أجنحة من قصب

حجم الخط
2

حنين: للغيمات التي كانت تعلّمني
أن أذهب أبعد ممّا يحتمل القلب
أن أستقبل الرذاذ عاريا من الدنيا
وأُزهرَ في شقوق الحلم
لقطعان الضوء المنحدرة من مسكيليانى
ليديْها
لباقة الأمواج في عيْنيْها
أبسط ذاكرتي مثل كتاب مهجور
وأقول: أعيدوني أيّها الأصدقاء
فقد أضعت الدرب إلى حكايا جدّتي
محطة واحدة تكفي
ماذا فعلت بأعوامك الثلاثة والثلاثين؟
بعثرتها على طرقات القوافل
فحاذتها الحوافر وآخَتْها العربات
ودستها أنتَ بوجهك الغائم وقدميك الممطرتين..
ماذا فعلت برفيقة دربك
ألقيتَها وحيدةً في الزحام
فألقتك إلى النسيان
وثبّتتْ صورتها بمسامير الذاكرة..
أسلمتَ نفسَك للمسافات
فماذا فعلت بها؟
قضّيت عمرك تخيط أرضا بأخرى
وتتلفّع بقماشة الريح
فلتسترح مرّة واحدة أيّها القلب
استرح قليلا
دعنا نسمع صوت فيروز

شعرك الطاعن في الريح
هذا الراكض صوب طفولتي الأولى
سألجمه بيديّ هاتين وأعيده للّيل
تلك الأنامل التي تجرح الهواء
سأرمي بها إلى أقرب عاصفة وأوصد الأبواب
ضحكتك الشريدة كالنسائم العابرة والملائكة الصغار
سأخلع قمصانها واحدا واحدا
وأسكب على جمراتها عشرين شتاء
ومن جذور الأرض سأقتلع مشيتك الفاتنة
وأقذفها وحيدة على الطرقات السيّارة
نعم سأفعل ذلك
ولكن كيف سأقبر الخيال الذي صنع كلّ هذا؟

الفاتحة

الوردةُ التي أوصيتني بأن أضعها على قبركِ وأقرأ الفاتحة
الوردةُ البيضاءُ التي حرسناها معا
وفي انتظارها تشرّدنا بين الشوارعِ
وخلف خريف النايات
الوردةُ التي سقيتُها بعيْنيّ
ولأجلها سكبت أعوامي على الأرض
تلك الوردةُ
أضعها الآن على قلبي
وأنتِ تقرئين الفاتحة

مغارة علي بابا

كلّ ليلة أفتح صرّة الأحلام.. فيخرج وجهكَ الضاحك يأخذني من يدي
ونمضي غمامتين ممطرتين، جَدّا مشرقا وحفيدًا برقًا يغويه عرسُ الذئب وابتسامة قوس قزح
لن تنظر هذه المرّة في المرآة ولن تخجل من عراء الينابيع
فقط أصغ إلى قلبك وهو يضج بالمزامير
وتعلّم من الضفادع كيف تقفز ولا تجرح الأرض بحذائك المسكون بالمسامير
العيد يكسو سماءك بالأحمر والأصفر والأخضر فانفخ جيّدا حتّى يكتمل البنّيّ
ها هو صديق صباك يقفز عاريا مع ابنه الذي أنجبه منذ شهر
ها أنت تقتلع الأمطار من غيماتها
الغيماتِ من سمائها
السماءَ من كرّاسكَ المدرسي
وتطلقها حرّةً تتلألأ بالذكريات
كلّ ليلة أفتح البيت القديم فتأتي جدّتي منّوبيّة بخلخالِها الفضّة
و’مَلْيَتِها’ التي تقطف الربيع من كلّ حقل
ستخبّئ لي تفّاحة أخرى كعادتها وتسقيني من قلبها الحلو
بعد حين ستصطاد ‘الفيتورة’ من معاصر الزيتون فالشتاء ينام داخل البيت
وفتاتك التي اغتالها البرد بعد حين تعود
ستركض حافية في حقل المشمش في مسكيليانى
ويقفز قلبك المدفون في رمل أسبيس
كلّ ليلة يمتلئ بيتك المهجور كجرّة ماء بأصواتهم العذبة
كلّ ليلة يجلسون إلى مأدبة عشائك
فلماذا يقتاتون من قلبك كلّ صباح
لماذا تشرق الشمس بكلّ هذه القسوة

المرآة

التعاويذ التي أطلقتها في روحه الهشّة..
والخذلان الّذي علّقته بذوقك المرهف على جدرانه المتشقّقة أصلا
اللّوعة.. اليأس.. اللّعنة.. الموت جهرا..
الندوب المغروسة كالرّمح في وجه العالم
والأماكن التي لم تسحبيها من خطاه
كلّها كبُرت في غيابكِ..
وهو المُثقَلُ بهداياكِ
كان يضمّها على حضنه كمن يتحسّس بئرا غائرا
ويأخذها إلى المدرسة كلّ صباح
في غيابكِ كبُرَ الأولاد
صار للخذلان شعر أشقر وعينان زرقاوان
والندوب صارت مراهقة تتسلّق أفئدة العشّاق
واللّوعةُ أصبحت بركانَ شباب
في غيابكِ كبُر الأولاد
وأنا أتوكّأ عكّازي في المساء
لم أعد أطيق ضجيجهم وهم يصرخون ‘ماما ماما’
فلْتزوريهم هذه اللّيلةَ الشتويّة
ضعيهم في حضنك الأموميّ
وانظري في أعينهم واحدا واحدا
أيّ شَبَهٍ يشدّهم إلى أظفارك الناعمة
أيّ أخاديد؟
وأيّ بياض يربطهم بأسنانك القطنيّة
وقلبك الّذي لا يعرف الصقيع؟
زُوريهم ليلةً واحدةً فقط..
أمّا أنا فقد آن أن أهجرَ البيت

*شاعر من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية