ساحات العمل والنضال الفلسطيني كثيرة ومتعددة، فهي تشمل كل قارات الارض ودول العالم، كما تشمل كل انواع النشاطات البشرية. اهم تلك الساحات هي الساحة الفلسطينية ذاتها، حيث تنطلق منها كل النشاطات في جميع الاتجاهات وعلى كافة الاوجه. لكن ثاني اهم تلك الساحات على الاطلاق هي الساحة الاسرائيلية طبعا. لذلك، فان أي خطأ في التعامل مع الساحة الاسرائيلية، يمكن ان يكون له اثر سلبي مضاعف، عمّا لو ارتكب في أي ساحة اخرى. ومن هنا تأتي ضرورة الحرص البالغ في التعامل الفلسطيني مع الساحة الاسرائيلية.
دافعي لتاكيد ذلك الان، هو ملاحظتان سلبيتان على مقالي الذي نشرته «القدس العربي» يوم الجمعة الماضي، تحت عنوان «حل دولتين لشعبين هو الوسيلة… وليس الهدف النهائي». مصدر الملاحظة الاولى هو الاعز والاقرب من اصدقائي الشخصيين، والاكثر متابعة ومعرفة بالشؤون الاسرائيلية. ومصدر الملاحظة السلبية الثانية ايضا من الاعز بين اصدقائي، والاكثر مني معرفة بالمجتمع اليهودي في اسرائيل، وفي برلمانها وخبايا حكومتها بالتالي.
حدة النقد من جهة، واهم من ذلك: مصدر النقد ومستواه، اضافة الى مستوى العلاقة التي تربطني بالمصدرين، تدفعني، على غير العادة، للرد والتوضيح، بنقاط محددة، كالتالي:
ـ اعتمدت اسرائيل منذ اعلان اقامتها عام 1948 وحتى اليوم، سياسة اثارة الشكوك لدى جمهورها بنوايا الفلسطينيين تجاهها. ولخلق هذا الجو المشحون، اعتمد اليمين العنصري الاسرائيلي نشر تحليلات تخلص جميعها الى ان الفلسطينيين لا يقولون الحقيقة عندما يطلقون تصريحات معتدلة، وان كل تلك التصريحات مخصصة للاستهلاك الخارجي فقط، في حين ان نواياهم الحقيقة مختلفة، بل ومناقضة ايضا، وان الهدف الفلسطيني النهائي هو «القاء اليهود في البحر».
ـ في هذا السياق، يلح قادة اسرائيل، في غالبيتهم العظمى، على ان الكلام الفلسطيني المعتدل لا يخص الا المرحلة التي يطلق فيها ومن اجلها، وان تلك ليست الا درجة يعملون على الوصول اليها، للانطلاق الى المرحلة التالية، وهكذا، الى ان يصلوا المرحلة النهائية، وهي انهاء وجود اسرائيل ذاتها، والانتقام من اليهود الاسرائيليين.
ـ هذه السياسة الاسرائيلية جعلت من تعبير «سياسة المراحل»، في قاموسهم، تعبيرا سلبيا، رغم انهم هم وكل دول وشعوب العالم قاطبة، يعتمدون «سياسة المراحل»، وليس وضع سياسات وخطط خمسية وعشرية وغيرها، الا تطبيقا لهذا المبدأ، سواء كانت تلك الخطط والبرامج مخصصة للصناعة او التعليم او السياحة او أي مجال آخر. هذا الرفض الاسرائيلي لتبني الشعب الفلسطيني سياسة المراحل، هو ما يفسر بوضوح اصرار اسرائيل، ودعم امريكا لها، تضمين كل خاتمة لمفاوضات فلسطينية اسرائيلية تعبير «نهاية المطالبات». لكن، وبهدف تعمية المقصد الاسرائيلي الحقيقي، وهو حرمان الفلسطينيين من المطالبة بحقوقهم الشرعية التي لم تتطرق اليها بنود تلك المفاوضات، يلجأون الى تعبير «نهاية المطالبات المتبادلة»، وكأن لاسرائيل مطالب اضافية لدى الفلسطينيين، رغم كل ما استحوذت عليه، وكل ما هو تحت رحمتها وتصرفها، وكل ما سطت عليه ونهبته وصادرته من حقوق فلسطينية. ولا يضيرنا هنا التذكير بمقطع من قصيدة للشاعر العراقي، بدر شاكر السيّاب، عند مشاهدته يافطة اسرائيلية كُتب عليها « قف! الحدود امامك»، تقول كلماته: شيءٌ يقول هنا الحدود. هذا لكل اللاجئين… وكل هذا لليهود».
ـ لا منطق في استمرار حق اسرائيل، (باعتبارها الوريث الشرعي «الوحيد» لستة ملايين يهودي، وربما اكثر(!)، تمت تصفيتهم في الحرب العالمية الثانية)، بالمطالبة بما كان، وما كان يمكن له ان يكون ايضا من حقوق لهم، وحرمان شعبنا الفلسطيني من المطالبة، الآن، وفي المستقبل المفتوح على كل الاحتمالات، بحقوق لنا، كافراد، وكمجتمع، وكشعب.
ـ لا شك مطلقا في ان اخفاء أي طرف لاهدافه النهائية والتستر عليها، يثير شكوك ومخاوف الطرف المقابل، حتى وان كان صديقا او جارا عاديا، فما بالك و»الطرف» الآخر عدوا ومحتلا ومستعمرا وعنصريا.
ـ ليس لدى الفلسطينيين مطالب يخجلون من اعلانها صراحة. مطلبنا الاساسي والنهائي ان نحيا بحرية في وطننا فلسطين وان نبني لابنائنا واحفادنا مستقبلا مستقرا، لا ان نهدم مستقبل ابناء واحفاد الآخر، حتى وان كان هذا الآخر هو العدو المحتل المستعمر العنصري. واكثر من ذلك: عندما نعلن للعدو صراحة ان هدفنا النهائي هو البناء لا الهدم، واننا نريد ان نحيى حياة مستقرة، واننا نريد له ايضا ان يحيى حياة مستقرة، وان لا ينام ومسدسه تحت المخدة تحسبا لتعرضه لهجوم مباغت، فاننا نقرب امكانية التوصل الى حل يستند الى قاعدة «لا يموت الذئب، ولا يفنى الغنم»، آخذين في الاعتبار، ومنبهين ايضا، ان ذئب اليوم قد يصبح غنم الغد، وان غنم اليوم يمكن له ان يصبح ذئب الغد.
ـ اسرائيل التي يطالبها «العالم المتحضر» تقديم مبادرات تثبت حسن نواياها تجاه الفلسطينيين، بزيادة عدد العمال الفلسطينيين الذين تسمح لهم بدخول «اراضيها»، للعمل في مصانعها وتنظيف شوارع مدنها وفنادقها، وهي تتردد في ذلك وتتشدد في اجراءاتها، يجب ان تعرف، ومن مصلحة الفلسطينيين ان يعرّفوها ان هذا ليس حلما ولا مطلبا فلسطينيا.حلمنا وهدفنا النهائي ان نعيش ويعيشوا في دولة مستقرة متطورة، لا دولة مستعمِرة ودولة مستعمَرة، ولا دولة متقدمة ودولة تصدر لها عمالا وأُجَراء.
ـ اسرائيل التي فشلت حتى الآن في طرد جميع الفلسطينيين من «ارض فلسطين»، لن تتمكن من تحقيق حلمها مهما طال الزمن، وليس تهديد غلاة العنصريين فيها الا تهديدا اجوف. ولا يبقى لاسرائيل بعد هذا الا «تهديد» واحد توجهه للفلسطينيين، فيرعب العقلاء المعتدلين اليهود الاسرائيليين، ليس حُبّا للفلسطينيين، بل خوفا من خسارة «يهودية» دولة اسرائيل. ولا نبالغ اذا قلنا ان هذا لا يخيف الفلسطينيين اطلاقا، هذا إن لم نقل اكثر من ذلك.
ـ ثم ، من قال ان النضال ضد الاحتلال والاستعمار الاسرائيلي، اسهل او اوفر حظا للنجاح، من النضال ضد التمييز والفصل العنصري والابارتهايد؟.
ـ واخيرا: لا يجوز التصرف باستهتار تجاه أي خطأ فلسطيني في التعامل مع الساحة الاسرائيلية. لكن أي خسارة فلسطينية وطنية في الساحة الفلسطينية اشد واقسى واكثر ضررا بما لا يقاس.
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور