كان من الغريب الاكتشاف أن موشيه آرنس يحتاج إلى قراءة مقال الكاتبة ريتشل كوشنر في «نيويورك تايمز» لمعرفة الواقع الجهنمي لمخيم اللاجئين شعفاط. آرنس قرأ وصف الواقع السيء الذي يعيش فيه آلاف الفلسطينيين في المخيم وتوصل إلى استنتاج مفاده «هذا الامر يجب أن يجعل كل إسرائيلي يخجل».
مخيم شعفاط للاجئين هو جزء من القدس «الموحدة» تحت السيادة الإسرائيلية. ولكن آرنس اكتشف فجأة بأن الحديث يدور عن حي فقير، وبسبب الاهمال تدهور إلى الوضع السيء – بدون بنى تحتية، بدون حدائق، بدون اماكن خضراء. وفي الازقة تسيطر عصابات الجريمة والمخدرات. والمسلحون يأخذون الخاوة من السكان. وكل ذلك يحدث على مسافة بضعة كيلومترات من الكنيست ومقر الحكومة. آرنس الذي كان وزيرا في عدد من الحكومات الإسرائيلية وكان وزيرا للدفاع، لم يعرف ولم يشاهد هذه الاشياء إلى أن قرأ المقال في «نيويورك تايمز».
للأسف الشديد، آرنس ليس وحده. اغلبية الجمهور في إسرائيل لا تعرف ما الذي يحدث في شعفاط، وليس شعفاط وحدها، بل الـ 22 قرية التي تم ضمها بعد حرب الايام الستة للقدس على يد حكومة الليكود القومية، رغم أنها لم تكن أبدا جزء من القدس، بل كانت تابعة لبيت لحم ورام الله – وتحولت هذه الاحياء إلى احياء مهملة وقذرة ولا توجد فيها البنى التحتية الاساسية. منذ العام 1967 وحتى الآن، جميع الحكومات هي المسؤولة عن هذا الوضع الذي تفاقم مع مرور السنين. في الوقت الحالي يعيش في الـ 22 قرية، ومنها شعفاط وقلندية والولجة وصور باهر وجبل المكبر، 220 ألف فلسطيني يحملون بطاقات اقامة دائمة. ومكانتهم هذه تمنحهم الحق في انتخاب رئيس البلدية والمجلس البلدي. في اغلبية هذه القرى لا توجد مراكز للشرطة الإسرائيلية، أو لمراقبي بلدية القدس وخدمات الطواريء مثل الاطفائية أو نجمة داود الحمراء، خلافا للشطر الغربي من المدينة. ويبدو أنه بشكل مقصود لا يريدون رؤية ما يحدث هناك. رئيس بلدية القدس نير بركات يؤيد بحماسة ضم مئات آلاف الفلسطينيين للقدس، ولا يحرك ساكنا لتحسين وضعهم ولا يحلم حتى بالتعامل معهم على أنهم سكان متساوي الحقوق والواجبات. وخلافا لريتشل كوشنر، هو لا يتجرأ على زيارة هذه الاماكن. من هذه الاماكن ومن خلالها وصل معظم المخربين للقيام بالعمليات الإرهابية في السنة الماضية، لكن آرنس وبركات يعتبران هذه المناطق جزء لا يتجزأ من القدس.
نعم، الواقع في شعفاط لا يمكن تحمله، أو تخيله. لكن هذا هو الواقع السائد في القرى الاخرى ايضا التي سكانها هم «مواطنون» في القدس «الموحدة». إن من كان رئيس بلدية القدس بعد تيدي كوليك، اهود اولمرت، قال في العام 2012: «أي حكومة إسرائيلية لم تقم بفعل أي شيء مما هو مطلوب من اجل توحيد المدينة. وعن وعي قمنا باستثمارات كبيرة في غربي المدينة وتجاه السكان اليهود وليس في المناطق العربية». اولمرت قال الحقيقة. وأنا ايضا كمن كنت في حكومات إسرائيل، ووزيرا لشؤون القدس، أعترف بذلك.
من الواضح أن اقتراح آرنس زيادة الاستثمار من اجل تقليص الفجوة بين الفلسطينيين في القرى وبين المواطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في القدس، لن يتم تنفيذه. لأنه يقترن بكثير من المليارات سنويا على حساب ميزانية الدولة التي تأتي من ضرائب مواطنيها. وما لم نفعله على مدى خمسين سنة لن نفعله الآن. توجد الآن ثلاثة تهديدات للقدس العاصمة: أ. التهديد الديمغرافي المتزايد. القدس عمليا هي دولة ثنائية القومية. حوالي 60 في المئة من الجيل الشاب في القدس «الموحدة» هم من الفلسطينيين من عمر صفر – 18 سنة، وهذه اغلبية مطلقة. واذا قرروا في يوم ما استغلال حق التصويت، فمن المحتمل أن يقف على رأس عاصمة الدولة اليهودية والصهيونية مواطن فلسطيني.
ب. جدار الفصل الذي يوجد اليوم في القدس هو جزئي ومخترق ويسمح لمعظم الفلسطينيين في داخل القدس بالتنقل. الحديث هنا يدور عن خطر أمني متواصل.
ج. على الرغم من الاجحاف المستمر بحق الفلسطينيين في المدينة، فإن الدولة تستثمر فيهم، لا سيما عن طريق مخصصات التأمين الوطني والتأمين الصحي المجاني بمبلغ 2 – 3 مليارات شيكل سنويا. هذا المبلغ التراكمي يصل إلى عشرات المليارات منذ العام 1967.
إذا القدس اليهودية في خطر أمني، ديمغرافي واقتصادي – اجتماعي متواصل. والطريقة الوحيدة لتغيير هذا الواقع هي الفصل بين اكثر من 200 الف فلسطيني في القرى وبين القدس اليهودية بجميع احيائها. ومن اجل ذلك هناك حاجة إلى بناء جدار امني كامل ومتقدم حول كل القدس. ويجب تعديل قانون اساس: القدس، حيث أن هذه القرى تعود لتكون جزء امن الضفة وجزءا من السلطة الفلسطينية مثل مناطق ب أو ج. ويكون الجيش الإسرائيلي والشباك هما المسؤولان عن الامن.
القدس الاردنية سابقا، التي هي البلدة القديمة والاحياء المحيطة بها، وكذلك جميع الاحياء اليهودية التي بنيت بعد حرب الايام الستة – تبقى على حالها حتى يتم التوصل إلى الاتفاق السياسي الذي ينطبق على القدس الحقيقية.
ليس هناك طريقة اخرى. هذه الخطة فيها بعض النواقص بالطبع، لكن ليس هناك خطة اكثر واقعية منها. والبديل هو ابقاء الوضع الراهن كما هو وتخليد الوضع الحالي وتدهوره اكثر. هذا سيكون اسوأ من الجريمة وسيكون تعبيرا عن الهستيريا ومصدر كبير للخجل، كما اكتشف آرنس مؤخرا.
يجب اخراج الخطة المقترحة إلى حيز التنفيذ. يجب انقاذ القدس اليهودية.
حاييم رامون
هآرتس 21/12/2016