خليط من الفزع والهزء ميّز ردود فعل السياسيين من اليسار ومعظم المحللين السياسيين لسماع قرار نتنياهو الغاء زيارة رئيس وزراء اوكرانيا فلاديمير غرويسمان إلى البلاد وعدم اللقاء بتريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، استدعاء كل سفراء الدول التي صوتت ضدنا والاحتجاج شخصيا امام سفير الولايات المتحدة. ماذا ستفعل إسرائيل غدا؟ سألوا. هل ستعلن الحرب على العالم؟
ولكن نتنياهو كان محقاً. فلا يوجد ما يدعو إلى التبطل حين يمسون بنا. هكذا تتصرف دول ذات سيادة. وحدهم اليهود مع رواسب المنفى الجسيمة في نفوسهم، ممن اعتادوا على مسح البصاق، يخافون من مثل هذه الخطوات. ولكن يجدر بهم أن يعتادوا. فقد فتحت لإسرائيل نافذة امكانيات جديدة مع انتخاب ترامب. نافذة يمكنها أن تثبت مكانة جديدة لإسرائيل حتى بعد فترة ولايته.
كل أولئك من بيننا ممن سيجدون دوماً اسباباً وجيهة لاتهام اليهود بما فعله لهم الاغيار سارعوا إلى تعليق النير في رقبة نتنياهو. «من يقاتل في سبيل البؤر المنعزلة نهايته ان يضحي بالقدس ايضا. بسبب الكفاح من اجل عمونه أدرج مجلس الامن القدس ايضا في القرار». هكذا قالوا عندنا. أحقا؟
هذه كذبة فظة في اسوأ الاحوال او فقدان القدرة على التذكر في افضل الاحوال. الوضع معاكس. عشرات المرات شجبتنا الامم المتحدة ومجلس الامن بسبب القدس، حتى بعد حرب الاستقلال، حتى بعد حرب الايام الستة وحتى مرات عديدة منذئذ. وهم يتعاطون مع رمات اشكول كـ «مستوطنة» قبل عشرات السنين من قيام عمونه. ولما كنا وافقنا على تجميد البناء في القدس ايضا فاننا نقاتل الآن على كل إقرار لخطة ازالة كوخ في يهودا والسامرة. من ناحية ما بالك.
قانون التسوية، يقول اليسار الإسرائيلي هو الذي قصم ظهر البعير. ليس جميلا تسمية رئيس أمريكي قائم هكذا، ولكن جون كيري تعهد للفلسطينيين بألا تستخدم الولايات المتحدة الفيتو هذه المرة حتى قبل ان يجاز «قانون التسوية» بالقراءة العاجلة. فلماذا يعتقد اليسار الإسرائيلي بأن مثل هذه الكذبة ستنطلي علينا هنا؟
ثمة في قلبي ايضا شيء ما على نتنياهو، الذي استسلم لضغط اوباما وجمّد البناء في يهودا والسامرة وفي القدس، ومع ذلك لم نعف من الشجب والقرار السيّء من مجلس الامن. جمدنا وصفعنا ايضا. يوجد لنتنياهو طريق، وفرصة تاريخية، لاصلاح هذا الضرر. كل شيء منوط بحديثه الاول مع ترامب، الذي سيقرر بقدر كبير نوعية العلاقات مع الادارة الجديدة. اذا ما جاء اليه يحمل «قائمة مشتريات»، تتضمن متابعة متشددة ووثيقة للخروقات المحتملة للاتفاق مع إيران ونقل السفارة إلى القدس، واكتفى بذلك، فسنفوت فرصة تاريخية لتغيير مكانة إسرائيل الدولية والاقليمية. في اللقاء مع ترامب على نتنياهو أن يطرح فكرة جديدة، ثورية: دولتان وانهاء الاحتلال.
«دولتان»: إسرائيل غرب الاردن، فلسطين هي الاردن من شرقي النهر. و «انهاء الاحتلال»: احلال القانون الإسرائيلي في بلاد إسرائيل على مراحل: القدس الموسعة (بما في ذلك جفعات زئيف، غوش ادوميم وغوش عصيون)، المناطق ج في ظل عرض المواطنة للعرب في هذه المنطقة وفي المرحلة الثالثة ـ مناطق أ و ب مع طرح المواطنة الاردنية ـ الفلسطينية والاقامة الإسرائيلية لسكانها. في «سلة المشتريات» في هذا اللقاء الاول على نتنياهو أن يطلب ايضا وقف تمويل وكالة الغوث الاونروا واغلاق هذه المنظمة المعادية، في ظل نقل المعالجة لأحفاد وأبناء أحفاد اللاجئين الفلسطينيين إلى المفوضية العليا للاجئين؛ منظمة من الامم المتحدة تختلف عن الاونروا في أن تعريف «اللاجيء» عندها ينتهي بعد ثلاث سنوات. هكذا يمكن لترامب ان يدخل التاريخ كمن حلّ «مشكلة اللاجئين». اذا فعل هكذا، فقد لا يتلقى جائزة نوبل للسلام منذ بداية ولايته، ولكنه سيحدث تغييراً حقيقياً. ألف مرة اكثر من اوباما.
البروفيسور آريه الداد
معاريف 27/12/2016
صحف عبرية