حياة البشر كما دونتها ريتا ابراهيم من يومياتها «عالأوتوستراد»: عرض «ستاند آب» كوميدي يجسد مجتمع السيارات واحتمالات الموت

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: أن تجاور الأوتوستراد فذلك عذاب مقيم في النفس والأعصاب. حظ الممثلة ريتا ابراهيم أن تقيم على حافته. ومسافة ساعة من القيادة «عالأوتوستراد» تحتاجها للوصول «عالبكلة» إلى عملها. عذاب مضاعف أثمر عرضاً مسرحياً من نوع «ستاند آب» كوميدي. لم تضع ريتا الوقت هباء. راقبت، سمعت ودونت، وعندما باشرت صوغ المشاهد تبين أن حصادها وفير فاكتفت بالأكثر إثارة للضحك والبكاء معاً. ثلاث سنوات من تدوين المشاهد، وسنة في صياغة النص المسرحي الدرامي، فصلت عن وقوفها على مسرح مترو المدينة. مكان يتناسب وعرضها، جلست أرضاً إلى اليسار، وفي الجهة اليمنى دار فيلم سينمائي ناقلاً مشاهد مختارة من الأوتوستراد. حكايات ريتا وليدة يومياتها «عالأوتوستراد» تشبهنا جميعاً. كل منا موجود في داخل إحدى تلك الحكايات. مع تجسيد ريتا لمجتمع «الأوتوستراد» نتأكد أننا ونحن نقود أو نرافق سائقاً نتحول لمشاريع موتى أو جرحى، والأسباب أكثر من أن تُحصى. حظي العرض باهتمام الحضور وتفاعلهم الضاحك. فالمتفرج يضحك أحياناً على موته المحتمل.
هنا حوار مع الممثلة ريتا ابراهم:
○ بعد مسرحية «نقل حي» تتابعين باللحم الحي عيش شغفك مع المسرح فهل سمح لك عرض «عالأوتوستراد» تحقيق بعض من الحلم؟
• نعم حققت بعضاً من الحلم، فالمسرح شغف حقيقي. لا شك أن المسرح مكلف ومرهق انتاجياً. إنما رضى الجمهور يساعد في تخطي المتاعب التي نتكبدها جسدياً ونفسياً ومادياً قبل العرض.
○ امرأة مسرح جديدة تعلن انضمامها إلى قائمة مونولوج النساء على خشبة المسارح البيروتية. ما هي الأسباب في رأيك؟
• أتقن التحدث عن أسبابي. ليست الفكرة في وقوفي كامرأة وحيدة على المسرح ومن ضمن سياق سائد، بل الهدف تقديم «ستاند آب» كوميدي قائم على «خبريات» متفرقة. في الواقع أنا وحيدة دائماً «عالأوتوستراد» ومن الطبيعي أن أكون وحيدة على المسرح حيث فكرة «ستاند آب» كوميدي ملائمة جداً. إنها فكرة الممثل الواحد الراوي لأحداث متنوعة، لكن مع «ستاند آب» كوميدي لسنا في حاجة لعناصر مسرحية من سينوغرافيا وسوى ذلك.
○ نقل اليوميات كما هي إلى المسرح يدفعنا للسؤال عن تقنية التدوين لديك؟
• التدوين هو الأساس. مع وصولي إلى بيتي كنت أسرع للتدوين التفصيلي دون أن يكون الهدف في البدايات العرض المسرحي، بل الاستفزاز المطلق الذي كنت أعانيه. فجأة وجدت نفسي في بحر من المشاهد فنسقتها كعرض، وبنيت بعضها على مبالغة. «عالأوتوستراد» حكايات لا تنضب. وصلتنا به تنتهي مع الموت فقط، ومن غير ذلك يطالعنا دائماً بجديد. جمعت المشاهد المثيرة للضحك وقدمتها وبدا لي أن الجمهور يستظرف الضحك على موقف ما.
○ كم تمكنت من نقل المعاناة الخاصة من الأوتوستراد إلى العامة؟
• هنا أكرر ما قاله لي بعض الحضور من الطلاب والأساتذة في الجامعة التي أدرّس فيها. فمع خروجهم من المسرح صادفهم موكب عرس، مما ذكرهم بموكب الجنازة الذي تضمنه العرض المسرحي. في طريق عودتهم مجتمعين بالباص عقدوا مقارنة متواصلة بين العرض ومشاهد الأوتوستراد الواقعية. في لقائي مع بعض من الجمهور لفتني أنهم يحفظون بعضاً من المشاهد كما هي بالتمام. لحسن حظي أن الجمهور كان مرتاحاً أكثر مني، فحتى اللحظة لم أشعر بالرضى عن أي عرض. دائماً نحن مع أخطاء تقنية، لكني بالتأكيد فرحة بما أنجزته.
○ أن تموتي في حادث سير «عالأوتوستراد» ومن ثم تتناولين الخيار فهل أردت بذلك مسرحة الموت المجاني وضحاياه بالمئات؟
• هو مشهد يتراوح بين الكوميديا والتراجيديا. نعم استفدت من بعض الخضار المتساقط على الطريق من سيارات النقل بين الجنوب وبيروت وقضمت خياراً. نعم هي مسرحة للموت المجاني المنصوب فخاً للناس.
○ هل هدفت للتوعية من اسكتش طفل التسعة أشهر الممسك بالمقود مع والدته؟
• قدمت هذا الاسكتش بعيداً عن التنظير وفي إطار كوميدي مضخم. رأيت المشهد بأم العين. لم أكد أصدق أن أماً تسلم المقود لطفل. في العادة الآباء يتفاخرون بقيادة أطفالهم. كانت السيارة تتهادى يمنة ويسرة على الأوتوستراد. كان مشهداً فريداً من نوعه.
○ استبدلت مجتمع السيارات وانتظام الوقت بالحياة الاجتماعية التي كانت لنا؟
• لم أبالغ في وصف مجتمع السيارات. كثيرون يمضون أوقاتهم مركونين في السيارات في الذهاب والعودة من العمل. حياتنا الاجتماعية تحكمها فوبيا الوقت والوصول «عالبكلة». جميعنا يردد وصلت «عالبكلة» – أي في الوقت المحدد-. لهذا بات من يرتادون الاوتستراد يتفقدون بعضهم بعضاً، وإن غاب أحدهم يسألون عنه باسم نوع سيارته. نحن نعيش على الدقائق ووفق ايقاع منتظم.
○ خلصنا إلى حصيلة بأنه أوتوستراد محمل بالموت والحكايات ونحن إحداها؟
• نعم نحن أمام احتمال الحادث في كل لحظة سواء تسببنا فيه شخصياً أو غيرنا. وفي الحالتين احتمال الموت وارد. يختلف تضارب السيارات عن تضارب المارة في مكان مزدحم. حوادث الأوتوسترادات تخلص إلى مشاهد سيارات معجونة لا يتخيلها عقل، فكيف الحال بمن بداخلها. الأوتوسترادات لا تختلف عن ساحات الحروب في المشاهد التي تخلفها، حيث تتحول السيارة في حد ذاتها إلى أشلاء.
○ كم تفاعلت مع الجمهور الذي صفق للعديد من المشاهد؟
• عندما يلمس الممثل تفاعل الجمهور مع انطلاق المشاهد الأولى فهذا يساعده في تخفيف نسبي للتوتر والخوف المسيطران عليه. لا يستطيع الممثل نسيان السؤال الذي يهجس به وهو هل تمكنت من الفوز بانتباه الجمهور؟ أم هو في حال من الملل؟ لا شك أفرح جداً بتفاعل الجمهور مع العرض سواء ضحكاً أو تصفيقاً.
○ كتابة، اخراج وتمثيل لماذا؟ أليست مجتمعة أعباء إضافية؟
• هذا صحيح لكني محكومة بالوقت الذي يستغرقه مني التدريس. لهذا تابعت التمارين الذاتية في منزلي. هذا العرض المسرحي نتج عن جهد ذاتي على كافة الصعد. في حين أن مسرحية «نقل حي» نالت دعماً إنتاجياً من آفاق بعد الموافقة على السيناريو. الإنتاج الذاتي يحتم اختصار النفقات. أن اختصر فهذا طبيعي لأن موردي الوحيد هو عملي الوظيفي. فقط تمكنت من الإيفاء ببدل المسرح. أن أكون الممثلة الوحيدة ليس بغريب فأنا أروي كوميدياً مشاهد دونتها خلال قيادتي لسيارتي وحيدة. سارت الأمور على المسرح بالحد الأدنى الممكن، لكن قبل الوصول للعرض اكتشفت صعوبة الخطوة التي قمت بها. ليس للممثل أن يتدرب وحيداً، بل يحتاج لعين خارجية تراقبه وتصوب خطواته.
○ ألم يكن لزملاء المهنة دور مساعد؟
• في الواقع لم أطلب مساعدة. تعاونت مع الممثل فادي أبي سمرا في قراءة النص، وقد تدخل مصوباً دراماتوجي النص في أكثر من مكان. كما أخذت بنقد ريما ابراهيم وعينها الصائبة. لكن يبقى الممثل في حاجة ماسة لعين المخرج. مع العلم أني صورت الفيلم الذي ترافق مع العرض خلال رحلاتي اليومية «عالأوتوستراد» وقمت كذلك بالمونتاج، وهذا جزء من عمل الممثل والمخرج في مسرح «ستاند آب» كوميدي. اعترف بأن العين الخارجية كانت ستثمر تصويباً وضبطاً للحركة الجسدية.
○ هل تكون الخسارة في مخيلة الفنان حين يتصدى لهذا النوع من العرض؟
• هو ليس خوفا من الخسارة بقدر الخوف من النقد الجارح. النقد القاسي أصعب وقعاً من الخسارة المادية. لا يغيب النقد عن بالنا فنحن في النهاية نقدم عرضاً لعين أخرى.
○ كممثلة أين أنت من التلفزيون؟
• لم أحبه يوماً. صلتي السلبية بالتلفزيون أثمرت مسرحية «نقل حي» التي وضعت فيها التلفزيون كوسيلة في دائرة النقد الكوميدي. دون شك أحيد الدراما من هذا النقد فبعضها عظيم جداً. باختصار التلفزيون بالنسبة لي أداة مزعجة.
○ كممثلة هل ستكونين في «حكي رجال» بعد «حكي نسوان»؟
• حكت النساء بمفردهن في «حكي نسوان» أظن من الأفضل ترك الرجال في بوح منفرد وخاص. والقرار في ذلك يعود للمخرجة لينا خوري.

حياة البشر كما دونتها ريتا ابراهيم من يومياتها «عالأوتوستراد»: عرض «ستاند آب» كوميدي يجسد مجتمع السيارات واحتمالات الموت

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية