لندن – «القدس العربي»: عبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عن تفاؤله بانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة. وقال في تصريحات نقلتها عنه المحررة في صحيفة «فايننشال تايمز» رولا خلف، إن «الرئيس المنتخب يتصدى للإرهاب بعزم وجدية وهذا ما نريده الآن».
وكان ترامب، قد التقى السيسي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول /سبتمبر، وخرج من اللقاء ليقول إن الرئيس المصري «رجل رائع». وأوضح السيسي في لقائه مع الصحيفة البريطانية أن «التعاون بين واشنطن وموسكو هو في مصلحة الاستقرار بالمنطقة التي تعاني من النزاعات».
وتعلق خلف، أن تعريف الإرهاب بالنسبة للسيسي يذهب أبعد من محاربة تنظيم «الدولة» الذي يشن فرعه حرباً ضد الحكومة في سيناء ووصلت إلى القاهرة الأسبوع الماضي في تفجير الكنيسة القبطية، والذي قتل فيه 26 شخصاً، فتعريفه يشمل «الإخوان المسلمين»، الحركة السياسية التي أطاح بها عندما كان قائدًا للجيش عام 2013 ويقوم الآن بقمعمها وملاحقتها منذ ذلك الوقت.
ومن هنا، يأمل مسؤولون في حكومة السيسي أن يعطي ترامب الشرعية للحملة الأمنية التي يقوم بها النظام في وقت يواجه فيه أزمة اقتصادية. ويأملون بمواقف تختلف عن التي اتخذتها الإدارة الحالية لباراك أوباما. الأخيرة يتهمها المصريون بالتعاطف مع «الإخوان». وتعلق الكاتبة إن حجم الدعم الذي سيقدمه ترامب للسيسي ليس واضحاً وعلينا والحالة هذه الانتظار.
تحولات الثورة
وتسجل الكاتبة عدداً من الانطباعات عن مصر السيسي، مشيرة إلى اختفاء الثورة المصرية التي جذبت انتباه العالم وعززت في حينها الآمال بحدوث تحول ديمقراطي في الشرق الأوسط. وعادت مصر، الدولة الأكثر عدداً من ناحية السكان في العالم العربي إلى عادتها القديمة وتسيدها النظام الشمولي.
وتضيف أن ما تواجهه مصر من مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية هي أعمق من تلك التي حفزت ثورة عام 2011 ضد الرئيس السابق حسني مبارك. فلم يبق من ميدان التحرير الذي احتشد فيه الشباب أي من شعارات الثورة التي محيت وحلت محلها سارية يرفرف عليها العلم المصري دليلاً على عودة سلطة الدولة. وطرد الباعة المتجولون الذين احتلوا الشوارع الخلفية من الميدان.
وتشير إلى ان انتخاب السيسي عام 2014 ضمن موجة دعم شعبي بعد الإطاحة بنظام الإسلاميين الذي أثار الانقسام واتسم بالعجز. ولهذا علق المصريون الذين سئموا من الفوضى آمالهم على الجنرال الذي قدم نفسه كمنقذ للأمة وأب لها. وظلوا يدعمون نظامه حتى بعد عودة الأجهزة الأمنية حيث أصبح الأمن المبدأ المنظم للدولة.
لكن، لم يتحقق للمصريين شيء سوى تراكم مشاكل بلادهم وإغلاق الفضاء السياسي الذي كان متاحاً في عهد مبارك وسمح بهامش من الحرية، فيما امتلأت السجون بالمعتقلين. وزاد عدد من فيها بنسبة 2.5 ٪ فيما تعيش نسبة 27 بالمئة من 90 مليون نسمة تحت خط الفقر، حيث ارتفعت عن نسبة 25 بالمئة قبل الربيع العربي.
وبالقدر نفسه تضخمت البطالة بين الشبان، وتعرض قطاع السياحة الذي يمثل جزءاً مهماً من الاقتصاد المصري، لضربة قوية بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.
وتشعر دول الخليج الداعمة للسيسي بنوع من القلق من الوضع، وتمر العلاقات المصرية – السعودية تحديداً بنوع من التوتر. وفي محاولة للبحث عن طرق لمواجهة الأزمة الاقتصادية اتجهت الحكومة نحو صندوق النقد الدولي الذي طالبها بتطبيق سلسلة من الإجراءات التقشفية. وكل هذا أسهم في خفوت بريق الجنرال السابق الذي أسهم الإعلام المصري بالترويج له وجعله محط إعجاب وصل حد العبادة. وانتشر بدلاً من هذا انتقاد حاد له ولقيادته على مواقع التواصل الإجتماعي. ورغم كل هذا، فلا يزال السيسي واثقاً من قوته لتوفير الحماية لمصر من الكارثة بعد هزيمته لـ «الإخوان المسلمين» ويعتقد أن «الأمة المصرية العظيمة» لديها قدرة لا حد لها «للتحمل والتضحية». وقال: «تم منذ 30 شهراً محاولات عدة للإطاحة بالبلد ولدهشة الكثيرين فقد أظهروا تصميماً ووعياً ودعماً لبلدهم».
إلا أن هذا الكلام مرهون بتحسن الأوضاع الاقتصادية، وعلى هذه الجبهة تحديداً النجاح يصعب تحقيقه حسب الكاتبة. فقد تراجعت العملة المصرية أمام الدولار الذي ارتفعت قيمته بشكل كبير في السوق السوداء. وطبقت الحكومة سلسلة من الإجراءات التقشفية المشددة. وفرضت ضريبة القيمة المضافة، وأوقفت الزيادات في الرواتب الحكومية، وألغت الدعم عن الوقود. وفوق كل هذا، قامت بتعويم العملة المصرية بحيث أصبحت قيمتها نصف قيمة الدولار.
هذه الإجراءات، أقنعت صندوق النقد الدولي بمنح مصر 12 مليار دولار على مدى 3 أعوام تهدف إلى إعادة الثقة للسوق المالي، وربما عودة الاستثمارات الأجنبية. وكان من أثر هذه الإجراءات هو ارتفاع نسبة التضخم إلى 20 ٪ في تشرين الثاني / نوفمبر، ومن المتوقع أن تظل بهذا المستوى في العام المقبل.
وتشير خلف إلى شكاوى السكان في الشوارع من ارتفاع مستوى المعيشة وغلاء الأسعار واضطرار الكثيرين للعمل في وظائف أخرى للحصول على رواتب إضافية. ونقلت الكاتبة، عن نجار، قوله إنه كان يأكل وعائلته اللحم أو الدجاج كل يوم والآن مرتين في الأسبوع ولم يشتر لعائلته فاكهة منذ شهر، فيما نقلت عن مواطنة قولها إنها «تنفق معظم راتبها على المواصلات».
ومع ذلك، يؤكد السيسي أن الدولة تساعد الفقراء وتقدم لهم معونات مالية وبرامج لتوفير الطعام «فالحكومة تقوم بدعم الجنيه والمواد الكمالية بمواد مستوردة قيمتها مليارات الدولارات. والآن هناك دعم مقنن وطبقت الحكومة إجراءات للتأكد من وصول مواد الدعم للمحتاجين».
ولأن معظم المواد المستوردة هي الحبوب، فإن معظم المصريين سيشعرون بالفقر في السنوات المقبلة. وبعيداً عن الإجراءات المالية والرقابة فالسؤال المهم يتعلق بنية الحكومة القيام بإصلاحات بنيوية تؤدي لإنعاش الاستثمار الراكد وتحفز النمو.
إصلاحات كهذه، تتصادم مع العقلية العسكرية التي لا تثق بقطاع رجال الأعمال، المرتبط بالفساد والمحسوبية في عهد مبارك كانت وراء الثورة. ويعتقد رجال الأعمال في القاهرة، أن ما يحتاجه الجيش هو التصالح مع القطاع الخاص الذي بدونه لا يمكن دفع الاقتصاد للإمام.
وقال رجل أعمال إن الكثيرين من العاملين في القطاع الخاص يراقبون وينتظرون. وتبين الكاتبة إن النظام اعتمد على الشركات التابعة للجيش لتنفيذ مشاريع كبيرة مثل بناء التفريعة الجديدة لقناة السويس ومشروع العاصمة الجديدة والتي يرى مجتمع رجال الأعمال أنهما ليسا ضروريين.
