قرار 2334: زوبعة نتنياهو ومحاولات أوباما اللعب في الوقت الضائع لإنقاذ «ميراثه»

حجم الخط
1

تشهد العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية تصعيدا وتوترا، فمن جهة أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عاصفة حول القرار (2334) الذي صادق عليه مجلس الأمن في يوم 23 كانون الأول (ديسمبر) يشجب العمليات الاستيطانية في الضفة الغربية وعاقب الدول التي وافقت وصادقت عليه واستدعى سفراءها ووبخهم على قرار بلادهم التصويت. واتهم إدارة الرئيس باراك أوباما بالوقوف وراءه عندما امتنعت عن التصويت عليه. وردا عليه أعلن عن خطوات لتسريع عملية الاستيطان في القدس الشرقية وبناء وحدات سكنية جديدة. وتحدث يوم السبت عن «عهد جديد» في العلاقات الإسرائيلية- الأمريكية في إشارة لتصريحات الرئيس- المنتخب دونالد جي ترامب الذي شجب القرار واعتبره «عقبة أمام السلام» وكان وراء الخطوة المصرية بسحب مشروع القرار الذي وزعته على الدول الأعضاء في مجلس الأمن وطالبت بالتصويت عليه خلال 24 ساعة ثم عادت وسحبته بضغط من مكتب نتنياهو في القدس وترامب.

دور مصر

وردت مصر على القرار الجديد الذي تبنته السنغال ونيوزيلندا وماليزيا وفنزويلا بتسريب وثيقة لصحيفة «المصري اليوم» زعمت فيها أن جون كيري، وزير الخارجية وسوزان رايس، مستشارة الأمن القومي اجتمعا مع وفد فلسطيني برئاسة أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وأخبرا الوفد أن واشنطن لن تستخدم الفيتو إذا كان القرار المقدم للمجلس متوازنا. وتساءلت صحيفة «هآرتس» (28/12/2016) عن مصدر الوثيقة المزعومة للصحيفة المصرية، وربما جاء من الحكومة المصرية نفسها مشيرة إلى وثيقة مشابهة نشرها موقع «والا» الإسرائيلي واحتوت على المعلومات نفسها التي نشرتها الصحيفة المصرية. ومن هنا فعندما قال نتنياهو أن إسرائيل لديها أدلة عن دور إدارة أوباما في القرار ربما كان يشير لما نشرته الصحيفة المصرية. ولا يمكن فصل الزوبعة الإسرائيلية والغضب الشديد الذي أبداه رئيس الوزراء وقادة اليمين الإسرائيلي عن تطورات أخرى منها مؤتمر باريس الذي سيعقد في 15 كانون الثاني (يناير) حيث اطلق وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان على المؤتمر المزمع عقده جملة «محاكمة دريفوس» في إشارة لمحاكمة فرنسا عقيدا يهوديا في الجيش الفرنسي نهاية القرن التاسع عشر بتهمة التجسس لصالح المانيا. ودعا اليهود الفرنسيين الهجرة إلى إسرائيل. وتعتقد صحيفة «الغارديان» (28/12/2016) أن مؤتمر باريس يقصد منه عــزل رئيــس الــوزراء الإسرائيلي على أمل دفعه نحو العودة للمفاوضات مع الفلسطينيين وتقديم تنازلات.

كيري يتحدث

ووسط هذه الأجواء الصدامية والشحن المستمر من إسرائيل والتصعيد المرتبط بالضرورة بالوضع الداخلي وإرضاء القاعدة اليمينية التي يعتمد عليها نتنياهو في بقائه حيث يخطط لأن يرشح نفسه لفترة رابعة وربما أخرى. جاء جون كيري، يوم الأربعاء وألقى خطابا كان يريد إلقاءه منذ انهيار العملية السلمية التي رعاها عام 2014 بين الطرفين. ورغم اللهجة الشديدة والصراحة التي بدت في خطابه إلا أن خطابه الذي يعتبر أطول خطاب يلقى في وزارة الخارجية (75 دقيقة) لم يحتو على «معايير» للحل جديدة ومع ذلك لم يحظ برضا إسرائيل وحلفائها في الولايات المتحدة. وحذر من خطورة الاستيطان على العملية السلمية وأن حل الدولتين بات على فراش الموت إن لم يكن ميتا. وأن على إسرائيل أن تختار بين دولة ديمقراطية أو يهودية ولا يمكنها أن تكون الإثنتين. ولا يستبعد المعلقون أن يكون الرئيس أوباما قد سمح لرئيس الدبلوماسية في إدارته بإلقاء الخطاب.
ومجرد إلقاء كيري الخطاب لا أوباما يعني أن الرئيس ليس مقتنعا بضرورة لعب دور حيوي في الأيام الأخيرة لإدارته خاصة أنه حاول هو نفسه كسر الجمود في المحادثات السلمية عندما وصل إلى السلطة عام 2009 واقتنع هو وفريقه أن المستوطنات تمثل عقبة في تقدم العملية السلمية، وعندما فشل في المحاولة الأولى لم يعدها ثانية. ومضت ثماني سنوات بدون أي تقدم بل ونسيان للملف الفلسطيني. ومن هنا فإشارة أوباما لكيري إلقاء الخطاب الأخير قد تكون مرتبطة بتنصيب ترامب الذي لا يشترك مع الإدارة في أي من مواقفها بشأن العملية السلمية وتبرع للمستوطنات الإسرائيلية تكريما لديفيد فريمان الذي اختاره ليكون سفيره المقبل في إسرائيل، وهذا الرجل لا يدعم فقط الاستيطان بل ويطالب بضم كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومن ناحية أخرى ربما حاول أوباما من خلال الخطاب احتواء الضجة التي أثارها نتنياهو حول قرار مجلس الأمن وحاول فيه كيري تبرير عدم تصويت الولايات المتحدة ضده. كما يرى روبرت دانين بمقال نشره موقع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (28/12/2016). وحاول بن رودس، نائب مستشارة الأمن القومي الأمريكية في تصريحات نقلتها «القناة الإسرائيلية الثانية» تبرير خطاب كيري حيث قال إنه محاولة للتأكيد على الثوابت في السياسة الأمريكية المتعلقة بطريقة حل النزاع «وكيفية رؤيتنا للأشياء عام 2016 حيث ستنتهي إدارتنا بدون تقدم مهم». ولم تكن تبريرات هذه كافية لإسكات نتنياهو الذي يرى أن التعامل مع ترامب سيكون أفضل. فقد وعد هذا بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس ووعد بتعامل أفضل مع إسرائيل خاصة أنه عبر عن استعداد لأن يكون الرجل الذي سيحقق السلام بالمنطقة. وأحاط نفسه بعدد من المستشارين الموالين لإسرائيل. ورحب فيه اليمين الإسرائيلي الذي اعتبره «مخلصا» له.
ومن هنا فالمواجهة التي افتعلها نتنياهو لا تعبر بالضرورة عن تغير في السياسة الأمريكية ولكن كما تقول «نيويورك تايمز» (29/12/2016) بالسياسة الإسرائيلية الخطيرة في ظل رئيس الوزراء الحالي الذي جعل من حكومته لاعبا متحزبا في السياسة الأمريكية أكثر من أي حكومة أجنبية، باستثناء روسيا طبعا. وحذرت الصحيفة هنا من مخاطر تصرفات الحكومة على مصالح إسرائيل طويلة الأمد. وتشير في تحليلها لملامح النزاع أن الأمم المتحدة تعتبر متحيزة ضد إسرائيل ولهذا حاولت إدارة أوباما حمايتها بالفيتو وبالعضلات الدبلوماسية وبشكل مجتهد لم تقم به أي إدارة أمريكية سابقة «ولكن لم لا يجبر أي شيء مكتوب الرئيس الأمريكي على حماية إسرائيل من النقد الدولي ويتناسب مع السياسة الأمريكية ومصالحها؟». ومن هنا تشير الصحيفة إلى الرد الإسرائيلي الذي حاول «شخصنة» القرار واتهام أوباما بخيانة إسرائيل. وتؤكد ان نتنياهو وأنصاره مخطئون ويتناسون الدعم الأمريكي الطويل ويقومون بشيطنة أوباما ووزير خارجيته كيري ويشوشون على النقاش الجاد حول ما يجب أن يتم حول مستقبل الدولة الفلسطينية. وتقول الصحيفة إن القرار الذي مرر بواقع 14 إلى صفر وافقت عليه كل الدول الأعضاء بما فيها روسيا والصين ومصر وكلها يعتبرها نتنياهو دولا صديقة بما فيها السنغال التي أقامت علاقات قوية معها. وكما قال غريغ كارلستروم في «بوليتكو» (28/12/2016) فإذا كان هؤلاء هم أصدقاء نتنياهو في أفريقيا وآسيا من صوتوا لصالح القرار فماذا يقول عن الآخرين؟ وتدافع «نيويورك تايمز» على القرار الأخير والذي وإن شجب الاستيطان بشكل واضح خاصة في القدس الشرقية، فأنه لا يمثل بالضرورة تغيرا في موقف الأمم المتحدة، ففي أي مفاوضات جادة يتوقع الإسرائيليون أن تكون القدس عاصمة لهم وكذا الفلسطينيون يتوقعون الحصول على أجزاء من القدس كعاصمة لهم وحرية الوصول إلى الأماكن المقدسة. ووردت الصيغة نفسها في قرارات وبيانات وافق عليها الرؤوساء الأمريكيون من قبل. وفي ظل الرئيس الحالي لا تزال الولايات المتحدة تتمسك بما اتفق عليه في أوسلو عام 1993 والذي ينص على تأجيل وضعية القدس حتى المفاوضات النهائية. وتعترف الصحيفة أن المستوطنين والداعمين لهم لم يخفوا خططهم للسيطرة على القدس والضفة الغربية. فمنذ وصول أوباما إلى البيت الأبيض زاد عدد المستوطنين إلى 400.000 في الضفة الغربية وإلى 208.000 مستوطن في القدس الشرقية حسب إحصائيات حركة السلام الآن الأمريكية. وفي الفترة نفسها جرى العمل على بناء 12.700 وحدة سكنية في الضفة الغربية.

مخاطر حل الدولة

وترفض الصحيفة تصريحات داعمي نتنياهو الذين قالوا إن قرار أوباما سيزيد من النشاط الاستيطاني وكأن الحكومة الإسرائيلية أظهرت نوعا من الانضباط طوال الفترة الماضية. وتعلق «هذا منطق مثير للسخرية تتبناه الحركة الاستيطانية: عندما يصمت العالم نبني المستوطنات وعندما يحتج العالم يجب أن نبني المستوطنات». وفي ضوء هذا المنطق تزداد المستوطنات ويتلاشى معها حل الدولتين. ورغم ما يعاني منه الطرف الفلسطيني من انقسامات تؤثر على العملية السلمية إلا أن الاستيطان يظل عقبة كأداء وتقع المسؤولية فيه على إسرائيل. وعند هذه النقطة لا تبدو إسرائيل مهتمة بالحل، فما يقدمه نتنياهو عن حل للدولتين هو مجرد كلام، وقال إن حكومته تعتبر الأكثر التزاما بالاستيطان في تاريخ إسرائيل. فيما أعلن وزير التعليم المتطرف نفتالي بينت قائلا «إن عصر حل الدولتين قد انتهى» وهو ما رفضه سفير نتنياهو في الأمم المتحدة. وتتحدث الصحيفة عن خيارات إسرائيل الصعبة لو لم تقم الدولة الفلسطينية حيث ستضطر لضم الضفة الغربية. ولو فعلت فسيصبح الفلسطينيون غالبية بشكل ينهي دعوى إسرائيل بأنها دولة لليهود. ولتجنب هذا الخيار، فقد تخيل اليمين اليهودي سيناريو مختلفا وهو ضم غزة لمصر حيث تتولى المسؤولية، وضم ما تبقى من الضفة الغربية إلى الأردن وبدون القدس التي ستكون تحت السيطرة الإسرائيلية. ورغم أن حل الدولة الواحدة يظل فنتازيا إلا ان هناك من يدعمه. ففي مقال للرأي كتبه حجون بولتون، الذي يقال إنه على قائمة الرئيس المنتخب ليعمل نائبا لوزير الخارجية ونشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» يوم الإثنين قدم فيه موقفا داعما لحل الدولة. وقد يتغير الوضع مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض حيث قدم وعودا كثيرة منها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وللتذكير فقد وعد بيل كلينتون وجورج دبليو بوش من قبل بنقلها وتخليا عن الوعد. ولو نفذ وعده وعمل مع اليمين المتطرف الذي يدعمه سفيره المنتظر، فمنظور إسرائيل في المستقبل سيكون بدون سلام أو أمن ترغب به. وفي النهاية فكل الضجة التي أثارها نتنياهو مرتبطة بالضرورة بقاعدته اليمينية التي يعتمد عليها في بقائه. فحزب الليكود الذي وصل إلى السلطة قبل أربعة عقود تقريبا كان في معظم الأحوال يسيطر على 40٪ من مقاعد الكنيست، أمام اليوم فهو لا يسيطر إلا على 25٪ في المئة. ومن هنا فرد نتنياهو مرتبط بمصالحه الشخصية ومحاولة إرضاء اليمين الذي يدعمه وليس مصالح إسرائيل.

