إسطنبول – القدس العربي : عقب نجاح الدبلوماسية التركية في التوصل إلى اتفاق وقف شامل لإطلاق النار في سوريا وقبيل بدء المحادثات السياسية في العاصمة الكازاخستانية أستانة الشهر المقبل، تسعى أنقرةتركيا بقوة من أجل التوصل إلى اتفاق مع موسكو للضغط على إيران وحزب الله لسحب ميليشياتهم من سوريا خلال الفترة المقبلة.
وتحاول تركيا تحقيق أهداف تتعلق بأمنها القومي ونفوذها الإقليمي ومن ضمنها الحد من النفوذ الإيراني في سوريا، من خلال صفقاتها السياسية المتلاحقة مع موسكو متأملة أن تتمكن الأخيرة من الضغط على إيران وحزب الله لسحب قواتهم من سوريا عقب تثبيت وقف إطلاق النار.
وفي حين، يرى مراقبون أن روسيا تتمكن من فرض قراراتها في سوريا على جميع الأطراف الموالية ومنها إيران وحزب الله ونظام الأسد، يعتبر آخرون أن مصالح هذه الأطراف ليست متطابقة وربما تصل إلى حد الخلاف والصراع على النفوذ.
ويلفت هؤلاء إلى عدم التزام الميليشيات الإيرانية بالقرار الروسي بوقف إطلاق النار في حلب لتجاهل مطالب إيران ومن ثم إرسال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المئات من أفراد الشرطة العسكرية الروسية للانتشار في أحياء حلب الشرقية حتى لا تتمدد فيها الميليشيات الإيرانية.
كما أن إيران التي شاركت قبل نحو أسبوعين في مؤتمر موسكو حول الحل السياسي في سوريا إلى جانب روسيا وتركيا، لم تكن من الدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار، وتعمد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التأكيد على أن بلاده وروسيا فقط هي الدول الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار ومحادثات السلام المقبلة.
وسائل إعلام تركية قالت إن التفاهمات التفصيلة التي تضمنتها الورقة التي تم التوافق عليها بين النظام السوري والمعارضة المسلحة برعاية روسيا وإيران والتي أصبحت الأرضية لوقف إطلاق النار والمحادثات السياسية المقبلة تتضمن إشارات قوية على ضرورة سحب جميع الميليشيات الأجنبية التي تقاتل إلى جانب النظام السوري ومنها ميليشيات إيران والعراق وحزب الله في مقابل العمل على فصل العناصر الأجنبية عن فصائل المعارضة السورية وسحب العناصر السورية والمعتدلة من جبهة فتح الشام «النصرة».
وتُظهر روسيا إرادة كبيرة في محاولة التوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة السورية يحفظ مصالحها ونفوذها في سوريا بشكل كامل دون الخوض أكثر في الحرب، لكن مراقبين يشككون في وجود إرادة مشابهة عند النظام وإيران التي تميل إلى ضرورة الاستمرار في خيار الحسم العسكري لا سيما عقب التقدم الذي أحرزه النظام وحلفاؤه في شرق حلب، حيث تسعى طهران لتركيز الهجوم على ريف دمشق وهي المناطق التي استمرت فيها الاشتباكات عقب دخول الهدنة المعلنة حيز التنفيذ.
وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ألمح إلى ذلك بقوة عندما قال في مؤتمر صحافي له، الجمعة، إن «هناك بعض الأطراف لا تريد لاتفاق وقف إطلاق النار بالاستمرار في سوريا لكن تركيا عازمة على مواصلته»، وأضاف: «على إيران أيضا أن تمارس نفـوذها بـشكل إيجابي، لا سـيما على «حـزب اللـه» والمجـموعات الشيعية، والنظام السوري، مثلما وعدت في موسـكو وشـاركت في الإعـلان المـشترك».
وخلال تنفيذ الاتفاق التركي الروسي حول إخراج المحاصرين من شرق حلب شن السياسيون الأتراك ووسائل الإعلام هجوماً غير مسبوق على الميليشيات الشيعية وركزوا على وصفها بـ»التنظيمات الإرهابية المساندة للنظام السوري»، وذلك بتوجهات رسمية من المستوى السياسي التركي، حسب ما أكدته مصادر خاصة لـ»القدس العربي» آنذاك.
وبينما تدعم إيران بشكل علني النظام السوري سياسياً وعسكرياً في قمعه للمعارضة في البلاد، دعمت تركيا المعارضة السورية وطالبت بضرورة إسقاط نظام الأسد، إلا أن الجانبين تجنبا الصدام طول السنوات الماضية وتقيم كلٌ من أنقرة وطهران علاقات اقتصادية متقدمة انطلاقاً من مبدأ «تجنب الخلافات».
والشهر الجاري تصاعدت الخلافات عقب سماح تركيا بتنظيم مظاهرات أمام السفارة والقنصليات الإيرانية في تركيا بالتزامن مع هجوم الميليشيات الإيرانية على حلب ورد طهران بإغلاقها واتهام جهات تركية بتحريك هذه الفعاليات ضدها.
وبما أن تهميش الدور الأمريكي في سوريا كان هدفاً مشتركاً ومحركاً أساسياً للتقارب والتوافق التركي الروسي في سوريا، تسعى أنقرة إلى الحصول على دعم روسي في توجيه ضربات أقوى لمشروع الكيان الكردي في شمالي سوريا على اعتبار أن وحدات حماية الشعب الكردية هي أقوى حلفاء واشنطن في سوريا وهو أمر يمكن أن يشجع موسكو لتقديم مزيد من الدعم لأنقرة.
وفي هذا الإطار جاء إعلان تركيا أن طائرات حربية روسية قدمت، الخميس، الإسناد الجوي للجيش التركي الذي يحاصر مدينة الباب الإستراتيجية ويسعى لتطهيرها من مسلحي تنظيم «الدولة»، فالجيش التركي وعقب إحكام السيطرة على الباب سيتوجه مباشرة إلى مدينة منبج التي تسيطر عليها الوحدات الكردية لتطهيرها من حلفاء واشنطن حسب ما يؤكده كبار المسؤولين الأتراك.