قبل الربيع العربي عشت 30 سنه من عمري متمنيا ثورة تغير من واقعنا الباهت والراكد، فقد كانت اخرها قديمة حدثت أثناء طفولتي تلك التي جلبت لنا القذافي، وصدام، وعلي عبدالله صالح، وبن علي. كنت دائما ما ألوم اباءنا على حالنا وكيف اصبحنا مثل الاغنام عند الحاكم يرعاها ويورثها كيفما شاء. حتى اصبحنا لا نستذكر علم اي بلد عربي دون أن نرى صورة زعيمة تتوسطه في مخيلتنا. قامت ثورات الربيع العربي تطالب بالحرية والكرامة واستبشرنا بها كل الخير، لكننا سرعان ما اكتشفنا السبب الذي جعل إبائنا يفضلون ذاك الركود والخنوع والطغيان من حكامهم على القيام بثورة. فهمت تماما ان السياسة هي السياسة والموارد هي الموارد والخلل ليس في عقل الزعيم الملهم الذي تعامل معنا على اننا اغنام في مزارعه الخاصة يتحكم بنا كيفما شاء، إنما الخلل في تلك العقلية العربية القمعية ‘العنصرية المليئة بالجهل، والتي مهما بلغ علم ودماثة نخبها لن تتغير. عرفت ان الحاكم في وطننا العربي دكتاتور لكن ليس على قطيع من الاغنام كما كنا نتصور بل على مجموعات من الذئاب المتسترة ببراءة ووهن ‘الاغنام، حتى إذا تمكنت وسيطرت اصبحت ذئاب بل وحوش كاسرة تفترس اخوانها قبل أن تفتك با حكامها. و يا ليتنا مثل الوحوش في الغاب لا تابة لأحد عشوائية في تحركاتها مزاجيه في قراراتها. أما نحن فمهما تلبسنا بثوب الثائر المغوار نستمر بالخنوع والانبطاح بانحناءات مختلفة لتلك القوى الخارجية التي كانت ومازالت تحرك المشهد الداخلي او على الاقل تستغل مخرجاته.
مؤخرا تحدثت مع صديق لي من إيران وهو من المنفتحين الليبيراليين الساخطين على حكم الملالي والدين بقدر سخط عمرو موسى والبرادعي على مرسي مصر، بل أكثر سخطا فهو يتجرع حكم ديني لاهوتي، من وجهة نظره، لأكثر من 30 عاما وليس لعام مرسي الوحيد! قال لي حينها انهم لن يقوموا بثورة جديدة لأن ثمن الثورات غال جدا ونتائجه من الصعب التحكم والتكهن بها وخاصة من الناحية الاقتصادية. فعلى الرغم من حالة الهيجان التي تصيب صديقي عند سماعة لملالي إيران، إلا انه مع حكم اصلاحي متدرج حتى ولو كان دينيا! عندها باغتني بسؤال لماذا لم تتعلموا منا! حينها أثرت الصمت، لكني حدثت نفسي وقلت اننا لربما نسينا الدماء واللا استقرار الذي صنعته الثورات العسكرية قبل 30 سنه لهذا قمنا بالربيع العربي ، بل ودعمت نظريتي هذه بأن ثورات الربيع بدأت شعبية وليس نخبوية الامر الذي ساهم في زيادة الامل بها. لكن مالم استطع ان أفهمه هو كيف يقوم إخواننا المصريين اليوم بثورة اخرى بعد عام واحد على تولي مرسي للرئاسة! بل والتعويل على الجيش المصري لنزع فتيل الازمه وحكم مصر مجددا الامر الذي ثار عليه الثوار انفسهم في 25 يناير! أليس هذا تناقض كبير وتغيير سريع في الاهداف والتوجه!. بل ما يثير الاستغراب أن الثوار اليوم يرفعون شعارات الحرية ‘ذاتها في وقت تعاني فيه كل دول الربيع العربي من حالة عجز وشلل اقتصادي كبير وخاصة في مصر. فسقف الحرية لم يعد يتمثل بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وحرية التعبير والاعتقاد، بل ارتفع اليوم ليكون بفصل الدين عن الدولة وحرية العمل الفني! فمصر اليوم تتمتع بحرية سياسية لا تعرفها معظم دول المنطقة، ليس منة وتفضل من الاخوان لكن للانفلات الحاصل فيها، والذي وصل بالأمر إلى عدم الاكتفاء بالناقدين لمرسي من الاعلامين المحليين المصريين وما اكثرهم، حتى قام مؤخرا الدكتور باسم يوسف باستيراد المذيع الامريكي جيمي ستيوارد ليسخر هو ايضا من مرسي ومن على أرض مصر!
ما يحدث في بلادنا العربية اصبح فوضى خارجة عن السيطرة باسم الحرية في مجتمعات مليئة بالجهل والفقر وأكثر ما تعوزه هو لقمة العيش والشعور بالأمن. أقولها والالم يعتصر قلبي، اننا اليوم ندمر اوطاننا بأيدينا وباسم الحرية البريئة منا لآنها في الاساس لم تعرف العقل العربي مهما تمدن، وتدين وتحضر وتلون. ولا حل غير الحكومات التوافقية كما هو الحال في اليمن، والتي يمكن ان تضمن الاستقرار لمصر في الفترة الانتقالية على الاقل، وبعدها ليكن الصندوق هو الفاصل بين الخصوم السياسيين هناك، وحتى لو أخون الاخوان الدولة ولبررها الفريق الاخر، على الاقل تضمن لنا الديمقراطية انه لن يمتد حكم اي فريق منهم لأكثر من 8 سنوات، وكما يقول المثل الشعبي، ‘قال ايه الي صبرك على المر قال الي امر منه’. يكفينا من ثورات الربيع العربي اسقاط ابدية الحاكم والتوريث وأعتقد ان الوقت قد حان لنقول للثوار شكر الله سعيكم وإلى هنا وكفاية!
إننا في بيئة فقيرة مليئة بالحقد والعنف وفي حالة هيجان طائفي وديني، لهذا إذا انفرط العقد لن يستطيع احد ان يعيد الامور إلى نصابها، ومجرد فتوى صغيرة حتى لو من خارج مصر، يمكنها أن تخلف أضرار ودماء أكثر من تلك التي يخلفها صواريخ اسكود الاسدية في سورية، وستبقى اثار الحقد والكراهية بين الفرقاء في مصر لفترة اطول من تلك التشوهات التي تسببها الاسلحة الكيميائية بضحاياها. والنتيجة ستكون اطلال دولة لن يستطيع ان يحكمها احد إخواني كان ‘او يساري. أعتذر للشعب المصري على تطفلي ولكني اقول لإخوتي المتمردين على حكم مرسي انهم مقبلين على مقامرة كبيره و بنسبة فشل عالية بل وبعواقب كارثيه. إنه من الاسلم أن يصبروا على حكم مرسي ولو كان حكمة مثل تجرع العلقم من اجل استقرار مصر. وعلى مرسي أن يثبت في موقعه من أجل استقرار مصر أيضا. لا يجب بأي حال إسقاط أي رئيس منتخب إلا عبر صندوق الانتخاب! اما في حالة تحقق هذا التمرد وشرعنته من قبل الثوار، عندها لن يحكم مصر أحد وكل تمرد سيعقبه تمرد بكل تأكيد لأنه سهل وغير مكلف ولا يحتكره أحد.
د. شادي صالح باصُرة – جامعة صنعاء