بيروت ـ «القدس العربي»: في سرد للمؤثر والصامد في الذاكرة من حصاد فني للعام 2016 المرور اجباري في محطة الانكماش الاقتصادي الذي انعكس بشكل أو بآخر على الإنتاج بكافة فروعه. انكماش حتمته الحروب في أكثر من قطر عربي، والأمن المهتز والتفجيرات المتنقلة، وتلازم هذا الواقع مع تراجع أسعار النفط. وهذا ما انعكس بشكل أو بآخر على الإنتاج الفني. سينمائياً كان للأفلام المستقلة أن تحقق حضوراً لافتاً في أكثر من بلد عربي، لفتت النقاد وأضاءت على قضايا حساسة إنسانية واجتماعية، وطنية وعاطفية. وخاصة الأفلام الفلسطينية.
لبنانياً التوقف ضروري عند الاحتفاليات الكبيرة التي شهدتها مئوية ولادة زكي ناصيف التي تزامنت مع الذكرى المئة والخمسين لتأسيس الجامعة الأمريكية في بيروت. في هذه المناسبة تمّ الإعلان عن الفرقة الموسيقية التي تحمل اسمه، وكذلك تمّ افتتاح متحف زكي ناصيف الدائم في المنزل الذي ولد وعاش فيه في مشغرة البقاعية.
بالعودة للقليل من مجريات 2016 البدء من الغناء أثير دون شك. فهو الفن الأكثر شعبية والأسهل على صعيد الانتشار بالوصول للعدد الأكبر من الناس. الإنتاج الغنائي سجل تراجعاً ملموساً بعد أن شهد غزارة غير مسبوقة خاصة من شركة روتانا التي كانت تحتكر معظم الأصوات. فبعد أن كانت مكاتبها في بيروت ودبي تحتفل بسخاء بإصدارات فنانيها وفناناتها وتبعاً لمراتبهم وقدراتهم بالتأثير على الإدارة، صارت الإصدارات والاحتفالات نادرة. فاليسا دون سواها كانت احتفالية ألبومها الجديد «سهرانا يا ليل» في أرقى فنادق الزيتونة في بيروت. هنا لا بد من التوقف عند الكلفة المادية للأغنية الجديدة والتي حولت إنتاج العديد من الفنانين إلى «ألبومات» تسمع عبر الحساب الخاص بكل فنان على يوتيوب. حسب الملحن والموزع الموسيقي جان ماري رياشي فكلفة الأغنية تتفاوت بين شاعر وملحن تبعاً للأغنيات المشهورة لكل منهما. بدل الشعر يتراوح بين 2 و5 آلاف دولار، وبدل اللحن من 3 إلى 10 آلاف دولار. ويتقاضى الموزع بين 2 و10 آلاف دولار تبعاً للوقت الذي يستغرقه إنجاز العمل. الموسيقيون بدورهم يتقاضون بدءاً من ألف وصولاً إلى 20 ألف دولار، وهذا مرتبط بعددهم. حجز الاستوديو لساعة يكلف 150 دولارا، وتقنية الصوت الجيدة 250 دولاراً. عندما يتم احتساب هذه الكلفة مجتمعة نعرف لماذا يحجم أهل الغناء عن اصدار الألبومات والأغنيات التي يجب أن تترافق مع فيديو كليب فائق الكلفة بدوره.
من الأغنيات التي تبوأت مركزا مرموقا عربياً نذكر «انت معلم» لسعد المجرد، وفي الوقت نفسه نشير إلى توقيفه المستمر بتهمة محاولة اغتصاب لفتاة أثناء وجوده في باريس في وقت سابق. ومن الأغنيات التي لاقت الكثير من الإقبال «180 درجة» لتامر حسني و«مين قدّك» لسعد رمضان و«دني يا دانا» لنجوى كرم و«أحلى الأسامي» لعاصي الحلاني و«الليلة دي» لوليد توفيق و«خلوني معو» ليارا و«نامي ع صدري» لناصيف زيتون. ومن الألبومات الكاملة رغم قلتها حظي البوم «العمر وذكرياته» لوائل جسار بالكثير من الاهتمام كما هو حال أعماله على الدوام. في الغناء والتمثيل سجلت الفنانة هبة طوجي خطوة رائدة في تاريخها الذي لا يزال حديث العهد. فهي ومنذ 23 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي تقوم بدور «ازميرالدا» في مسرحية «نوتر دام دو باري» في قصر المؤتمرات في باريس. هذا إلى جانب احيائها عدداً من الحفلات الكبيرة في كازينو لبنان. وفي باريس تقدم طوجي صورة مبدعة عن الإنسان العربي بعد تلازم اسمه مع الإرهاب.
في المسرح سجلت بيروت ريادتها رغم الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعيشها البلاد منذ أكثر من سنتين. فالمسرح وحده شكل الرئة الفنية التي تتنفس منها الثقافة التي اعتادتها بيروت، والتي تشهد سنوياً ما لا يقل عن 20 عرضاً جديداً. مناسبة مرور عشرين عاماً على انطلاق مسرح المدينة شكلت في سنة 2016 حالة فنية مشهودة، وامتدت من 14 إلى 26 تشرين الأول/أكتوبر. تخلل الاحتفالية عروض مسرحية، وأخرى راقصة، وغناء، وعرض راقص للصم والبكم وكذلك عرض لفيلم سينمائي عن حياة غسان كنفاني. مناسبة العيد العشرين لمسرح المدينة أعادت كل من روجيه عساف وفؤاد نعيم إلى الاخراج والتمثيل بعد طول غياب، وتركت نضال الأشقر تعيش نشوة النجاح، خاصة وأن المناسبة برمتها من إنتاج المسرح. وفي الأعمال المسرحية المميزة وبعيداً عن مسرح المدينة برزت «قفص» للينا أبيض والنص لجومانة حداد. عمل جريء جداً يفيض بالبوح الذي تستحضره عيادة الطبيب النسائي. كذلك الأمر مع مسرحية «جوليا» التي تجلت فيها الممثلة أنجو ريحان بإدارة الكاتب والمخرج يحيا جابر، والتي انفردت على الخشبة لأكثر من ساعة وربع في سرد حيوي لمفاصل حياتها كامرأة منذ الطفولة حتى الزواج والإنجاب وتالياً سرطان الثدي. هي مســرحية حياة شاقة ومشوقة في آن.
وسجلت السينما المنتجة محلياً مزيداً من الحيوية وأكثرها يتناول الحياة الاجتماعية والإنسانية بنكهة كوميدية. منها على سبيل المثال فيلم «بالحلال» للمخرج أسد فولادكار، وفيه دخل منازل ثلاث نساء و«تلصلص» على حياتهن ناقلاً علاقات الحب والسعادة وكذلك القلق والمتاعب، عبر لغة صادقة وشفافة وبنكهة كوميدية مرّة أحياناً. فيلم welcome To Lebanon يرحب بالمغتربين اللبنانيين دون تكلف، هو الواقع دون تجميل. عائلة تعود بعد غياب لقضاء الإجازة في ربوع الوطن. وفي التاكسي تكتشف قساوة الحياة اللبنانية، إنما بأسلوب كوميدي ساخر ولغة سينمائية حيوية. ضم الفيلم باقة من نجوم الكوميديا في لبنان منهم القدير بيار جماجيان، وسام صباغ وآخرين. وفي مهرجان دبي السينمائي الدولي فازت إليان الراهب بجائزة لجنة التحكيم عن فيلم «ميل يا غزيل». وفاز فيلم «مخدومين» لماهر أبي سمرا بجائزة أفضل فيلم غير روائي. فلسطينياً احتفت بيروت بفيلم هاني أبو أسعد «يا طير الطاير» الذي تناول بعضاً من سيرة محبوب العرب محمد عساف. ميزة الفيلم اصرار المخرج على بث جرعة من الأمل لدى الشعب الفلسطيني رغم كثافة الضباب. وكان احتفاء كبير بالفيلم الروائي الأول لمي المصري 3000 ليلة الذي تناول الأسر في سجون الاحتلال الصهيوني. هي تجربة أسيرة تنجب مع الأغلال. فيلم يحمل ألف حكاية وحكاية عن انتصار الأسرى على جلاديهم، والروح المعنوية الكبيرة التي يتميزون بها. استحقت مي المصري على انجازها الجميل والمتقن الكثير من الجوائز والتنويهات. فيلم «ديغراديه» الواقعي والطريف جداً أوصل غزة إلى مهرجان كان وعرض ضمن أسبوع النقاد. الفيلم من توقيع الأشقاء محمد وأحمد أبو ناضر، ويظهر الحياة في القطاع في ظل الحصار الصهيوني من خلال 13 امرأة حوصرن داخل صالون للتجميل. قوبل الفيلم في كان بالكثير من التصفيق من قبل النقاد ونال جائزة الكاميرا الذهبية التي تمنح للمخرج. لبنانياً لا بد من التوقف عند فيلم «باريسية» لدانيال عربيد حيث رشحت الممثلة الرئيسية منال عيسى لجائزة «سيزار». يتناول الفيلم حياة فتاة لبنانية سافرت إلى باريس بحثاً عن الحرية والعلم. في باريس تخترق الصبية العصية البيئة الفرنسية من خلال سحرها وذكائها. الدراما التلفزيونية التي باتت موسمية ومخصصة للسباق الرمضاني صارت أكثر اختلاطاً على الصعيد العربي بين سوري، لبناني ومصري. خليط يلقى الاستحسان. وحده المتفرج المصري وبنسبة ساحقة لا يزال منحازاً لحكاية بيئته الخاصة. مصرياً «افراح القبة» الرواية التي كتبها نجيب محفوظ قبل 40 سنة حظيت بتصنيف الأفضل، وهي من اخراج محمد ياسين، تمثيل منى زكي، وأياد نصار وصابرين. في الكوميديا مسلسل «نيللي وشريهان» من بطولة دنيا سمير غانم وإخراج احمد الجندي تفوق على اسماء كبيرة في هذا الفن المصور. سورياً باتت الحرب المدمرة القائمة على أرض سوريا حاضرة بقوة في الإنتاج الدرامي الذي حافظ على تفوقه. إنتاج العام 2016 سجل تفوقاً لمسلسلات عدة منها: «دومينو» و«خاتون» و«الندم» و«جريمة» شغف وغيرها من الأعمال التي جمعت اسماء كبيرة في هذا الفن، وسلطت الضوء على الوجع السوري المقيم في الوطن وفي الشتات. ما زال هذا الفن متفوقاً ومميزاً رغم شهية النقاد بتوجيه السهام إليه.
راحلون…
خسارات الوسط الفني العربي بالرحيل لهذا العام كبيرة. بعضهم تركنا متمتعاً بقدرة الإبداع كما محمود عبد العزيز الذي خلّف ارثاً بصرياً جديراً بالاحترام في السينما والتلفزيون ومنه «رأفت الهجان» الغني عن الوصف. وقبل أن يسقط العام كامل أوراقه إذ به يطوي صفحات فنية أخرى، رحلت زبيدة ثروت التي عرفت بأميرة الرومانسية في السينما المصرية، وهي التي وقفت إلى جانب كبار النجوم لتنسحب في بداية الثمانينات. وقد سبقها بيوم واحد الكاتب محمود أبو زيد المعروف بفيلسوف السينما المصرية خاصة في أفلام «العار» و«جري الوحوش» و«الكيف». ارث أبو زيد يصعب تناوله في عجالة هو الذي عالج تناقضات مجتمعه وترك جدلاً مثمراً، وآخر أفلامه «بون سواريه».
أخذ الرحيل يوم استراحة ثم ما لبث ان رحل أحمد راتب عن 67 سنة. شعر بتعب، وحلّ آخر مكانه في مسرحية «بيت السلطات» ودخل المستشفى، وسريعاً تدهور وضعه ورحل. بدأ نجمه بالصعود منذ الثمانينات، مثّل بكثافة في أفلام كوميدية مع كبار النجوم. بعدها صار يختار بدقة فلمع في أعمال مميزة مثل «الدنيا على جناح يمامة» مع محمود عبد العزيز، و «الإرهابي» و«الإرهاب والكباب» و«طيور الظلام». وفي الدراما التلفزيونية مثل دور القصبجي في مسلسل «أم كلثوم» وكان رائعاً. ومن الراحلات فيروز الصغيرة، توفيت في كانون الثاني/يناير 2016 عن 72 عاما. وهي الشقيقة الكبرى لنيللي. ظهرت لأول مرة في السينما المصرية في عمر السابعة وذلك في سنة 1950. وكان آخر ظهور لها خلال تكريمها في مهرجان القاهرة السينمائي سنة 2001.
في لبنان كان لرحيل الموسيقار ملحم بركات في 28 تشرين الأول/أكتوبر عن عمر 71 عام وقعه المؤثر. رحل أبو مجد وبقي مجده الفني الذي لم يكن لسواه. فن ملحم بركات مسته «شعطة» جنون، لهذا هو على كل شفة ولسان. ملحم بركات ارتقى سلم الفن كبيراً منذ البدايات حلّق وفق مزاجه دون حكم من ملحن أو شاعر أو سواهما. هو من الجيل الثاني من المبدعين، وله قيل «من بعدك لمين الزهر بينحني؟». سمير يزبك سبق ملحم بركات إلى الرحيل. يزبك عملاق المواويل اللبنانية. صاحب موال «موجوع» رحل موجوعاً عن 77 عاماً أمضى العقدين الأخيرين منها بعيداً عن الفن لأسباب صحية. منى مرعشلي صاحبة الصوت الدافئ والماسي في انسكابه على السمع كان رحيلها بسكتة قلبية مفاجئاً جداً عن عمر 58 سنة وذلك في 5 كانون الأول/ديسمبر. صوت جميل رحل مع مسيرة قصيرة أدت خلالها أعمالاً خالدة، حظها الفني لم يكن وفيرا. أبرز ما قيل في رحيلها غنته في حياتها «شمس المغارب روحت».
زهرة مرعي