نيويورك (الأمم المتحدة)ـ «القدس العربي»: إذا أردت أن تعرف قيمة القرار الذي اعتمده مجلس الأمن يوم الجمعة الماضي بتاريخ 23 كانون الأول/ديسمبر 2016 تحت رقم 2334 (2016) فما عليك إلا أن تتابع رد الفعل الإسرائيلي الذي خرج عن كل طور وتحول نتنياهو إلى ثور هائج يريد أن يبقر بطون الدول الخمس عشرة بما في ذلك الحليف الأكبر الولايات المتحدة. بل ذهب الشطط في الكيان إلى أن يتهم أوباما بأنه وراء القرار وانه إنما يريد أن يوجه صفعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي ردا على الصفعات العديدة التي وجهها له وخاصة خطابه في الكونغرس الأمريكي دون إذن من أوباما وهي سابقة في التاريخ المعاصر أن يسـمح لقائد أجنبي أن يلقي خطابا ضد رئيس البلاد في مقر البرلمان.
لكن الحقيقة مخالفة للدعاية الإسرائيلية، فمشروع القرار صاغه أولا الوفد الفلسطيني لدى الأمم المتحدة منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي وتم تعميمه على المجموعة العربية وعرض على اللجنة الرباعية العربية وأدخلت عليه تعديلات عديدة بعضها ليس بالضرورة يتفق مع الطرح الفلسطيني لكن الهدف كان لحشد أكبر عدد ممكن من المؤيدين. وكان مشروع القرار سيطرح أثناء الرئاسة الروسية لمجلس الأمن في تشرين الأول/أكتوبر ثم بناء على نصائح من بعض الأصدقاء تم تأجيله لشهر تشرين الثاني/نوفمبر أثناء الرئاسة السنغالية، وعندما تبين أن هذا التأجيل قد يؤثر على الزخم الذي يحظى به مشروع القرار إذا ما أجل لما بعد نهاية العام أصر الوفد الفلسطيني على طرحه للتصويت خلال رئاسة إسبانيا في شهر كانون الأول/ديسمبر خاصة وأن تركيبة المجلس ستتغير في بداية العام الجديد حيث ستخرج من عضويته خمس دول تعتبر مناصرة للحق الفلسطيني وهي فنزويلا وماليزيا ونيوزيلندا وإسبانيا وأنغولا. إذن تقرر طرح مشروع القرار للتصويت ووضعته مصر باللون الأزرق يوم الأربعاء 21 كانون الأول/ديسمبر للتصويت عليه يوم الخميس. وعندما تأكدت إسرائيل أن إدارة أوباما لن تستخدم الفيتو قطعوا الطريق مباشرة إلى الرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي بدوره اتصل برئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي وطلب منه سحب المشروع في اللحظة الأخيرة. وجهت الدول الأربع مذكرة مساء الخميس للوفد المصري تطالبه بتفسير سحب مشروع القرار قبل التصويت وتؤكد المذكرة أن الدول الأربع في حالة لم تتراجع مصر عن سحب مشروع القرار ستقوم بتبنيه وتقديمه للتصويت باسمها. وهكذا كان وحصل القرار كما هو معروف على 14 صوتا إيجابيا بينما اختارت الولايات المتحدة الامتناع عن التصويت كي تسمح لمشروع القرار أن يعتمد.
القرار من الناحية القانونية
من حيث المبدأ، كل قرارات مجلس الأمن ملزمة للدول الأعضاء حسب المادة 25 من الفصل الخامس من الميثاق والتي تنص على: «يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق». وليس لأي دولة الخيار في ضرب قرارات مجلس الأمن عرض الحائط. وأي دولة يصدر بحقها قرار تتلكأ أو ترفض تنفيذه تكون في حالة انتهاك للقانون الدولي ويستطيع مجلس الأمن أن يعود ليناقش الموضوع ويتخذ إجراءات قاسية ضد تلك الدولة. وهذا ينقلنا إلى فصل آليات الانفاذ أو الفرض الواردة في الميثاق وهو الفصل السابع والذي يضم مجموعة من الإجراءات العقابية تبدأ باستخدام وسائل عقابية دون استخدام القوة مثل العقوبات الاقتصادية ووقف المواصلات والاتصالات وقطع العلاقات الدبلوماسية وانتهاء باستخدام القوة العسكرية. الفيتو الأمريكي هو الذي شكل شبكة حماية لإسرائيل لتنتهك القانون الدولي مرارا وتكرارا وبشكل متواصل ومتراكم دون خشية من عقاب أو إجراءات رادعة عكس ما حصل في الكثير من الدول مثل العراق وإيران وكوريا الشمالية والسودان ويوغوسلافيا السابقة وليبيا وليبيريا والصومال وغيرها. وللعلم فلا توجد دولة في العالم انتهكت القانون الدولي مثلما فعلت إسرائيل وعلى رأس هذه الانتهاكات احتلال الأراضي العربية الذي بدأ على إثر حرب حزيران/يونيو 1967 لكنها بقيت في مأمن من العقوبات، ولذلك تمادت كثيرا وأصبحت تتوقع أن العالم سيؤيد احتلالها للأراضي العربية ويؤيد بناء المستوطنات والجدار وضم القدس دون احتجاج وإلا فالتهم من استهداف إسرائيل ومعاداة السامية إلى انحياز الأمم المتحدة للإرهاب وإلى آخر تلك التهم جاهزة.