تأخر كثيرا

وكما قال كارلستروم في «بوليتكو» فليست المرة الأولى التي تمتنع فيها أمريكا عن التصويت في مجلس الأمن، فقد فعلت هذا عام 1979 وعادت بعد أشهر وصوتت لصالح قرار جديد. ولا يحمل القرار الجديد شيئا مختلفا عما تقوله الأمم المتحدة منذ نصف قرن وردده كيري يوم الأربعاء. والفرق كما يقول أن أمريكا تغيرت عما كانت عليه في السبعينات من القرن الماضي وكذا إسرائيل. والتغيرات واضحة في مواقف الحزب الديمقراطي واليهود الأمريكيين بالتحديد الذين أثرت تحولات إسرائيل نحو اليمين على طبيعة علاقتهم التقليدية مع الدولة. وفي المقابل باتت اللعبة في إسرائيل هي لعبة تشدد. ويقول إن أوباما كان رحمة لنتنياهو حيث كان الأخير كذريعة لتمرير مواقفه وردع اليمين. وفي ظل ترامب فسيفقد نتنياهو الشماعة فهذا رجل ليس مجربا في السياسة ولم تمتحن مواقفه بعد ولهذا فقد يتحول إلى أسوأ أحلامه. وفي النهاية لو افترضنا أن أوباما جاد في «التعليم» على نتنياهو فلماذ انتظر كل هذه السنين وحاول في الساعة الحادية عشرة قبل النهاية تقديم شيء؟ كما علق سايمون تيسدال في صحيفة «الغارديان» وقال إن أوباما وعد عام 2009 بتحقيق السلام الذي ظل دون تحقيق. كما ولم يدفع الرئيس بالقدر الكافي لتحقيق السلام عندما كانت ظروف المنطقة مواتية لذلك، ففي عام 2011 صوت ضد قرار مماثل حيث أكد أن العملية السلمية التي ترعاها الولايات المتحدة، ستدفع بالسلام قدما. وسمح أوباما لنتنياهو في العلاقة العاجزة للأخير بأن يحبط جهوده، خاصة في خطابه أمام الكونغرس عام 2015. وكان مترددا حتى في موقفه الأخير في الأمم المتحدة، فلو كان يعتقد أن المستوطنات تمثل عقبة أمام السلام فلماذا امتنع عن التصويت؟ ولماذا لم يذهب بعيدا ويشجبها؟ ولماذا انتظر سبع سنوات؟

قرار 2334: زوبعة نتنياهو ومحاولات أوباما اللعب في الوقت الضائع لإنقاذ «ميراثه»

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية