«القدس العربي»: تزداد عملية تحرير مدينة الباب، شرق حلب، التي تنفذها فصائل «درع الفرات» بدعم الجيش التركي، صعوبة، خصوصاً بعد تعزيز تنظيم «الدولة» لقواته بقوة كبيرة من جند الخلافة، فضلاً عن استخدامه عددا كبيرا من الصواريخ المضادة للدروع.
تعثر العملية الذي يتكرر للمرة الثانية خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر، يأتي تزامناً مع أنباء عن بدء الطائرات الروسية بتنفيذ غارات مساندة لفصائل المعارضة، في الباب، وذلك عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرم الخميس الفائت برعاية أنقرة وموسكو. هذه المعطيات، ربما تغير من الوقائع الميدانية لصالح القوى المهاجمة.
وفي معركة السيطرة على جبل الشيخ عقيل الاستراتيجي، وحدها، خسرت القوات التركية 16 جندياً.
الجبل الواقع غرب المدينة، هو عبارة عن عدة تلال متلاصقة تشرف على الأحياء الشمالية والغربية والجنوبية.
واستطاع مقاتلو تنظيم «الدولة» في المعركة نفسها تدمير دبابة وناقلة جند، وبثت وكالة «أعماق» شريطا مصورا يظهر سيطرة التنظيم على دبابة من نوع ألماني يستخدمها الجيش التركي.
تنظيم «الدولة» يستخدم أيضاً، المدنيين دروعا بشرية، وفق فصائل «درع الفرات» و«القيادة العامة لمدينة الباب التي ناشدت المدنيين، في بيان «ضرورة الالتزام بندائها الأخير وخروجهم من المدينة بأقصى سرعة ممكنة حفاظاً على سلامتهم والتوجه إلى الريف والقرى المجاورة لفترة مؤقتة حتى تكتمل عملية التحرير، فالأيام المقبلة ستكون خطيرة عليهم في حال بقائهم في المدينة».
ويرجع الإعلامي في «درع الفرات»، عمر الشمالي، أسباب صعوبة العملية لـ«استخدام التنظيم لعدد كبير من الصواريخ المضادة للدروع، والتحصين الهندسي من ألغام وسواتر وأنفاق، إضافة لاستخدامه الكلور ضد مقاتلي درع الفرات».
وأشار لـ»القدس العربي» إلى أن «ما يؤخر السيطرة على الباب هو منع تنظيم الدولة المدنيين من مغادرة المدينة وتفخيخ كل الطرق الزراعية في وجههم وأخذه كامل المدنيين دروعا بشرية في وجه قوات درع الفرات».
ومنع تنظيم «الدولة» خروج أهالي الباب أو الفرار جنوباً من المعارك الحاصلة في المدينة، وزاد عدد الألغام المزروعة حول المدينة لمنع الهاربين من العبور.
ووثقت تنسيقية الباب، مقتل 15 مدنياً خلال أسبوع، من الـ22 وحتى الـ28 من شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي.
كما تسببت قوات «درع الفرات» في مقتل نحو 100 شخص من المدنيين في القصف على مدينة الباب، وقطعت هذه القوات الطريق المؤدية إليها، وأحكمت سيطرتها على طريق حلب – الباب من الجهة الغربية الجنوبية وكامل منطقة الصوامع.
كذلك سيطرت على طريق الباب – منبج من الجهة الشرقية. وأتبعت استراتيجية الحصار وتقطيع الطرق هذه، خشية انسحاب تنظيم «الدولة» المفاجئ من بعض المناطق وتسليمها لقوات سوريا الديمقراطية، في محاولة وضع عدوَيه في مواجهة بعضهما البعض.
هذا التكتيك اتبعه التنظيم منذ بدء عملية «درع الفرات»، عندما قام بسحب مقاتليه من منطقة جرابلس وترك فصائل «الدرع» تتقدم جنوباً لتواجه قوات سوريا الديمقراطية ومقاتلي مجلس جرابلس العسكري التابع لها. من جهة أخرى، أرسل التنظيم نحو 500 مقاتل من أفراد ما يُعرف بـ«جند الخلافة» من الأراضي العراقية إلى مدينة الرقة. وكان مصدر خرج من مدينة الرقة إلى مناطق سيطرة المعارضة في إدلب حديثا، قد أفاد في حديث إلى «القدس العربي» أن التنظيم «أرسل مؤازرة كبيرة من جند الخلافة إلى مدينة الباب، وأرسل باقي المقاتلين إلى مدينة تدمر».
إلى ذلك، قصفت المقاتلات الروسية منطقة جنوبي الباب بالقرب من بلدة تادف، في سابقة من نوعها تدل على تنسيق عال بين القوات الروسية والجيش التركي، وهي رسالة يريد الروس من خلالها التعبير عن حجم التفاهم السياسي والعسكري الكبير بين البلدين. كذلك، هي رسالة إلى كل من إيران بشكل مباشر، وأمريكا وحلف الناتو بشكل غير مباشر وعلى المدى الاستراتيجي البعيد. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرغب في إنهاء التفاهمات مع تركيا سريعا بخصوص الوضع في سوريا، وترسيخ أفق الحل السياسي برعاية مشتركة مع تركيا قبل تسلم دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة رسمياً.
ومن غير المستبعد، أن تقوم روسيا بمساندة الجيش التركي جويا ولوجستيا وفي عمليات نزع الألغام.
الخطوة هذه ربما ستلقى ترحيباً أيضاً من «درع الفرات» في حال استطاعت موسكو ضــبــط قـــوات النــظام والميليشيات الإيرانية وإلزامهم بوقف إطلاق النار ومنع خرقه، باعتبار أنها الجهة الضامنة لطرف النظام.
وتعتبر مدينة الباب تحديا كبيرا لتركيا، كونها أتت في سياق التفاهمات التركية ـ الروسية التي تقضي بالسيطرة التركية عليها مقابل إجلاء مدنيي حلب. وكانت قد وُجهت إلى تركيا اتهامات كثيرة من معارضين سوريين ومحللين سياسيين، مفادها أن أنقرة قايضت حلب الشرقية بمدينة الباب، مقابل منع روسيا قوات النظام من التقدم على محور كويرس ـ تادف، الذي يعتبر المدخل الجنوبي لمدينة الباب، وإطلاق يد تركيا و«درع الفرات» مقابل ضغط أنقرة على فصائل حلب الشرقية للخروج منها.
وتجمع الطرفين، الروسي والتركي، رغبة إلحاق هزيمة بوحدات حماية الشعب الكردية، فروسيا تريد تقويض الحليف الأمريكي الكبير في سوريا، بينما تريد تركيا إبعاد شبح قيام أي إقليم كردي على حدودها الجنوبية، الأمر الذي تعتبره تركيا خطرا على أمنها القومي.
ولا شك أن المراقب لتطور العلاقات يعرف أن تركيا تريد جر روسيا إلى منطقة شمال حلب، كي لا تتحمل النقمة الأمريكية، بل تشاطرها روسيا في مواجهة الأمر. كذلك فإن هذا التطور سيخفف على تركيا ويلات طرد وحدات حماية الشعب الكردية من منطقة منبج.
منهل باريش