدأ التنظيم بتفخيخها واستعمالها كسلاح في مهاجمة قوات البيشمركه) تلاه إفشال وحدات «داعش» الإنغماسية من القدرة على المباغتة وقد أفقدت المبادرة، كافة هذه التكتيكات العسكرية العملياتية التي أنفق عليها داعش اهم عناصر قوات النخبة من فرقة نهاوند والقادسية وكتيبة طارق بن زيّاد، وملايين الدولارات وحشد لها مئات الانتحاريِّين من العراقيين والسوريين وآلاف الاطنان من القذائف المدفعية وقنابر الهاون والمدرعات، وبدأ منذ عامين بحفر الخنادق والانفاق وزرع الالاف من العبوات والكمائن، وكافة هذه التكتيكات سحقها مقاتلو القوات المشتركة العراقيّة بكل حرفيه وبأداء قتالي بديع وببسالة لا نظير لها.
فهل سنشهد نمطا جديدا من القتال ومن المعارك في الأيام المقبلة ضمن المرحلة الثانية من معركة تحرير الموصل؟ هذا ما يتمناه العراقيون ويتحرقون شوقا له لكي يقللوا من عذابات النازحين من ابناء الموصل، الذين اكتضت بهم معسكرات الايواء على اطراف المدينة، في ظروف جوية قاسية جدا ودعم شحيح من المنظمات الانسانية الدولية.
كاتب عراقي
صادق الطائي