دور الجيش
ويملك الجيش حصة كبيرة من الاقتصاد المصري، وصدر قانون جديد يسمح له بالدخول في شراكات مع متعهدين محليين وأجانب. وأنشئت مصانع عدة في السنوات الماضية يملكها الجيش في مجال الإسمنت والفولاذ. ويرى العارفون بطبيعة عمل الحكومة، أن هناك حكومة «ظل» مكونة من وكالات الأمن تعمل بشكل متواز مع الحكومة المدنية، وتقوم بدراسة القرارات الإقتصادية ومخاطر حدوث اضطرابات شعبية.
وعبر السيسي، عن غضبه من اقتراح تحقيق الجيش أرباحاً من مشاريع تجارية، قائلاً: «لا يوفر الجيش المصري جهده لمساعدة البلاد ومن الخطورة بمكان اتهامه بهذا». واعترف الرئيس ان الاقتصاد الذي يديره الجيش يشكل نسبة 1.5 ٪ إلى 2 بالمئة من الناتج القومي العام.
وأضاف أن الأعمال التجارية التي يديرها الجيش هي من أجل تخفيف العبء عن السوق واكتفائه الذاتي. أما الدور الآخر الذي يلعبه الجيش فهو «الإدارة والإشراف» ومن أجل التأكد من «الكفاءة والإلتزام والمواعيد وعدم التسامح مع الفساد» في العقود التي ينفذها القطاعان العام والخاص.
ويدافع مسؤولون عن دور الجيش بقولهم إن السيسي لا خيار أمامه إلا الاعتماد على الجيش كي يفي بتوقعات الرأي العام، وفي السياق نفسه يخشى القطاع الخاص من منافسة المؤسسة العسكرية لهم.
القمع
وترى الكاتبة أن دور الجيش في الاقتصاد ليس البعد الوحيد فهناك النزعة الشمولية. فرغم الميول الاستبدادية التي أبداها محمد مرسي في حكمه القصير، إلا أن الشمولية أصبحت أكثر تحصناً في ظل السيسي. وتشير إلى أن الإخوان المسلمين تلقوا «صفعة قوية»، إلا أن المسؤولين الغربيين وبعض المسؤولين المصريين يحذرون من أن محاولة سحق الجماعة أدت إلى دفع الشبان للتشدد، وأعطت دفعة للجماعات الإرهابية.
ولم يطل القمع الإسلاميين فقط، بل والجماعات الليبرالية والناشطين الذين قادوا الثورة وجماعات حقوق الإنسان التي تعرضت لضغوط شديدة. وأقر البرلمان قانوناً يحدد من نشاط منظمات المجتمع المدني.
ونقلت الكاتبة، عن مسؤول سابق، قوله إن النظام أغلق كل مجالات التعبير عن الرأي لأنه مسكون بالخوف من ثورة مقبلة»، وسياسات تقضي على فرص التصالح مع قطاعات من الإخوان المسلمين وفتح المجال السياسي بشكل عام. وعلق نائب في البرلمان قائلاً «لدينا سياسة أمنية قائمة منذ 40 عاماً وفشلت ويجب أن تكون هناك مساحة للإسلاميين الذين يلتزمون بالقانون، فهم جزء من المجتمع».
وتقول الصحيفة إن السيسي يرفض مزاعم منظمات حقوق الإنسان عن وجود معتقلين بالآلاف في السجون المصرية، ويصفها «بالغريبة»، ويؤكد أن العدد هو بضع مئات و80 من الصغار الذين أفرج عنهم. ويضيف: وضع كوضعنا هو صعب وربما ارتكبت أخطاء ولكنها لا تترك بدون تصحيح وفي أقرب وقت ممكن».
واعترف السيسي بأن شعبيته تراجعت، ولكنه أكد انه لا يخوض «منافسة شعبية». ورفض ما يقال إن فترة حكمه هي أسوأ من تلك التي عاشها المصريون في عهد مبارك معلقاً أنه يقوم «ببناء الحب بين المصريين وموجة احترام للآخرين التي تبدأ من القاهرة وتنتشر عبر المنطقة».
