هل تخشى إسرائيل حقا قرار تجريم الاستيطان؟

حجم الخط
2

الناصرة ـ «القدس العربي»: القرار الأممي بتجريم وإدانة الاستيطان هل هو مقدمة لعزلة دبلوماسية على إسرائيل أم أنه مجرد حبر على ورق؟ هل انتقم باراك أوباما من بنيامين نتنياهو؟ ربما!
وهل العقوبات الدولية على إسرائيل في الطريق؟ ليس مؤكدا أبدا ولكن لماذا إذن غضبت حكومة الاحتلال وتصرفت بشكل يبدو انفعاليا وأهوج؟
يواصل رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو الاستخفاف بتحذيرات المعارضة من قرب دخولها في عزلة في العالم الواسع ويقول إن علاقاتها تتطور باستمرار منذ سنوات. ومع ذلك يستدل من ردود فعله ووزرائه أن إسرائيل تخشى من عدة أمور تترتب على القرار الأممي المذكور. يثبّت قرار مجلس الأمن عدة مبادئ خاصة بالاستيطان:
تؤكد أولا تناقضها مع القانون الدولي القاضي بحظر نقل سكان لمناطق محتلة من قبل الطرف المحتل ويدعو لوقف البناء في المستوطنات. على المدى القريب لا يحمل القرار معان عملية وحتى يكون فعالا ينبغي أن يتخذ تحت البند السابع لميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح فرض عقوبات واستخدام القوة في حال لم يحترم مضمون القرار.
لا يثير القرار الأممي مخاوف كبيرة لدى الجانب الإسرائيلي على المستويين الرسمي والشعبي، لأن القرار هو في الواقع تكرار لما ينص عليه ميثاق جنيف الرابع التي تعتبر المستوطنات انتهاكا للقانون الدولي. ومع ذلك يحمل القرار دلالة من شأنها إثارة قلق مبطن لدى الإسرائيليين فهو يوقف الدعم لخطوات راهنة ومستقبلية ضد إسرائيل منها ما يتعلق على سبيل المثال بمحكمة الجنايات الدولية التي تقوم منذ عام بتداول وفحص أولي للسؤال إذا كانت هناك حاجة لفتح تحقيق ضدها بسبب البناء الاستيطاني. القرار الأممي الجديد يوفر أساسا ودفعة قوية في اتجاه اتخاذ هذه المحكمة قرارا بفتح ملف التحقيق. ويعي الجانب الإسرائيلي أن القرار الأممي بتجريم الاستيطان من شأنه أن يشجع دولا كثيرة على التمييز بين إسرائيل ومستوطناتها في الضفة الغربية المحتلة خاصة خلال 2017 وهو العام الذي تصادف فيه الذكرى الخمسون للاحتلال الثاني. هذا من شأنه أن يشمل قرارات عملية على شكل وقف استثمارات في مواقع إسرائيلية داخل الضفة الغربية ووقف استيراد منتوجات استيطانية. كما ينبع قلق الجانب الإسرائيلي من إدراكه أن القرار الأممي ينتج جوا جديدا فيه يصطف المجتمع الدولي بصوت واحد ويخرج بطاقة تحذير صفراء لإسرائيل وهذا يعني تقليص هامش مناورتها السياسية مقابل إجماع عالمي واضح بما يتعلق بالاستيطان.
في المقابل لا تخشى إسرائيل من تغيير الموقف الاستراتيجي للولايات المتحدة جراء امتناعها عن التصويت في مجلس الأمن وبالتالي تمكينه من قرار يجرم الاستيطان. فمنذ 1967 اتخذت الأمم المتحدة 47 قرارا حول الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وسمح كافة الرؤساء الأمريكيون السابقون باتخاذ هذه القرارات. على سبيل المثال أتاح رونالد ريغان وحده اتخاذ 21 قرارا دون استخدام حق النقض الفيتو وكذلك جورج بوش الأب (9 قرارات) وجورج بوش الابن(6 قرارات). كما أن قرارا مماثلا لقرار تجريم الاستيطان الأخير اتخذ عام 1980 ومن وقتها تضاعف عدد المستوطنات والمستوطنين عدة مرات حتى بلغ اليوم نحو نصف مليون مستوطن في 125 مستوطنة وفي 100 بؤرة استيطانية. وباراك أوباما نفسه كان الرئيس الأمريكي الوحيد الذي منع في الماضي (عام 2011) اتخاذ قرار مماثل باستخدام سفيرة واشنطن حق النقض الفيتو. لن يتمكن الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب وهو صديق شخصي لنتنياهو من إلغاء قرار مجلس الأمن بتجريم الاستيطان، فهذا يحتاج لقرار أممي جديد، بيد أنه يستطيع تقليل تبعاته وانعكاساته. وثمة رسالة يستبطنها تصريح ترامب الذي هاجم القرار الأممي مفادها أن مهاجمة إسرائيل على خلفية استيطانها أمر غير مستحب وتنظر له واشنطن بعين السوء. على الأقل إسرائيل لا تواجه عزلة حقيقية على الأرض في العالم رغم حملات المقاطعة ولا مجال للمقارنة بينها وبين جنوب افريقيا التاريخية يوم قاطعها وعاقبها العالم على نظام الفصل العنصري المعتمد من طرفها. والاختلاف يكمن بالحقيقة أن دولا كثيرة معنية بالعلاقات مع إسرائيل في المستوى الدبلوماسي والتجاري والتبادل العلمي والثقافي من بينها الصين والهند ودول في افريقيا والشرق الأقصى. ولذا فإن تصويت الدول الصديقة لإسرائيل لجانب قرار تجريم الاستيطان يبعث رسالة لها تقول إنها دولة صديقة لكنها لا تستطيع التسليم مع واقع يعدم تسوية القضية الفلسطينية منذ 50 عاما.
وفي المقابل يبدو أن الرد الإسرائيلي الرسمي الغاضب مرتبط أيضا وبقوة بالحسابات والتجاذبات الداخلية، حيث انقضت المعارضة على الفرصة ووظفتها لمهاجمة نتنياهو وتحميله مسؤولية فشل دبلوماسي تم تضخيمه من قبلها كي تضخم الضرر اللاحق به وبشعبيته في محاولة لتقصير المسافة نحو إسقاطه من الحكم.
وعلى هذه الخلفية يقلل خبير الخرائط والاستيطان د. خليل التفكجي من أهمية القرار ويستذكر قرارات وإدانات سابقة ظلت دون أي رصيد من الفعل. وردا على سؤال «القدس العربي» يقول «اتخذت في السابق سلسلة قرارات دولية منذ العام 1967 وآخرها قرار 465 في ثمانينيات القرن الماضي، وكانت هناك إدانات لقضية الاستيطان، وكان رد الفعل الإسرائيلي وضع مخطط استيطاني لكل مناطق الضفة الغربية بحيث أصبح الاستيطان من وجهة نظر إسرائيلية أمرا شرعيا». ويرجح أن قرار مجلس الأمن إدانة مجردة من أي فعل على أرض الواقع، وهو قرار ضمن سلسلة قرارات اتخذت منذ العام 1967 التي لا تقدم ولا تؤخر.
وعن ردود الفعل الإسرائيلية على القرار يتفق توفكجي مع التقدير إنها ردود مسرحية في حين تواصل وتوغل بالاستيطان، أي أنها تتظاهر بالاستياء والغضب وتسعى للابتزاز أو تسعى أيضا لردع دول أخرى من المشاركة بالتصويت على قرارات مستقبلية مماثلة.

هل تخشى إسرائيل حقا قرار تجريم الاستيطان؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية