الكرك الأردنية… وجع التفاصيل والبرد الذي كشف «العلل»

كما يفعل البرد تماما وفقا للمألوف الشعبي الشرقي فعلت حادثة مدينة الكرك الأردنية فكشفت عن حزمتين من الوقائع في غاية الأهمية. الأولى تمثل العلل والأعراض والمناطق الضعيفة في جسد المؤسسات والدولة، والثانية تكشف عن عناصر القوة التي لا يمكن إنكارها في جسد المجتمع.
هذا دوما ما يفعله البرد الشديد في بلادنا.. وهو ما فعلته أحداث الكرك الدامية المؤسفة بالأردنيين طوال الأسبوعين الماضيين وسط حالة نادرة من انعدام الثقة بين السلطة والناس وتبادل اللوم وارتفاع الصوت النقدي والضجيج في التعاطي مع ما يمكن اعتباره تشخيصا للعيوب ولمظاهر التقصير من الصعب اليوم إنكارها أو تجاهل وجودها أو اعتبارها كأنها لم تكن.
العلة الأولى التي يكشفها مسار عملية الكرك كما وصفت إعلاميا تتمثل في اكتشاف الاثر السيء للمبالغة والتهويل الإعلامي المتعلق بالكفاءة الأمنية للأجهزة المختصة في الأردن حيث تعملقت هذه الكفاءة وبنيت في وجدان الناس أسطورة غير منتجة لا معنى لها أو أثبتت أحداث الكرك بأنها تنطوي على الكثير من التهويل والمبالغة.
لزاما على الجميع اليوم الإقرار بالوقائع بدون مبالغة وتهويل تحت عنوان الحقن التعبوي الذي لا تنسجم معه الظروف الموضوعية فالأردن بلد المعجزة في الصمود وسط إقليم في غاية الالتهاب طوال مرحلة ما بعد الربيع العربي.
وهذا لا يعني بأن الساحة الداخلية الأردنية التي تعج أصلا بالتشدد والتطرف وكل المشاكل المستعصية التي تغذيهما عصية على الاختراق فقد أثبتت الكرك وقبلها حوادث أخرى مثل البقعة والركبان أن الاختراق ممكن بكل بساطة ولا يوجد اليوم ما يقنع بأن المعالجة والبقاء في دائرة الصمود الأمني والاستقرار تتطلب نكران هذا الواقع.
وليس سرا أن المؤسسة الرسمية الأردنية ولأغراض قصيرة الأمد استثمرت كغيرها من حكومات المنطقة والعالم بالتطرف والمجموعات المسلحة والمتطرفين.
ما ينبغي قوله اليوم بسيط جدا.. الإعلام الرسمي نفخ طوال الوقت بصورة مبالغ فيها في المفصل المتعلق بالجاهزية الدائمة لصد أي جريمة ومنع الاختراق.. واللافت أن ذلك حصل في بلد تضاعف فجأة عدد سكانه بسبب أزمات المنطقة واللجوء وتضاعفت ديونه ويحظى بمرتبة متقدمة في سلم الفقر العالمي.
إذا رموز ودعاة النفخ الوطني لهم دور في تكبير حجم الصدمة التي شعر فيها الجمهور عندما حصل اختراق أمني.. تلك المسألة بكل بساطة واضحة للعيان خصوصا وأن الإرهاب الذي أصبح شركة عابرة للقارات يستثمر فيها الجميع ضرب في دول كبرى وأهم من الأردن وفيها مخصصات مالية عملاقة للأمن حيث لا يمكن إخضاع ذئب منفرد يقرر الموت لأي معيار أمني مهني بصرف النظر عن الجرأة والشجاعة وعن الإمكانات.
قياسا بالظروف الإقليمية والكونية ما تصدت له الأجهزة الأمنية الأردنية طوال الوقت كبير جدا ويحترم. وعندما يتعلق الأمر بأحداث معينة مثل البقعة والكرك يمكن التحدث عن أخطاء أو خلل أو تقصير دون التهويل بالمقابل من مستوى الاختراق وبالدرجة نفسها التي ينبغي على الجميع فيها تجنب المبالغة في الحديث عن أسطورة الأمن حيث لا أمن، اليوم في أي دولة، شاملا ويغطي كل الاعتبارات ولا أمن في أي مكان.
العلة الثانية التي كشفتها موجة برد الكرك الإرهابية تظهر بوضوح ليس وجود خلل فقط في منظومة الأمن ولكن وجود تقصير شديد في الخطط الموضوعة والسيناريوهات المسبقة وقد يكون السبب في ذلك هو تعدد المرجعيات الأمنية وضعف التنسيق بين الأجهزة المختصة وصعوبة مراقبة جميع المشتبه فيهم والخمول في جزئية تبادل المعلومات الاستخبارية الأمنية ليس لسبب مهني أو وطني.
إنما بصراحة وبساطة وهو ما يعيب بكل الأحوال بسبب حسابات وصراعات وتجاذبات شخصانية تماما ليس من المناسب إنكارها بعد دماء الكرك الطرية الذكية بين المسؤولين في الصف الاول.
نتحدث بوضوح هنا عن مسؤولين كبار يجلسون في مقاعد أساسية ويمتنعون عن تبادل المعطيات والتنسيق لأن علاقاتهم الشخصية مضروبة وهو أمر لم يكن يحصل في تقاليد الدولة الأردنية في الماضي وتكرس في السنوات الأخيرة بسبب الشللية بين سياسيين وغيرهم وبسبب الاعتبارات الشخصانية غير الموضوعية والأهم بسبب نظرية غريبة في علم السياسة تقول بأن الدولة تستفيد من تناقضات رموزها وهو درس لم أقرأه شخصيا في أي كتاب له علاقة بعلم السياسة.
العلة الثالثة التي اكتشفتها موجة الكرك الدامية حيث شهداء وجرحى وسؤال حائر يطوف اليوم برأس كل أردني تتمثل في تداخل الصلاحيات أحيانا ووجود شخصيات في ميدان الصراع مع المنحرفين والمجرمين ينبغي أن لا تتواجد لأنها تعيق العمل ومنظومة الاتصال.
وقد فقد بعض أبهى شباب الأمن حياتهم بسبب الزحام عند الاشتباك ووفقا لخبير أثق شخصيا بتقييمه كان ذلك من بين الأسباب التي منحت الإرهابيين الأربعة في قلعة الكرك أفضلية المناورة والمبادرة قبل سقوط 12 شهيدا من المستوى الأمني حيث غاب التنسيق بوضوح وتواجد في نقطة الاشتباك ممثلون لأجهزة عدة بدون غرفة عمليات مركزية وبدون وهذا أيضا واضح خطة شاملة تمنع اندفاع المدنيين سواء كان دافعهم الفضول أو الحمية للدفاع عن بلدهم ومدينتهم، الأمر الذي نتج عنه قتلى وجرحى مدنيون.
ختاما ثمة علل وأمراض أخرى قد لا يتسع لها هذا المقال وما حصل قد حصل والتوحد الشعبي وراء إظهار حسن النية بالمؤسسات ضرورة ملحة ووطنية لأن عش الدبابير فيما يبدو قد دخل الساحة الأردنية التي لم تكن يوما حتى بالنسبة للانتحاريين والمجانين ساحة جهاد.
وقد أصبحت بوضوح الآن بمجرد قراءة كلمة «مرتد» في بيان تنظيم «الدولة» (داعش) عندما يصف الشهيد من رجال الأمن.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

الكرك الأردنية… وجع التفاصيل والبرد الذي كشف «العلل»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية