رفسنجاني .. روحاني .. خاتمي.. ماذا لو فعلت ايران ذلك؟ ولماذا لا تفعل!

حجم الخط
0

لنتخيل معا المشهد التالي: رئيس تشخيص مصلحة النظام في ايران والرجل الثاني في النظام أكبر هاشمي رفسنجاني يجلس إلى طاولة المفاوضات وجها لوجه قبالة الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما، يجلس بصفته مفاوضا ايرانيا بصلاحيات تامة يمنحه إياها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ليفاوض في قضية واحدة، هي العلاقات مع الولايات المتحدة الامريكية وطبيعة ومستقبل هذه العلاقة المقطوعة منذ قرابة 30 عاما، هي عمر الجمهورية الاسلامية في ايران. بموازة ذلك يحط الرئيس الجديد المنتخب الدكتور حسن روحاني بطائرته الرئاسية في العاصمة السعودية ويجلس إلى طاولة الحوار قبالة الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز، للبحث في السبل الواقعية والعقلانية لاعادة التوازن للعالم الاسلامي، من خلال اعادة اصلاح وصياغة خط التواصل بين طهران والرياض، فضلا عن ضرورة فك الاشتباكات الدائر حول قضايا من الوزن الثقيل بين أهم عاصمتين اسلاميتين. يكتمل المشهد السابق بالرئيس الأسبق محمد خاتمي وهو يتجول في عواصم العالم في محاولة لاحياء مشروع حوار الحضارات الذي أطلقه حين كان عام 2001، وذلك لاعادة التذكير بأحد أهم وجوه الجمهورية الاسلامية الذي نسيه أو تناساه البعض من أصدقاء وأعداء ايران.
شخصية بحجم رفسنجاني ستكون قادرة على قيادة المفاوضات مع الولايات المتحدة، وإرسال إشارات مهمة بشأن جدية ايران وحسن نيتها في حل كل المشاكل عبر الحوار والتفاوض، فضلا عن قدرة الرجل الكبيرة على توجيه دفة الحوار باتجاه المصالح العليا للجمهوية الاسلامية، من دون الوصول إلى مرحلة تفجير طاولة الحوار، كما ان خطوة كهذه سترسل رسائل واضحة ومباشرة للغرب وللدول العربية والاقليمية بأن لدى ايران نية حقيقية في حل مشاكلها مع العالم ومشاكل العالم معها، وهذا من شأنه ان ينعكس ايجابا على الحوار مع دول 5+1 بشأن البرنامج النووي وعلاقات طهران بمحيطها والعالم. باختصار ان فعلت ايران ذلك فاني وكثيرين مثلي يعتقدون بان رفسنجاني لن يعود بخفي حنين مطلقا وهو العارف أكثر من غيره ان المفاوضات لا تعني الاستسلام والتسليم بما يريده الآخر، فليس بالضروة ان تؤدي مفاوضات كهذه إلى إعادة تبادل التمثيل الدبلوماسي بين طهران وواشنطن، لكنها وفي أضعف الايمان ستغير ماهية العلاقة بين الطرفين من علاقات عدائية بالكامل إلى علاقات تنافسية وندية تدار من خلالها الخلافات والأزمات بطريقة أكثر هدوء وأكثر حنكة، من دون الوصول إلى تفجير الساحات فقط لضرب مصالح الطرف المقابل.
ليس اعتباطيا ان يكون لدى الرئيس روحاني اهتمام خاص بالمملكة العربية السعودية، فالرجل يعرف أن علاقة صحية او شبه صحية مع الرياض تشكل مفتاحا حقيقيا لعلاقات بلاه ببقية العرب. روحاني قادر من خلال اعتداله ووسطيته على فتح حوار هادئ مع السعوديين حول ملفات حساسة جدا، كالحرب الدائرة في سورية، وحدود تحرك حزب الله اللبناني في المعادلتين اللبنانية والعربية، ومتى يتوجب على طهران التدخل لصالح علاقاتها مع العرب، فضلا عن القضية الفلسطينية وقضايا مشتركة اخرى لها علاقة بالحدود وتقاسم النفوذ والموارد. بالتأكيد ليس من السهولة أن يتفق العرب والايرانيون بشأن ملفات ثقيلة كهذه، لكن الحوار وفي كافة الاحوال من شأنه تهذيب المواجهة بين الطرفين، ورسم حدود لها والاتفاق على صيغة لادارة الازمات بدلا من خلقها ورعايتها، وهذا بحد ذاته سيكون اختراقا حقيقيا في العلاقة مع الرياض ومن ورائها العلاقات مع بقية الدول العربية. أما السماح لخاتمي بالاستفادة من سلطته المعنوية الكبيرة فسيكون كفيلا بخفض سقف التوتر والتشنج بين ايران وبعض دول العالم، فضلا عن قدرته على إزالة الالغام المزورعة بين ايران ومحيطها العربي ـ التركي.
هذا المشهد المركب، إن حصل، سيقدم خلطة سحرية ايرانية تتجاوز حدود الصفقة لتعيد خلط كل الأوراق الاقليمية وحتى العالمية، من خلال الجمع بين خبرة رفسنجاني الطويلة في العمل السياسي ووسطية روحاني المعروف بهدوءه وقدرته على تفهم الآخر، وكاريزما خاتمي صاحب الرصيد الاقليمي والعالمي من القبول، باعتباره وجه ايران المفضل عربيا ودوليا. هكذا تكون ايران قد تحركت عبر ثلاثة مسارات معا هي غاية في الأهمية، من خلال التعامل مع ما يعتبره البعض خطوطا حمراء، وذلك كله باشراف وتوجيه مباشر من المرشد الاعلى علي خامنئي. والسؤال الاهم هنا هو إن فعلت ايران ذلك، ماذا سنفعل نحن في العالم العربي؟ هل سنقف في وجه ايران وهي تتبنى أهم وأعقد لحظة واقعية وعقلانية؟ أم اننا سنشجع ايران على صفقة من هذا النوع؟ في الحالة الاولى لن يكون أحد خاسرا أكثر منا نحن العرب، وفي الحالة الثانية سنكون بحاجة إلى الكثير من الحنكة السياسية كي نشجع ايران من جهة ونحافظ على أمننا القومي ومصالحنا من جهة أخرى، خاصة ان دولة واحدة في العالم ستعتبر خطوة ايرانية من هذا القبيل بمثابة تهديد مباشر ومتسارع لامنها القومي والحيوي وهي اسرائيل. اما لماذا لا تفعل طهران ذلك فتلك قصة طويلة تعود للصراع الدائم في العقلية الايرانية بين مصالح الدولة وثوابت الثورة.. بكافة الأحوال فان إمكانية تحرك ايراني بهذا الحجم يدلل على أن طهران لم تصل بعد لآخر الخط وان لديها أوراق قوة مؤثرة لم تقرر بعد أن تلعب بها..
صحافي فلسطيني مقيم في ايران

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية