الناصرة ـ «القدس العربي»: ينقسم السياسيون والمحللون الإسرائيليون حول الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري وعلى امتناع سفير واشنطن في الأمم المتحدة عن التصويت على قرار إدانة الاستيطان.
ورغم أن وسائل الإعلام الإسرائيلية نسبت لبعض الوزراء موقفهم الرافض لحملة بنيامين نتنياهو على إدارة باراك أوباما بيد أن أحدا من هؤلاء لم يخرج للنقد العلني وبالتالي فقد انقسمت الحلبة السياسية الإسرائيلية بين ائتلاف وبين معارضة حيال مواقف البيت الأبيض والحملة الإسرائيلية الفظة عليه.
وأصيب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بحالة هستيريا دبلوماسية غير مسبوقة بعد تصويت مجلس الأمن لصالح قرار تجريم الاستيطان واتخذ عدة خطوات تصعيدية من المرجح أن تضر بإسرائيل في الساحة الدولية. وواصل نتنياهو تذكيره الوزراء بسلسلة تعليمات يعتبرها ردا على القرار، بدأت باستدعاء سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن لمحادثات «توبيخ» من قبل وزارة الخارجية، وبعدها أمرهم بعدم السفر إلى الدول التي صوتت لصالح القرار، كذلك ألغى لقاءات مع عدة رؤساء، كان آخرها إلغاء لقاء مع رئيسة حكومة بريطانيا، تريزا ماي. كذلك انفلت وزراء إسرائيليون ضد وزير الخارجية الأمريكية، وقال وزير الطاقة، يوفال شطاينيتس، إن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، ووزير خارجيته كيري يعيشان في «فنطازيا» ويعملون مع المجتمع الدولي من أجل معاقبة إسرائيل. وقال رئيس كتلة «البيت اليهودي» ووزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، إن «كيري اقتبس أقوالي ثلاث مرات دون ذكر اسمي من أجل أن يظهر أننا نعارض دولة فلسطينية. صحيح، طالما أن الأمر يتعلق بي، لن نقيم دولة إرهاب أخرى في قلب البلاد». وكان وزير السياحة ياريف ليفين أكثر وقاحة بقوله إن خطاب كيري تضمن كلمات كثيرة وفهما ضئيلا جدا للواقع، وأنه دهور مكانة الولايات المتحدة في العالم في كل مكان عمل فيه. وزعم ليفين أن «خطاب كيري هو جائزة للإرهاب الفلسطيني وتجاهل مطلق لحقنا بالبلاد». في المقابل كان رئيس المعارضة وكتلة المعسكر الصهيوني يتسحاق هرتسوغ أكثر واقعية باعتباره أن خطاب كيري يعبر عن قلق حقيقي لأمن ومستقبل إسرائيل، وأنه كان وما زال صديقا لإسرائيل. كذلك قالت رئيسة حزب ميرتس، زهافا غلئون، إن كيري مرر رسالة واضحة لحكومة إسرائيل وبموجبها أن المستوطنات هي عبوة ناسفة في أي تسوية مستقبلية لحل الدولتين ولاستمرار وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية.
صهيوني بامتياز
وهكذا في الساحة الإعلامية إذ اعتبر قسم من المحللين الإسرائيليين أن كيري محق وأن خطابه «صهيوني» بامتياز، والقسم الآخر، اليميني، استهزأ بكيري وخطابه. لكن اللافت أن المحللين الذين اعتبروا أن كيري محق أكدوا أيضا على أن حل الدولتين مات، أو «دخل في حالة جمود» كما فعل ناحوم برنياع في صحيفة «يديعوت أحرونوت».
وكتب برنياع أن «حل الدولتين مات فعلا، أو أنه دخل في حالة جمود عميقة، وفقط بإمكان ظروف غير عادية، أو مأساة رهيبة أن تعيده إلى الحياة. وقد أقام كيري نصبا تذكاريا لحل، ولم يقدم وصفة لحل». ورأى برنياع أنه «مثل كثيرين قبله، يعيش كيري بشعور أن الاتفاق قاب قوسين أو أدنى، وكل ما يحتاج إليه الجانبين (الإسرائيلي والفلسطيني) هو مسار ملائم، مبادئ، معايير، وسيحل السلام». من جانبه، استغرب المراسل والمحلل السياسي في صحيفة «هآرتس» باراك رافيد، الهجوم على أوباما ثم على كيري، واصفا خطاب الأخير بأنه «صهيوني» لأنه يمثل مواقف إسرائيلية سابقة، وليست مواقف حكومة اليمين المتطرف الحالية.
وتبنى رافيد دعاية إسرائيلية رسمية تزعم أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وكذلك الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، رفضا الموافقة على حل سلمي. رغم ذلك أشار رافيد إلى أن كيري اعتبر أنه في نهاية أي تسوية فلسطينية ـ إسرائيلية يتعين على الفلسطينيين أن يعترفوا بإسرائيل على أنها «دولة يهودية». واعتبر المحلل السياسي في صحيفة «معاريف» بن كسبيت، أن القرارات الأخيرة التي صادقت عليها مؤسسات الأمم المتحدة، مثل قرار اليونسكو أن حائط البراق هو منطقة محتلة، والقرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن مؤخرا، سببها نتنياهو والسياسة التي انتهجها بخصوص المناطق المحتلة، وخاصة محاولة سن «قانون التسوية» لشرعنة الاستيطان. واستهزأ بوعاز بيسموت، محلل الشؤون الدولية في صحيفة «يسرائيل هيوم» المقربة من نتنياهو، بكيري وخطابه. وكتب أن هذا كان خطابا لناشط في بتسيلم (المنظمة الحقوقية الإسرائيلية).وبالكاد قال هؤلاء المحللون شيئا ذي معنى، فالغالبية الساحقة من الإسرائيليين لا حكومتهم فحسب تعارض أي انسحاب إسرائيلي من القدس المحتلة.
وإذا تحدث كيري عن إقامة دولة فلسطينية مع تبادل أراضي، أي ضم إسرائيل الكتل الاستيطانية إليها، فإن الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين لا يتخيلون إمكانية إخلاء مستوطنات معزولة تقع خارج الكتل الاستيطانية، ويسكنها قرابة 80 ألف مستوطن. كذلك فإن الحديث عن حدود لإسرائيل تراعي أمنها، لا معنى له سوى مواصلة الاحتلال أو حصول الفلسطينيين على فتات دولة. كما أن الحديث عن أمن إسرائيل، وخاصة من جانب الإسرائيليين، يعني أن هذه الدولة تؤمن باستمرار عدوانيتها، كدولة احتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتعكس مواقف الساسة والمسؤولين الإسرائيليين العقلية الإسرائيلية بصورة عامة التي ترى أن بالإمكان استمرار الاحتلال والحكم العسكري على الفلسطينيين إلى الأبد. وبالطبع هناك حالات شاذة أبرزها المحلل شمعون شيفر الذي قال إن حملة إسرائيل الرسمية على إدارة براك أوباما هي تجسيد لنكران الجميل، لافتا لمحاولاتها انقاذها من نفسها وللمعونات السخية (38 مليار دولار) المقدمة لها بالعقد المقبل ناهيك عن الحماية الدبلوماسية في الأمم المتحدة والعالم.