بين قرار مجلس الامن الذي اعتبر المستوطنات غير قانونية وبين التطورات الدولية الاخرى، من انهيار العالم العربي ومرورا بصعود اليمين في اوروبا وانتهاء بانتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة الذي يشجع اليمين الاستيطاني في إسرائيل ـ نشأت الآن فرصة ذهبية لتثبيت انجازات الصهيونية لأجيال. وهذا من خلال سياسة نعم للاحتلال ولا للمستوطنات مع القليل من الضم.
هذه هي لحظة كل من يريد تزعم إسرائيل، الآن أو مستقبلا، رسم الخارطة. وعدم التحدث عن «الدولتين» أو عن «الكتل الاستيطانية» أو عن مسار الجدار أو خطوط الـ 1967 والتعديلات، بل خارطة واضحة تضع الحدود الشرقية لإسرائيل ونهاية مطالبها الجغرافية. وفي غرب هذه الحدود يمكن الضم واعطاء المواطنة. وفي شرقها يجب اعتماد سياسة «نعم للاحتلال، لا للمستوطنات».
يجب أن تعتمد الحدود الشرقية على الحد الأدنى المطلوب من اجل تمكين جزء كبير من المستوطنين من الانضمام لدولة إسرائيل، لكن ليس أكثر من ذلك. ويجب التنازل عن اريئيل واصلاح الخطأ الكبير الذي تم بضم عشرات القرى الفلسطينية للقدس في العام 1967 وإبقاء الاحياء اليهودية فقط. الحديث يدور كما يبدو عن 2 ـ 4 في المئة من اراضي الضفة الغربية وليس أكثر من ذلك.
من المهم أن يعلن من يرسم خارطة كهذه أن للشعب اليهودي ودولة إسرائيل الحق التاريخي والقانوني والنفسي على جميع البلاد بين النهر والبحر، لكن هذا الحق ليس هو الأهم وليس الوحيد. يجب القول إن الحركة الصهيونية تعترف بوجود شعب آخر يعتبر هذه البلاد وطناً له وله حق فيها، لذلك تكون الحركة الصهيونية مستعدة للتنازل عن بعض حقوقها في كل المنطقة. ويجب التأكيد على أن الحركة الصهيونية تتوقع أن يفهم الشعب الآخر أن عليه التنازل عن حقه الكامل في البلاد، وأن حقه هذا ايضا ليس الأهم وليس الوحيد.
والى أن يترك الشعب العربي الفلسطيني سلاحه ويعترف بأن للشعب اليهودي الحق في ارض إسرائيل، وأن يحدد مطالبه الجغرافية والتنازل عن الطلب الذي يعني «فلسطين الكبرى» وأن تستمر إسرائيل في السيطرة العسكرية على المناطق في غرب الحدود، فان دولة إسرائيل ستوافق على أي كيان فلسطيني سينشأ في شرق الحدود، سواء كان دولة أو حكم ذاتي. ولكن الجيش الإسرائيلي فقط هو الذي سيكون موجوداً على الارض. الاحتلال سيستمر. الاحتلال العسكري هو طريقة حكم ضرورية في المناطق التي لا توجد نية لضمها وحتى انتهاء الحرب. طالما أن إسرائيل تتبع سياسة واضحة وتثبت استعدادها لتقسيم البلاد، إلى أن يثبت الطرف الآخر استعداداً مشابهاً، فان استمرار الاحتلال العسكري للمناطق يكون مبرراً.
اضافة إلى «نعم للاحتلال» يتم الاعلان عن سياسة «لا للمستوطنات». الاحتلال العسكري غرب الحدود يمكن تبريره، أما استمرار المستوطنات فلا يمكن تبريره. لا حاجة إلى قرار مجلس الامن رقم 2334 كي نفهم ذلك. الاستعداد لتقسيم البلاد والاعتراف بحق الشعب الآخر في البلاد، لا يمكن أن يتم بالتوازي مع مشروع الاستيطان. وكلمة لا للمستوطنات يجب أن تكون حاسمة. لا حاجة إلى اخلائها، لكن لا يوجد ايضا مكان لخطط الاخلاء ـ التعويض. يجب تجفيف المستوطنات التي وراء الحدود اقتصاديا وعدم تمويلها. ومن يريد العيش في هذه المناطق فليفعل ذلك من دون دعم ودفاع السيادة اليهودية داخل حدودها.
نتيجة سياسة «نعم للاحتلال، لا للمستوطنات» ستكون السيطرة العسكرية في المناطق التي فيها قانون واحد وسكان خاضعين لهذا القانون من دون مطالب جغرافية إسرائيلية، وانطلاقا من القول الواضح حول ما هو المطلوب لانهاء الاحتلال العسكري. هذه السياسة ستحقق الفصل الكبير بين الشعبين وتجعل الاحتكاك في حده الادنى.
في غرب الحدود يجب الاعلان عن سياسة الضم الكامل واعطاء المواطنة لجميع السكان. ونتيجة هذه الخطوة سيكون هناك قانون واحد إسرائيلي متساو للجميع، حيث سيكون واضحا من هو في الداخل ومن هو في الخارج، من ينتمي لهذه الدولة ومن لا ينتمي لها.
إن السياسة التي تدمج بين تحديد الحدود العادلة وبين سياسة الضم ومنح المواطنة داخل هذه الحدود هي البديل السياسي لليمين المسيحاني. هذه السياسة تعترف بوجود شعب آخر بين النهر والبحر. ولكنها تعترف ايضا بأنه يجب الانتظار وقت طويل إلى أن يوافق ذلك الشعب على تقاسم البلاد مع الشعب اليهودي.
هذه السياسة تعرف أنه يجب ابقاء مناطق لذلك الشعب، لكن مع ضرورة البقاء عسكريا إلى أن يلقي سلاحه. هذه سياسة صهيونية كلاسيكية تعتمد على استغلال الفرص الجيوسياسية من اجل فرض انجازات حقيقية دون تعريضها للخطر بسبب رغبات مسيحانية.
هذه عودة إلى المباديء الصهيونية، للاشخاص الذين يتحملون مسؤولية مصيرهم من دون انتظار المُخلّص أو الله من اجل حل مشكلاتهم. هذا تطبيق للارث الصهيوني الذي يدمج بين الحلم وبين السياسة العملية الحكيمة مثل التلمود القديم: «كل شيء يزيد عن حده ينقص».
هآرتس 27/12/2016