في عام 2016 انهارت كل اليقينيات واهتز النظام العالمي وتتابعت الهزات الأرضية السياسية من بريطانيا إلى أمريكا وضرب الإرهاب ضرباته الموجعة في العواصم الغربية، وفيه انهارت عروش وتصاعدت النبرات العنصرية المعادية للمهاجرين. وفي هذا العام منعت فرنسا زي السباحة «البوركيني» ما أشعل الشوفينية والحوار العنصري الذي بدأ يعلن زحفه في كل العواصم الأوروبية. ومن بريطانيا بدأت الهزة الأولى في 24 حزيران/يونيو عندما أعلن البريطانيون خلافا للتوقعات وقوفهم مع معسكر الخروج من الاتحاد الأوروبي في قرار أدى لسلسلة من الهزات السياسية. فقد كشف التصويت الذي جاء بهامش بسيط عن أمة منقسمة بين المدينة والقرية. وأسمع لأول مرة المهمشون من ثقافة العولمة والطبقات العاملة البيضاء صوتهم ضد حرية الحركة في دول الاتحاد الأوروبي والتي جلبت إليهم ملايين من المهاجرين والعاملين من دول أوروبا الشرقية بحيث أرهق نظامهم التعليمي والصحي. مما منح اليمين الصاعد على حساب المحافظين التقليديين والعمال الذين خسروا الانتخابات العام الماضي فرصة لتغذية الحنق واللعب على العواطف في حملة اتسمت بالشوفينية واستخدمت لغة التخويف والكذب والتهويل ومع ذلك صدقها المهمشون.
بداية العاصفة
لكن العام وان أنهى مسيرة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون ووزير خزانته جورج أوزبون بدأ بعواصف قوية في اسكتلندا وأكثر من 30 تحذيرا من فيضانات. كما بدأ بتهديدات من الأطباء الصغار بالإضراب لمدة ثلاثة أيام بعدما انهارت المفاوضات بينهم وبين الحكومة حول شروط العمل وعقوده. وكان كاميرون أعلن في 20 شباط /فبراير عن إجراء استفتاء حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي في 23 حزيران/يونيو. وبعده أعلن عمدة لندن في حينه، بوريس جونسون عن نيته تحدي رئيس الوزراء والوقوف مع معسكر الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي عرف بـ «بريكست». ولم تبدأ الحملات بشكل رسمي إلا في شهر نيسان/إبريل حيث بدأ كل طرف جهوده لإقناع الناخبين بدعم معسكرهم. ومنذ البداية سيطر على الحملة حزب الإستقلال بزعامة نايجل فاراج حيث التقت مصالحه مع جونسون ورفيقه في معارضة كاميرون وزير العدل في حينه مايكل غوف. وأثارت تصريحات فاراج وملصقه حول «نقطة الإنهيار» والذي استخدم فيه صورا لمهاجرين في البلقان يقفون على أبواب أوروبا اتهامات باستخدام خطاب عنصري مشابه لخطاب النازية في ألمانيا في ثلاثينات القرن العشرين.
قتل معلن
وربما كان هذا الخطاب سببا في قيام متطرف عنصري اسمه توماس مير بطعن النائبة العمالية جو كوكس (1974-2016) بعد خروجها من اجتماع في منطقتها الانتخابية في بريستول، ويست يوركشاير. وكانت كوكس من الوجوه الصاعدة في حزب العمال والتي آمنت بأهمية بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي وعملت في منظمة اوكسفام قبل انتقالها للسياسة وقادت حملة للدفاع عن السوريين من بين عدة قضايا آمنت بها خلال حياتها. وكشف مقتلها عن جيوب اليمين المتطرف الصاعد في بريطانيا. وعقدت مناظرة في ملعب ويمبلي شارك فيها المتناظرون من الصفين قبل يومين من التصويت، وكان من المشاركين أيضا عمدة لندن الجديد صادق خان من معسكر البقاء والعمدة السابق بوريس جونسون عن معسكر الخروج إلا أن نتائج الإستفتاء كانت 51.9٪ لصالح الخروج و48.1٪ للبقاء. وهو ما دفع كاميرون لتقديم استقالته في بيان عاطفي فتح الباب أمام ترشيحات لقيادة الحزب. ومن المفاجآت هي قرار غوف رفيق جونسون ترشيح نفسه مما حرم الأخير من التاج الذي كان ينتظره كجائزة له على حملته لدعم الخروج. وكان من المرشحين لقيادة الحزب تيريزا ماي التي فازت في الانتخابات وتولت رئاسة الحكومة خلفا لكاميرون. وبذلك أنهى كاميرون عاما سيئا بعدما ورد اسمه أيضا في الوثائق التي سربتها شركة المحاماة « موساك فونيسكا» في 3 نيسان/إبريل واتهم فيها باستخدام حسابات سرية للتهرب الضريبي.
حرب حزب العمال
عانى حزب العمال أزمة حقيقية حيث أسهم تمرد النواب العماليين في البرلمان على قيادة الحزب بزعامة جيرمي كوربن في إضعاف موقفه كمعارضة أمام حزب المحافظين الحاكم. وحاول التيار المحسوب على توني بلير، رئيس الوزراء السابق تقويض قيادة كوربن والإطاحة به عبر سحب الثقة منه. وعاش الحزب حربا أهلية طويلة حيث حاول المتمردون على كوربن منعه من الترشح بشكل اوتوماتيكي لزعامة الحزب ضد من تحدو قيادته إلا أن اللجنة الوطنية في الحزب قررت أحقيته في الترشح. وتفاقمت مصاعب كوربن بعد التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي حيث اتهمه عدد من وزراء الظل بالدعم الفاتر لحملات الاستفتاء. وكان رد كوربن التصميم على بقائه في منصبه والترشح أمام منافسيه. وتبع هذا تحرك لسحب الثقة منه في 28 حزيران/يونيو صوت فيه 172 ضده مقابل 40 نائبا معه فما زاده التصويت إلا تصميما. ولم تحسم معركة القيادة إلا بعد فوز كوربين على منافسه الأوحد وهو أوين سميث في 24 إيلول/سبتمبر.
تقرير تشيلكوت
في السادس من تموز/يوليو نشر تقرير تشيلكوت حول حرب العراق بعد 7 أعوام من بدء التحقيق في ظروف جر بريطانيا لحرب كارثية أطاحت بنظام صدام حسين عام 2003. وكان التقرير ناقدا لرئيس الوزراء السابق توني بلير الذي اتهم بتقديم تعهدات للرئيس الأمريكي في حينه جورج دبليو بوش وبعدم تقديم المعلومات الأمنية عن قدرات العراق بمجال أسلحة الدمار الشامل بطريقة دقيقة. وأكد التقرير ان الحرب لم تكن «الخيار النهائي» وأنه تم الذهاب قبل استنفاد الجهود الدبلوماسية. وتم إرسال القوات بدون تجهيزها بشكل جيد ولم يتم التحضير لمرحلة ما بعد الحرب. وفي النهاية رفض التقرير كل المبررات التي قدمها بلير للمشاركة في الحرب.
انجازات
وكان عام 2016 هو العام الذي مشى فيه رجل الفضاء البريطاني توم بيك خارج قمرته، وهو العام الذي احتفلت فيه الملكة إليزابيث الثانية بعيد ميلادها التسعين، وفيه عاد القطار المعروف «فلاينيغ سكوتسمان» للعمل بعد 10 أعوام من الصيانة. وفيه قررت صحيفة «اندبندنت» و«اندبندنت أون صنداي» التخلي عن الطبعة الورقية والاكتفاء بالطبعة الالكترونية. وفيه دخل نادي ليستر تاريخ أندية كرة القدم البريطانية بالفوز بكأس الدوري الممتاز لأول مرة في تاريخه. كما حقق بطل التنس أندي موراي بطولة تنس ويمبلدون وأحتل المرتبة الأولى في قائمة لاعبي التنس المحترفين في العالم. واختير نجم الرياضة لعام 2016 في استفتاء «بي بي سي» للمرة الثالثة على التوالي. وفي 19 تموز/يوليو شهدت بريطانيا أكثر الأيام سخونة في العام حيث وصلت درجة الحرارة 35 درجة مئوية. وفي عام 2016 حققت بريطانيا المرتبة الثانية في أولمبياد ريو دي جانيرو، 27 ذهبية و23 فضية و17 برونزية. وفي هذا العام عادت كاتبة سلسلة هاري بوتر، جي كي رولينغ بفيلم هو جزء من خمسة وهو «الوحوش الرائعة وكيف تعثر عليها». كما فاز المخرج المعروف كين لوتش بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان عن فيلمه «أنا دانيال بليك». ومات في هذا العام مغني البوب المعروف ديفيد بوي.
إبراهيم درويش