وتخلص خلف بمقالها إلى القول إن «السيسي وصف الرئاسة بالعبء، وهو ما سيدفعه للحفاظ عليها عندما تنتهي فترة حكمه عام 2018. ولم يكشف فيما إن كان سيرشح نفسه أم لا. ولكن قراره سيعتمد في جزء كبير منه على قدرة المصريين تحمل الأعباء والتضحيات التي يعتقد أنهم قادرون على تحملها».
هل يستمر شهر العسل؟
ويرى بيتر شوارزتسين، في مجلة «نيوزويك» أن العلاقة «الرومانسية» بين السيسي وترامب، قد لا تستمر طويلاً. وتحدث في البداية عن الدعم الذي حظي به ترامب بين مؤيدي الرئيس المنتخب الذين عبروا عن سعادتهم بانتصاره المفاجئ في الانتخابات، ومن بينهم السيسي الذي كان أول رئيس أجنبي يتصل بترامب ويهنئه على فوزه.
ويقول الكاتب إن علاقة الرئيس المصري بترامب، أقوى من علاقته بالرئيس المنتهية ولايته أوباما الذي ظل ينظر إليه نظرة شك خاصة بعد تعليقه المساعدات العسكرية لمصر لمدة قصيرة بعد انقلاب تموز (يوليو) 2013. واقتربت مصر منذ ذلك الحين إلى روسيا ونظمتا مناورات مشتركة. ويتوقع كثيرون أن يقيم ترامب والسيسي علاقة قوية بناء على كراهيتهما المشتركة للإسلام الراديكالي.
ويلاحظ الكاتب أن العلاقات المصرية – الأمريكية اتسمت في تاريخها بتحولات حادة من التعاون المشترك إلى التصدع والخلاف. ونظراً لعدم خبرة ترامب وعدم تسامح السيسي مع النقد فقلة تعتقد أن العلاقة بين واشنطن والقاهرة ستظل على ما يرام.
ويقول البرفيسور روبرت سبرينغبورغ المحاضر في كلية كينغز- لندن، والمحلل المعروف بشؤون الشرق الأوسط : «عندما يتعانق الديكتاتوريون تغضب شعوبهم»، مضيفاً: «مصر غير مستقرة، وهنا فستضيف محاولات السيسي التقرب إلى ترامب إلى حالة الغضب».
ويشير الكاتب للعلاقة التاريخية بين مصر والولايات المتحدة التي بدأت بعد الحرب الأهلية الأمريكية عندما قابل جندي ومغامر أمريكي اسمه ثاديوس موت الخديوي إسماعيل الطامح لبناء قوة عسكرية لحماية بلاده من الأطماع الأجنبية واستعانة مصر بالجنود من الشمال والجنوب الأمريكي الذين لم يسمح لهم بعد نهاية الحرب الأهلية.
واستعان الخديوي بعدد من الجنود منهم الجنرال وليم «أولد بليزارد» لورينغ الذي قاد الحملة الفاشلة في إثيوبيا لاحقا. وظل الأمريكيون يقدمون النصح لنظام الخديوي حتى وصول البريطانيين الذين خفضوا من القوة العسكرية. وفي الخمسينيات من القرن الماضي حاول الرئيس الأمريكي أيزنهاور عقد علاقات مع الرئيس جمال عبد الناصر لوقف تقدم الشيوعية بالمنطقة إلا أن رفض أمريكا دعم مشروع السد العالي جعل مصر تستعين بالاتحاد السوفييتي السابق.
واستمر هذا الوضع قائماً حتى عهد انور السادات الذي وقع معاهدة سلام مع إسرائيل برعاية أمريكية. وظلت العلاقات الأمريكية – المصرية مرتبطة بالسلام وأمن سيناء وقناة السويس. لكن عندما بدأ حكم مبارك بالإنهيار وقفت إدارة أوباما مع الثورة. ومنذ عام 2011 عاشت مصر في ظل حكم عسكري وفترة قصيرة للإسلاميين وحكم عسكري، والآن مع ترامب وهو يحضر للتعاون مع السيسي يجب أن يتذكر هو ومستشاروه، كيف أدارت مصر ظهرها للجنود الأمريكيين، وبعد حوالي 150 عاماً، فإن تجربة لورينغ هي تذكير وتحذير. وكما يقول سبرينغبورغ «فذاكرة الشعوب التاريخية قصـيرة».
إبراهيم درويش