فلسطين: ما الذي يخبئه العام المقبل؟

حجم الخط
6

تلقى الفلسطينيون، والعرب عموما، قرار مجلس الأمن الدولي الذي يدين الاستيطان الاسرائيلي، بالترحيب، باعتباره سابقة دولية فريدة من نوعها، حيث تخلّت الولايات المتحدة الأمريكية هذه المرّة عن منهجها المعتمد منذ عقود طويلة في حماية الدولة الصهيونية من أي قرار دولي ضدّها، باستخدام أساليب التهديد والابتزاز للدول، والتهديد للمنظمة الدولية، وصولاً إلى استخدام حق النقض (الفيتو)، وهو ما جعل واشنطن، عمليّاً، في موقع عدوّ الفلسطينيين، ومحط كراهية الرأي العام العربي على دورها في حماية البلطجة الإسرائيلية، كما كان أحد أسباب شكّ الفلسطينيين في قدرة الآليات الدولية على دعم حقوقهم، وعلى «حصانة» إسرائيل الدائمة من المحاسبة على جرائمها، وعلى إحساس بوجود مؤامرة متكاملة الأركان على الفلسطينيين.
ورغم الإجماع الواضح في العالم على لا عقلانية الظلم الواقع على الفلسطينيين، والذي كان يتجسد أحيانا في قرارات دولية مهمة، مثل القرار رقم 3379 في عام 1975 بإعلان الصهيونية حركة عنصرية تشكل خطرا على الأمن والسلام العالميين (الذي تم إلغاؤه عام 1991 كشرط لمشاركة تل أبيب في مؤتمر مدريد للسلام)، وقرارات كثيرة أخرى لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن إسرائيل كانت قادرة على مسح حذائها العسكري بتلك القرارات وتجاهلها كما لو أنها لم تكن.
لم يفعل قرار مجلس الأمن الدولي الأخير غير تذكير إسرائيل، التي تتفاخر بتفوقها الحضاري وديمقراطيتها، بأن البناء في أراضي الغير أمر غير قانوني، ولم تفعل ردودها الغاضبة ضد الدول المصوّتة للقرار غير كشف طبيعتها العنصرية والاستبدادية المتوحشة، ولكنّ الغضب المستشيط يكشف أيضاً أسبابا أخرى.
إضافة إلى الإحساس بالانكشاف، الذي عزّزه طبعاً امتناع حليفتها الاستراتيجية واشنطن عن التصويت، فإن مجيء قرار مجلس الأمن بعد قرار آخر لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم (يونسكو) في 18 تشرين الأول (اكتوبر) الماضي على عدم ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى وحائط البراق واعتبارهما تراثا إسلاميا خالصا، يؤكّد لإسرائيل أنها رغم (وبسبب) حصانتها النووية ونفوذها الخطير في عواصم العالم الكبرى، وعلى رأسها أمريكا وروسيا، فإنها تقف دولة خطيرة مرهوبة، ولكنها مكروهة عالمياً، مما يجعلها دائما تحت وطأة فكرة أنها قوة غالبة طارئة تحرس أرضاً احتلّتها بالعنف.
في كل ما يتّصل بها، على الصعد السياسية والعسكرية وغيرها، تثبّت إسرائيل أنها خطأ سياسي كارثيّ نشأ بتوافق دوليّ يتعلّق بنتائج الحرب العالمية الثانية، وبالرغبة الاستعمارية الكبيرة، التي دعمها يهود أوروبا الغربية، في التخلّص من أقرانهم اليهود الاوروبيين الشرقيين، الذين شكّلوا مع حملات التطهير الروسية (البوغروم) وبعدها إجراءات «الحل النهائي» للمسألة اليهودية، على الطريقة النازية (الهولوكوست)، عبئاً أخلاقيّاً على أوروبا ما لبث، عبر الفكرة الصهيونية، أن تم تحميله للعرب وتدفيعه للفلسطينيين في المشرق بإحلال الاستعمار الكولونيالي إلى استعمار استيطاني.
ترافق الغضب الإسرائيلي مع غضب الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، الذي شنّ حملة شعواء على الأمم المتحدة كلها، وليس على الدول المصوّتة ضد إسرائيل فحسب، مهددا بأن لن تكون «نادياً لقضاء وقت طيب» في عهده القريب غير الميمون.
القوّة، مجدداً، ضد الحرية. يا جبل ما يهزّك ريح.

فلسطين: ما الذي يخبئه العام المقبل؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية