وكن أنتَ دولتكَ العالية… حين تسقط خلفكّ كلُّ الدول!

احتضن الضمير الإنساني، الفردي، قضية فلسطين الحديثة، قبل أن تحتضنها الدول، ويمكننا إذا ما تصفحنا كتب التاريخ أن نجد ذلك الانتماء لعرب عبروا حدودها، مقاتلين ومفكرين وفنانين، واستقروا فيها وغدت منذ ذلك الزمان هويتهم وانتماءهم، وقضيتهم الأولى.
كان ذلك منذ مطلع القرن الماضي، وقبله بقليل، واتسع الأمر مع اتساع قضية فلسطين، يوما بعد يوم؛ وهكذا، وجدنا: من نجيب نصار، مفلح كايد العدوان، هارون الجازي، سعيد العاص، عز الدين القسام، إلى ليلى خالد، الدكتور محجوب عمر، إلى كوزو أكاموتو، إلى تيريز هلسا، راشيل كوري، وفيتوريو أريغوني، وآلاف سواهم ممن التحقوا بالثورات الفلسطينية المتلاحقة من جميع أنحاء الوطن العربي، جزءا أساسا من استمرار هذه الثورات وحيويتها.
من زار فلسطين، ويزورها، سيرى بعينيه مئات المتطوعين الأجانب الذين يحمون الأُسر والأطفال والحقول الفلسطينية بصدورهم ضد الدبابات والجرافات الإسرائيلية ويحرصون صباحا على أن ينهضوا قبل أطفال فلسطين لمرافقتهم إلى مدارسهم حماية لهم من الجنود الصهاينة وقطعان المستوطنين.
ظلت فلسطين بالنسبة لأولئك ولهؤلاء قضية ضمير، في زمن كانت فيه الدول، العربية بشكل خاص، حبيسة ومنقادة للاستعمار، وأداة لتنفيذ أحلام الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وهي تصدر وعد بلفور وتعطي، هي التي لا تملك، وطنَ الفلسطينيين، لمن لا يستحق.
حلم الفلسطينيون قديما بجيوش إنقاذ تأتي من وراء الحدود وتحررهم، لكن أول ما فعلته تلك الجيوش في عام النكبة، أنها جمعت السلاح من بين أيديهم، لأن القتال قتال جيوش، لا قتال أنفار ومجموعات! وهكذا لم يقاتل من هذه الجيوش دفاعا عن فلسطين، سوى تلك الكتائب الصغيرة التي قررت أن تتمرّد على أوامر قياداتها، وهكذا رأينا مصريين يقاتلون في الفلوجة والمنشية، وعراقيين يقاتلون في جنين وأردنيين يقاتلون في باب الواد والقدس.. وهكذا..
كلما نظر الإنسان خلفه، راعه كيف أن مخيما صغيرا مثل مخيم جنين صمد أكثر مما صمدت ثلاثة جيوش عربية في الضفة الغربية والجولان وقطاع غزة وسيناء..
يثير هذه الهواجس كلها، انطلاقة النشاطات العالمية، التي بدأت، وستتواصل بمناسبة مرور مئة عام على وعد بلفور المشؤوم، وقد أتيح لي أن أحضر أحد هذه النشاطات في مدينة لندن قبل أسبوعين، والتي شارك فيه عدد من الفلسطينيين والعرب والإنجليز، وتم خلاله إشهار كتاب الفلسطيني إلياس نصر الله (شهادات على القرن الفلسطيني الأول)، وتحدّثتْ في هذا اللقاء، من بين من تحدثوا، البارونة جينيفر تونغ، معلنة في بداية حديثها أنها تعتذر للشعب الفلسطيني باسمها وباسم أسرتها وباسم اصدقائها وملايين البريطانيين عن الظلم الذي ألحقته حكومتها بالشعب الفلسطيني بسبب وعد بلفور. كما شارك في هذا اللقاء: الأستاذ محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة للجماهير العربية الفلسطينية في الداخل، والمحامي جيرمي تيير، لندن، والسفير عفيف صافية، والأستاذ كامل إدريس، رئيس المحكمة الدولية، والدكتور مكرم مخّول.