ويشير القرار في ديباجته إلى اتفاقية جنيف الرابعة ومبدأ عدم الاستيلاء على الأراضي بالقوة، ويشير إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر بتاريخ 9 تموز/يوليو 2004 حول الاستيطان والجدار العازل وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني كما يشير إلى أن الاستيطان يعتبر انتهاكا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
كما لا يترك القرار أي شك في أن القــدس الــشــرقية مــشـمــولة في الأرض المحــتـــلة من الناحية الــقـانونية وأن محــاولات إسرائيل خداع العالم أن القدس عاصمة إسرائيل الأبدية الموحدة أمر غير قانوني ولا ينطلي على أحد.
هذه الإشارات جميعها تشكل رزمة متكاملة من الانتهاكات للقانون الدولي يمكن أن تساعد في طرح ملف قضية الاستيطان أمام المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها جريمة حرب، إذ إن الاستيطان والاستيلاء على الأرض بالقوة يؤدي إلى تغيير التركــيـــبة السكانية والجغرافية والاجـتــماعية للأراضي الواقعة تحت الاحتلال وبالتالي تعتبر انتــهــاكا لاتــفــاقية جنيف الرابعة وتعامل على أنها جرائم حرب.
من الناحية السياسية
هذه ليست المرة الأولى التي يعتمد فيها مجلس الأمن قرارا حول الاستيطان، فقد اعتمد القرار 446 (1979) والقرار 452 (1979) والقرار 265 (1980) كما نصت خريطة الطريق على وقف الاستيطان والقرار 1515 (2003) الذي شرعن حل الدولتين وغيرها الكثير. لكن لهذا القرار أهمية خاصة للأسباب التالية:
1. لم يعتمد مجلس الأمن أي قرار حول فلسطين منذ قرار وقف إطلاق النار في غزة بتاريخ 9 كانون الثاني/يناير 2009. وقد فشلت محاولة طرح مشروع قرار ضد الاستيطان عام 2011 لأن الولايات المتحدة استخدمت الفيتو. كما جرت محاولة أخرى لاعتماد قرار يحدد إنهاء الاحتلال بعد ثلاث سنوات وطرح للتصويت بتاريخ 30 كانون الأول/ديسمبر 2014 ولم يحصل إلا على ثمانية أصوات إيجابية فسقط دون حاجة لاستخدام الفيتو. لذلك فإن هذا النجاح يعتبر نصرا معنويا للفلسطينيين وكسرا للجمود الذي أصاب مجلس الأمن منذ 8 سنوات.
2. اعتمد القرار بشبه اجماع. وتصويت الولايات المتحدة بـ «امتناع» يعتبر سفينة نجاة للأربعة عشر صوتا الأخرى. أي أن هناك اجماعا عالميا على رفض السياسة الإسرائيلية بلا استثناء بما فيها الدول الصديقة لإسرائيل مثل فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وروسيا واليابان. إن حجة التحيز لفلسطين والاصطفاف ضد «الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» أقل ما يقال فيها إنها سخيفة.
3. توقيت القرار مهم حيث يضع صخرة كبيرة أمام مرحلة ترامب المقبلة والتي تتحدث عن التغاضي عن موضوع الاستيطان. فكيف لرئيس دولة لم تعترض على قرار يحرّم الاستيطان تقوم بانتهاك فاضح للقانون الدولي مخالفا لسياسات كل الإدارات الأمريكية منذ عام 1967 وحتى الآن؟
4. كما أن توقيت القرار مهم بالنسبة لمحاولة الكنيست الإسرائيلي، بضغط من المستوطنين وممثليهم، شرعنة البؤر الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وقد نجح الاقتراح في قراءته الأولى. فإذا أعيد الاقتراح للتصويت ثانية وثالثة عليه فقد يكون الأمر أصعب أو أن الانتهاك للقانون الدولي يصبح أوضح.
5. هذا القرار يعطي دفعة معنوية لنشطاء المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات (بي دي إس). وسيشجع أصوات السلام في الولايات المتحدة وأوروبا لتكثيف جــهــودهم وعزل إسرائيل الـــبــاغـــية المتــعــجرفة والقائمة على العدوان والفصل العنصري وبالتالي إعادة تجربة هزيمة دولة الأبارتهايد في جنوب افريقيا.
6. الآن يستطيع العالم استنادا إلى هذا القرار وقف التعامل مع منتوجات وصناعات المستوطنات لأنــهــا غير شـــرعيــة وغير قانونية إذ إن القرار يفرق بكل وضوح بين الأراضي ما قبل 4 حزيران/يونيو 1967 وبين الأراضي المحتلة.
7. إن هذا القرار يجعل مسألة نقل العاصمة الإسرائيلية من تل أبيب إلى القدس، كما وعد ترامب أصعب، إذ إنه واضح في إعطاء صفة الأرض المحتلة للقدس الشرقية.
وأخيرا إن هذا القرار سينضم إلى مئات القرارات التي تملأ الأرشيفات إذا لم يتم استغلاله وتحويله إلى برنامج نضالي عملي واقعي يهدف إلى تجريم الاستيطان وعزل إسرائيل دوليا والتوسع في برامج المقاطعة وحشد الجهود الفلسطينية والعربية والإسلامية ومحبي السلام والأصدقاء لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية الحرة المستقلة والمترابطة مع ضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
عبد الحميد صيام