خطاب كيري كان صهيونيا ومؤيدا لإسرائيل. ولكن مع زبائن متلونين مثل نتنياهو وعباس يصعب صنع السلام. في جميع الحالات، دعوة وزير الخارجية المنصرف وصلت متأخرة ثلاث سنوات، وطرح الصيغة، قبل ثلاثة اسابيع على دخول ترامب إلى البيت الابيض، فيه قيمة رمزية فقط. ورغم ذلك، سيكتشف ترامب ومستشاريه قريبا أنهم إذا أرادوا عقد صفقة تاريخية بين إسرائيل والفلسطينيين، فستكون مشابهة كما يبدو للصفقة التي رسمها كيري في خطابه.
لقد اختار وزير الخارجية الأمريكي تخصيص قسم كبير من خطابه للصلة الشخصية بينه وبين إسرائيل منذ زيارته الاولى عندما كان سناتورا شابا قبل 30 سنة. وتحدث كيف قام بتسلق متسادا وسبح في البحر الميت وتجول بين المدن التوراتية وشاهد فظائع الكارثة في «يد واسم»، وقام بنفسه بقيادة طائرة لسلاح الجو فوق إسرائيل كي يعرف احتياجاتها الامنية.
ليس هناك الكثير من السياسيين الأمريكيين الذين يعرفون إسرائيل مثل كيري. وليس هناك أي سياسي أمريكي تعمق في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وحاول حله، أكثر من كيري. وقد كانت هذه الامور واضحة في خطابه. ونجح وزير الخارجية في تحليل وضع عملية السلام في هذه الاثناء، وغياب الثقة بين الطرفين واليأس والغضب في الجانب الفلسطيني أمام الخوف والانغلاق وعدم المبالاة في الطرف الإسرائيلي.
خطاب كيري كان خطابا صهيونيا مؤيدا لإسرائيل. وكل من يؤيد حل الدولتين ويؤيد إسرائيل اليهودية والديمقراطية يجب عليه مباركة أقواله وتأييدها. لا توجد حلول وسط، وليس صدفة أن من سارع إلى الهجوم على كيري قبل القاء خطابه وبعده، كان رئيس البيت اليهودي نفتالي بينيت ورؤساء لوبي المستوطنين. وأشار كيري في خطابه إلى أن هذه الاقلية هي التي تقود حكومة إسرائيل الآن والأغلبية اللامبالية في الطريق إلى حل الدولة الواحدة.
يمكن أن يكون وزير الخارجية الأمريكي قد تصرف بهوس ومسيحانية في السنوات الاربعة الماضية، لكنه فعل ذلك من اجل هدف جيد ومبرر. حاول بكل قوته انهاء صراع عمره مئة سنة لضمان مستقبل إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة الأكبر، وانهاء معاناة الفلسطينيين. ولكن لسوء حظه فإن شركائه في هذه المهمة، رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس، ببساطة لم يرغبا في ذلك مثله. في السنوات الاربعة الاخيرة كان عباس ونتنياهو صورة مرآة لبعضهما البعض. فقد ركزا على الحفاظ على الوضع الراهن وتحصنا وراء مواقفهما ولم يكونا على استعداد للمغامرة بالحد الأدنى أو الابتعاد سنتيمتر من اجل احداث الانطلاقة.
كان خطاب كيري طويلا ومفصلا، لكن جوهره كان صيغة السلام التي عرضها. وهذه الصيغة لا تشكل حلا مفروضا، بل طرح مباديء اساسية، بناء عليها ستتم المفاوضات المستقبلية بين إسرائيل والفلسطينيين. وقد اعتمد على الوثيقة التي وضعها هو نفسه في آذار 2014 بعد بضعة اشهر من المحادثات مع الطرفين.
عندما نقوم بقراءة ما كتبه كيري، نلاحظ على الفور أنه وافق على جزء كبير من المطالب الإسرائيلية، التي أهمها أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يشمل اعترافا فلسطينيا بإسرائيل على أنها دولة يهودية. وأضاف كيري بأن حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين يجب أن يكون عادلا ومنطقيا، ولا يؤثر على طابع إسرائيل. وقال إن الحدود المستقبلية يجب أن تبقي الكتل الاستيطانية الكبيرة تحت سيادة إسرائيل، وأن على الاتفاق النهائي أن يشكل نهاية الصراع والمطالب الفلسطينية من إسرائيل. وأكد على الترتيبات الأمنية كعامل اساسي في كل اتفاق.
صيغة كيري، في المقابل، شملت عددا من التنازلات التي على إسرائيل تقديمها، وعلى رأسها الاعتراف بأن القدس عاصمة الدولتين. وقال إن وضع حدود الدولة الفلسطينية يجب أن يكون بناء على خطوط 1967 مع تبادل متفق عليه للاراضي وأنه يجب الاعتراف بمعاناة اللاجئين الفلسطينيين.
المشكلة الرئيسية في الصيغة التي طرحها كيري هي أنها جاءت متأخرة. فوزير الخارجية الأمريكي يعرف أنه اخطأ عندما لم يضع اتفاق الاطار على الطاولة في العام 2014 مع تلك المباديء بالضبط. ويعترف مستشاروه أنه لو تمكن من العودة في نفق الزمن لـ 33 شهرا إلى الوراء، لكان سيعرض صيغة السلام على الإسرائيليين والفلسطينيين ويدعوهم إلى المفاوضات بناء عليها. وهذه الخطوة كانت ستفرض على الطرفين اتخاذ قرارات استراتيجية وتضع صيغة كيري كأساس لأي مفاوضات مستقبلية.
رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، كما فعل في كثير من الحالات، لم يكلف نفسه عناء الاستماع إلى اقوال كيري، أو التطرق إلى مضمونها. وقد رد نتنياهو بتصريح هجومي فيه انتقادات شخصية شديدة. وهناك من يعتبر أن عمق التصريح مثل عمق التحقيق. وانتقادات نتنياهو كانت متلونة ومتهكمة. والمباديء التي طرحها كيري في خطابه هي نفس المباديء التي وافق عليها نتنياهو في آذار 2014.
في حينه كانت لرئيس الحكومة تحفظات، لكنه وافق عمليا على اجراء المفاوضات بناء على هذه الصيغة، رغم أنه حتى الآن يرفض الاعتراف بذلك.
التوأم السياسي لنتنياهو، محمود عباس، رد بتلون ايضا. فحين عرض عليه اوباما الصيغة في العام 2014 وعد عباس بأنه سيفكر في الامر وسيرد عليه. وما زال اوباما ينتظر الرد. ايضا بعد خطاب كيري رفض عباس أن يقول إذا كان يوافق على هذه الصيغة أم لا.
الرئيس القادم للولايات المتحدة، دونالد ترامب، الذي استوعب قرار مجلس الامن حول المستوطنات واكتفى بمدونة ضعيفة فقط، لم ينجح في ضبط نفسه قبل خطاب كيري، حي قام بنشر ثلاث مدونات عبرت عن عدم الرضى. وقد أعلن ترامب مرارا وتكرارا في الاشهر الاخيرة أن أحد اهدافه هو تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وأوضح أنه يريد انهاء الحرب التي لا تنتهي بين الطرفين. وقام بتعيين محاميه المقرب منه جيسون غرينبلت مبعوثا خاصا لعملية السلام. وسيكتشف ترامب وغرينبلت قريبا أنهما إذا ارادا تحقيق الصفقة التاريخية، فهي ستكون شبيهة إلى درجة كبيرة للصفقة التي رسمها كيري في خطابه.
هآرتس 29/12/2016