كان آخر مقال كتبته في هذه الزاوية في نهاية العام الماضي، عنوانه (صهينة العالم العربي)، وفيه تتبّعت مجموعة من الظواهر حول العلاقات العربية الرسمية الصهيونية، ما ظهر منها وما بطن، وقد حمل لنا هذا العام، الذي بقي من عمره يومان، ظواهر عربية أخرى مشينة، كما حمل لنا، لحسن الحظ، ما يشير أيضا إلى أن أفقا آخر للقضية الفلسطينية بدأ ينفتح عالميا بصورة أوسع، على أكثر من مستوى إيجابي، وبعضه تعزز، مثل حركة المقاطعة، وقرار مجلس الأمن ضد بناء المستوطنات، وبداية انطلاقة النشاطات بمناسبة 100 عام على وعد بلفور عالميا.
إن ما يحدث، على المستوى الإنساني عموما، ورغم كل تلك الكوارث التي تقضّ مضجع هذا الكوكب، والحروب التي تطحنه في كل مكان، هو عجز الصهيونية وحلفائها على أن يجعلوا من القضية الفلسطينية قضية على هامش الضمير البشري، وإن كانت فلسطين نفسها، لم تزل تعاني من سلطة رخوة، متذللة، وانقسام قطّعها مئة جزء وليس إلى جزئين فقط.
لكن فلسطين التي خُذلت على مدى مئة عام من الأنظمة العربية، وقياداتها التقليدية، وشبه التقليدية، والكثير من الأنظمة العالمية، تعود لتجد نفسها من جديد محتفى بها تحت خيمة الضمير الإنساني، لدى فئات كثيرة من شعوب العالم، وفئات كثيرة من الشعوب العربية التي لم تفقد اهتمامها يوما بهذه القضية، وباتت تدرك يوما بعد يوم أن لا خلاص وحرية لأي عربي، أو مستقبل، في ظل وجود هذا الكيان السرطاني العنصري في قلب القدس والناصرة وحيفا وكل قرية ومدينة فلسطينية.
عودة فلسطين للضمير العالمي، هي الممكن الأكثر تأثيرا وقدرة على خلخلة صورة كيان عنصري ومحاصرته، كيان متوحش، متغطرس، كل همّه أن يقول للبشر إنه فوق هذا العالم، وأن لا قوة يمكن أن تردعه، لا قوه الأمم ولا قوة الأخلاق ولا قوة المبادئ. ولعل مأساة الفلسطينيين القائمة بسبب هذه الغطرسة، هي قوتهم أيضا، فليس ثمة أفضل من أن يكون لك عدوّ من هذا النوع، عدو كريه، متعال، لا يفتح شباك قلعته إلا ليشتم العالم كله ويتحداه.
ومن هنا، وإلى زمن طويل، على الفلسطينيين أن يراهنوا على أنفسهم، كشعب، ونُخَب، فلم يعد مسموحا أن يتهاونوا، في مسار قضيتهم، وهم يملكون الكثير من القدرات الفكرية والفنية والتعليمية، والاقتصادية.
إن توسيع مساحة فلسطين في الضمير البشري، يعيد إلى الأذهان كل تلك القضايا العالمية الكبيرة التي، لولا هذا الضمير، وقوته، لما استطاعت أن تحقق انتصارها في النهاية.
وبعد:
.. وفي قَعْرِ يأْسي ويأسِكَ كانَ الأملْ
وما خلفَ قُضبانِ سجني وسجنِكَ كانت سماءْ
في حصاري.. حصارِكَ كان لنا شاطئٌ وجبلْ
ومواعيدُ رائعةٌ مع خيولٍ وأحلى نِساءْ!
بعد ستينَ.. سبعين عامًا، كما تعرفُ الآنَ لمّا نَزَلْ
نعيشُ هناكَ ونحرثُ تلكَ الحقولِ نُمشِّطُ شَعْرَ الهواءْ
ننامُ ونصحو ونعرفُ ما يَلزَمُ الرَّقصَ من خُطواتْ
وما يملأ الرُّوحَ من وَلَهٍ دافقٍ وغناءْ
… ..
كلَّ يومٍ نوسِّعُ، ثم نوسِّعُ هذا الطريقْ
كلَّ يومٍ على ولَدٍ طيِّبٍ يُطلِقونَ رصاصاتِهم
والدّماءُ هنالكَ تعلو.. وتعلو.. وهمْ في المَضيْقْ!

وكن أنتَ دولتكَ العالية… حين تسقط خلفكّ كلُّ الدول!

إبراهيم نصر الله

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية