بعد دراما دبلوماسية لـ 15 ساعة نجحت إسرائيل أمس في أن تؤجل، مؤقتا على الاقل، التصويت الذي بادرت اليه مصر في مجلس الامن في الامم المتحدة ضد المستوطنات. فضغوط من مكتب رئيس الوزراء في القدس على المسؤولين في النظام في القاهرة، وطلبات المساعدة والتنسيق مع الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، واتصالات في مقر الامم المتحدة في نيويورك وفي عدة عواصم في العالم ـ دفعت مصر إلى التراجع عن طلبها اجراء التصويت في خطوة عاجلة.
ومع ذلك، في جلسة الكابنت السياسي الامني التي عقدت امس اوضح للوزراء بأن الازمة لا تزال في ذروتها وان امكانية أن يعقد تصويت في الموضوع في الايام القادمة لم تشطب عن جدول الاعمال. وكانت إسرائيل عملت في الاشهر الاخيرة على اساس فرضية عمل بأنه حتى نهاية ولاية الرئيس براك أوباما، في 20 كانون الثاني/يناير 2017، سيرفع في مجلس الامن مشروع قرار في الموضوع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
وركزت المتابعة الإسرائيلية على مشاريع القرارات من الفلسطينيين ونيوزيلندا ولكن الاحساس كان أن رفع هذه الاقتراحات لن يتم هذا الاسبوع. وبالتالي فإن توقيت الخطوة يوم الاربعاء وحقيقة أن مصر هي التي ستعمل عليها فاجأت جدا وزارة الخارجية ومكتب رئيس الوزراء. ورغم العلاقات القريبة ظاهرا بين بنيامين نتنياهو وعبد الفتاح السيسي، فإن مصر لم تعط إسرائيل إخطارا مسبق.
إن اقتراح القرار المصري كان أكثر مرونة من الصيغة التي تحدث عنها الفلسطينيون في الاسابيع الاخيرة والتي شملت عددا من البنود الأساسية:
٭ القرار يقول بأن اقامة المستوطنات من قبل إسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك في شرقي القدس «بدون أي اساس قانوني، وهي تشكل تجاوزا فظا للقانون الدولي وعقبة في طريق تحقيق حل الدولتين».
٭ القرار يطالب إسرائيل بالوقف الفوري لجميع نشاطات البناء في الضفة الغربية وفي شرقي القدس. وكُتب أن وقف البناء في المستوطنات مطلوب من اجل انقاذ حل الدولتين.
٭ ويطلب القرار اتخاذ خطوات من اجل تحويل الاتجاه في الميدان وعدم الحاق الضرر بالحل.
٭ وجاء في القرار أن مجلس الامن لن يعترف بأي تغيير حدث على خطوط 1967 إلا إذا تم الاتفاق على ذلك بين إسرائيل والفلسطينيين.
٭ يطلب القرار من جميع الدول الاعضاء في الامم المتحدة التمييز بين اراضي دولة إسرائيل وبين الاراضي التي تم احتلالها في العام 1967.
٭ يطالب القرار باتخاذ اجراءات فورية لمنع العنف ضد المواطنين، بما في ذلك العمليات الإرهابية والاستفزازية وعمليات الهدم ومحاكمة المسؤولين عن ذلك. وكُتب ايضا أنه يجب تعزيز الصراع ضد الإرهاب عن طريق توسيع التنسيق الامني بين إسرائيل والفلسطينيين واستنكار الاعمال الإرهابية بشكل واضح. ويطلب القرار من الطرفين الامتناع عن الاستفزاز والتحريض.
التقارير عن الخطوة المصرية وصلت إلى نتنياهو في منتصف الليل حيث كانت الكنيست تصوت على ميزانية الدولة. الساعة الثالثة فجرا في إسرائيل هي ساعات العمل في الولايات المتحدة. سارع نتنياهو إلى التغريد في تويتر «على الولايات المتحدة استخدام الفيتو ضد القرار في مجلس الامن».
في الاشهر الاخيرة أعرب رئيس الحكومة عن تخوفه من أن أوباما سيمتنع في نهاية ولايته عن استخدام الفيتو على قرار يتعلق بالمستوطنات في مجلس الامن. فمنذ دخوله إلى البيت الابيض في العام 2009 استخدم أوباما الفيتو مرة واحدة على قرار في مجلس الامن ـ كان ذلك في شباط/فبراير 2011 عندما قدم الفلسطينيون اقتراح قرار ضد المستوطنات. والمرة الاخيرة التي اتخذ فيها مجلس الامن قرارا ضد المستوطنات كانت في العام 1980. إن تبني القرار المصري من قبل مجلس الامن كان يمكن أن يمهد الطريق للعقوبات الدولية ضد المستوطنات.
ماراثون دبلوماسي
بعد تغريدة نتنياهو في تويتر، بدأ ماراثون دبلوماسي عالمي لوزارة الخارجية ومجلس الامن القومي. وقام نتنياهو بالغاء برنامج عمله اليومي واهتم فقط بقرار مجلس الامن. موظف رفيع في تل أبيب أشار إلى أن الهدف كان تأجيل التصويت لكسب الوقت من اجل الضغط الدبلوماسي على أوباما كي يستخدم الفيتو، أو كي يقنع المصريين بالتراجع عن كل هذه الخطوة.
وأشار الموظف الرفيع في القدس إلى أن الخوف الكبير في القدس من الخطوة المصرية ينبع من حقيقة أن المصريين قاموا بالتنسيق الكامل مع البيت الابيض. وكان التقدير في إسرائيل أن أوباما لم يكن ينوي استخدام الفيتو على القرار، بل الامتناع وتمكين مجلس الامن من تبنيه. وفي رام الله ايضا اعتقدوا أن أوباما لن يستخدم الفيتو ضد القرار. التخوف في إسرائيل من عدم استخدام الفيتو الأمريكي زاد أمس صباحا بعد وصول معلومات تفيد بأن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قام بتسجيل خطاب حول الموضوع الإسرائيلي الفلسطيني وكان ينوي القاءه قبل بضع ساعات من موعد التصويت.
الضغط على أوباما استمر أمس صباحا. موظف رفيع في تل أبيب قام بارشاد المراسلين قائلا إن التصويت في مجلس الامن هو «محاولة اخيرة للرئيس أوباما لفعل شيء ضد المستوطنات». وتوجه المسؤول برسالة مباشرة لأوباما قائلا: «إسرائيل تتوقع من الولايات المتحدة أن تقف كما وقفت طوال الوقت، وأن المفاوضات تتم بشكل مباشر. واذا لم تستخدم الولايات المتحدة الفيتو فهذا يعني الاخلال بتعهدها، وهو يعني التخلي عن موقف اخلاقي قبل استبدال الادارة بلحظة».
وقد تم الضغط على الحكومة المصرية. موظفون إسرائيليون ودبلوماسيون غربيون قالوا إنه منذ صباح أمس استخدم مكتب رئيس الحكومة الضغط على المسؤولين في القاهرة لتأجيل التصويت. ونتنياهو نفسه لم يتحدث مع الرئيس المصري. وتمت الاتصالات في مستويات أقل. كانت رسالة إسرائيل لمصر هي أن الخطوة التي قامت بها مصر لا تناسب العلاقات الجيدة بين الدولتين والتعاون الامني، وأنها ستلحق الضرر الكبير بإسرائيل.
قناة اخرى عملت فيها إسرائيل كانت امام الرئيس المنتخب ترامب. سفير إسرائيل في الولايات المتحدة رون ديرمر وجهات إسرائيلية اخرى توجهت إلى مستشاري ترامب الهامين وطلبت منهم نشر بيان ضد الاجراء المصري. وفي ساعات الصباح في الولايات المتحدة وبعد الظهر في إسرائيل نشر ترامب اعلانا طلب فيه من الرئيس أوباما استخدام الفيتو ضد اقتراح القرار ضد المستوطنات. وحسب اقواله، إذا تم تبني الاقتراح من قبل مجلس الامن فهذا لن يكون منصفا بالنسبة للإسرائيليين، وسيجعل إسرائيل في موقع متدني في المفاوضات المستقبلية. وفي المساء غرد السفير ديرمر في حساب تويتر قائلا إن إسرائيل تقدر الاعلان الواضح لترامب حول ضرورة استخدام الفيتو ضد القرار المناهض لإسرائيل في الامم المتحدة.
أمس بعد الظهر، بالتوازي مع المحادثات الدبلوماسية، اعلن نتنياهو عن عقد جلسة خاصة للكابنت الامني السياسي من اجل الاستعداد للتصويت. إلا أنه بعد اعلان ترامب بقليل، وقبل بدء جلسة الكابنت تغير الاتجاه. بعد ساعات طويلة كان يبدو فيها ان التصويت على القرار المصير امر لا يمكن منعه، أعلنت مصر انها تريد تأجيل التصويت ليوم واحد على الأقل للتشاور مع وزراء الخارجية العرب. وبعد جلسة الكابنت بقليل تحدث نتنياهو هاتفيا مع وزير الخارجية الأمريكي كيري. وحسب وسائل الإعلام المصرية وبعد اعلان مصر عن التأجيل، تحدث ترامب هاتفيا مع السيسي.
النتيجة الفورية للطلب المصري كانت الالغاء الفوري لخطاب كيري. المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكي، جون كيرفي، قال ان الخطاب يتحدث عن موقف كيرفي من عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية وأنه ينوي القاءه في موعد آخر. وأشار كيرفي إلى انه لا يعرف متى سيتم التصويت وهل سيتم أصلا حول القرار المصري. في يوم الخميس مساء جرت محادثات في مقر الجامعة العربية في القاهرة من اجل اتخاذ قرار حول موعد التصويت الجديد. واشار دبلوماسيون غربيون أنه يمكن عدم اخضاع الامر للتصويت كليا.
في جلسة الكابنت التي جرت مساء أمس والتي استمرت ساعة ونصف قيل للوزراء إنه رغم التأجيل، لا زالت هناك امكانية لحدوث التصويت في الايام أو الاسابيع القادمة. وقيل ايضا إن التقديرات تقول إن أوباما لا ينوي استخدام الفيتو ضد القرار.
«حالة التأهب زالت لكن الخطر لم يزل. الحدث ما زال حيا ويتنفس. حيث تستطيع دولة اخرى تقديم اقتراح مشابه أو مماثل في الايام القريبة. هدفنا هو الضغط على أوباما من اجل استخدام الفيتو وضمان تأجيل التصويت إلى ما بعد 20 كانون الثاني، حيث سيكون ترامب قد دخل إلى البيت الابيض»، قال الوزير رفيع المستوى في الكابنت.
هآرتس 23/12/2016