المعركة من اجل السيطرة على حلب، المدينة الثانية من حيث أهميتها في سوريا، ستنتهي بانتصار قوات الأسد بدعم تحالف روسيا ـ إيران ـ حزب الله والقوات الشيعية التي تقوم إيران بتحريكها. بالنسبة للمعركة، يسود شعور لدى القوات المناهضة للأسد بـ «الخيانة الكبرى» التي تعني الحصار والتجويع وقصف المناطق المأهولة وقتل مئات المواطنين الابرياء واستخدام قنابل الكلور ضد التجمعات السكنية في ظل صمت العالم.
إن كل الذين وعدوا بالتغيير في سوريا لم يقفوا في ساعة الاختبار ـ الولايات المتحدة التي تعهدت بالحل السياسي الذي ينهي حكم الأسد، لا تحرك ساكنا. والقوات السنية التي تسيطر في المنطقة، السعودية وتركيا، التي تعهدت بأن تكون هناك سلطة للاغلبية السنية، رفعت أيديها أمام الصراع الذي تديره روسيا وإيران لانقاذ النظام العلوي برئاسة الأسد. والمجتمع الدولي الذي ترك الشعب السوري ولم يعمل على وقف سفك الدماء الذي تسبب بقتل حوالي نصف مليون انسان حتى الآن ولم يقم بمنع الكارثة الإنسانية الكبيرة.
والأهم من كل ذلك، فشل سياسة الولايات المتحدة في سوريا. ففي الوقت الذي يتحدث فيه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مع وزير الخارجية الروسي سرجيه لافروف في محاولة لصياغة حل، فإن الطائرات الروسية وراجمات الأسد تهز المنطقة المحاصرة وتصيب بدون تمييز المدنيين.
والولايات المتحدة اختارت تقييد تدخلها في سوريا لأنها لا تريد الغرق في مغامرة عسكرية اخرى في الشرق الاوسط، تؤدي بها إلى ارسال قوات برية. وقد رفعت أيديها عندما خاب أملها من قدرة المتمردين «المعتدلين» على الاتحاد. إن سقوط حلب في أيدي الأسد يشكل فشلا للقوى العظمى السنية ايضا. وتركيا، بسبب تقلب رئيسها اردوغان، غير مواظبة في سياستها، باستثناء كبح جهود الاكراد في سوريا لتوسيع مناطق سيطرتهم واقامة حكم ذاتي. وقد أهملت تركيا منظمات المتمردين السنة الاخرى، لا سيما التي تنتمي لجيش سوريا الحر، اثناء الاختبار الاكبر في حلب. وبالنسبة للسعودية، هي لا تنجح في ايجاد مسار آمن ودائم لتقديم المساعدة والسلاح للمتمردين. وبالنسبة للمعارضة في سوريا، هذا فشل ذريع لأنها لم تنجح في بلورة قيادة لها وتوحيد القوات التي تحارب ضد النظام وايقاظ العالم من اجل انقاذ الشعب السوري الذي يعاني.
اضافة إلى ذلك، سقوط حلب عمق الخلافات والفجوات بين المتمردين فيما بينهم، وبينهم وبين قيادة المعارضة السياسية. ولم يقم المتمردون في تشكيل جهاز للقيادة والسيطرة المشتركة في الحرب. وهنا يطرح سؤال ما هي الاهداف التي ستضعها المعارضة والمتمردون؟ هل سيتبنون النموذج الافغاني للقوات الموزعة والمتحركة التي تشوش قدرة النظام على خلق الاستقرار في سوريا؟ هناك اشارات في الميدان تشير إلى أن المتمردين يريدون مرحلة اخرى من المقاومة المتواصلة.
الأسد، في المقابل، لا يعتبر انتصار حلب نهاية لصراع البقاء الخاص به. في مقابلة مع صحيفة «الوطن» السورية قال إن السيطرة على حلب هي سحب الاوراق من أيدي المتمردين، لكنها ليست نهاية الحرب ضد الإرهابيين.
وحسب رأيه فإن المتمردين تمسكوا بشرق حلب بعد فشلهم في دمشق وحمص، وقد حصلوا هناك على المساعدة التركية بسبب قربهم من الحدود. إن تحرير حلب يعزز سيطرتنا مرورا بحماة وحمص وحتى دمشق، بما في ذلك المناطق العلوية على الشاطيء في الغرب. وحسب تقديره فإن منظمات المتمردين التابعة للاخوان المسلمين لن تتخلى عن الإرهاب.
روسيا من ناحيتها استنفدت التكتيك الذي يميز عملها في سوريا منذ أيلول 2015: استخدام القوة العسكرية الكثيفة، ايضا ضد المدنيين بلا رحمة، وفرض حقائق على الارض قبل الوصول إلى طاولة المفاوضات من موقع قوة. ومن اجل زيادة الضغط على المتمردين، قامت روسيا بتحييد قرار في مجلس الامن لوقف اطلاق النار في حلب لأهداف انسانية.
وبالتوازي مع المعارك تجري روسيا نقاشات سرية في اسطنبول مع ممثلي المتمردين لفرض شروطها عليهم. وأحد الامور الجوهرية هو الفصل بين المتمردين وبين جبهة فتح الشام. وقد وعد مبعوثو روسيا بأنهم سيسمحون للمتمردين الذين لم ينضموا لجبهة فتح الشام بالخروج الآمن إلى ادلب. ولكن يبدو أن المتمردين يعرفون أن مصير ادلب لا يختلف عن مصير حلب وأن التحالف المؤيد للأسد سيطاردهم هناك ايضا. وتهتم روسيا في محادثاتها مع المتمردين بالمرحلة القادمة وبكيفية السماح للجاليات المحلية بأن تعمل دون ضعضعة السلطة المركزية. ومن اجل ذلك تجري نقاشات مع القادة المحليين. وفي نفس الوقت تسعى إلى التوصل إلى تفاهمات مع المتمردين في جنوب سوريا انطلاقا من مبدأ أنهم إذا تنازلوا عن سلاحهم فلن يصابوا بأي أذى.
رئيس روسيا فلادمير بوتين يبذل قصارى جهده لانهاء المعركة في حلب قبل دخول الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، إلى البيت الابيض، وجعل سيطرة الأسد في الاماكن الحيوية حقيقة قائمة. وبنظرة واسعة، الولايات المتحدة تأخرت عن القطار. ولذلك يجب على الرئيس الأمريكي أن يقرر إما الاستمرار في السياسة الحالية وعدم فعل أي شيء، أو تغيير الاتجاه: 1- السعي إلى انشاء تحالف مع روسيا استنادا إلى محاربة الدولة الإسلامية والإرهاب. ويبدو أن ترامب يميل لهذا الاتجاه، حيث أشار إلى أنه مستعد لاعطاء بوتين الملف السوري. 2- تأييد نظام الأسد والاعلان عنه كمنتصر في الحرب ضد الإرهاب السلفي الجهادي. هذه الامكانية سيتم طرحها إذا تعهد الأسد بالامتناع عن تطهير معارضيه في اليوم التالي ودمج جيش سوريا الحر في الجيش السوري. 3- من ناحية المساعدات العسكرية سيكون على ترامب التقرير إذا كان سيتوقف عن مساعدة 80 منظمة للمتمردين تدربت على أيدي الـ سي.آي.ايه (50 ألف مقاتل) وحصلت على السلاح، لكن النتائج لم تكن كما هو متوقع. إذا قرر وقف أو تقليص المساعدات، فما الذي سيحدث لهذه المنظمات وهؤلاء المقاتلين، هل سيعودون إلى بيوتهم؟
بالتأكيد هم لن يتنازلوا عن سلاحهم. ومن المتوقع ان تستمر تركيا والسعودية بدعمهم.
4 ـ في السياق التركي الكردي، إذا تم ايجاد لغة مشتركة بين ترامب واردوغان، فهو لن يعارض وجود حزام أمني تركي على طول الحدود السورية التركية في غرب الفرات فوق الاراضي السورية.
5 ـ بالنسبة لشمال شرق سوريا ـ جنرالات جيش الولايات المتحدة ستوصي الرئيس بالاستمرار في محاربة الدولة الإسلامية ومساعدة الاكراد في السيطرة على الحسكة. فهناك تستطيع الولايات المتحدة وضع قوات وقواعد جوية حيوية لمحاربة داعش، الذي أشار إلى أنه لا زال قائم وعلى قيد الحياة، حيث استغل تركيز الجميع على المعركة في حلب من اجل اعادة السيطرة على مناطق في تدمر التاريخية.
إن الاختبار الفوري للرئيس ترامب سيكون المعركة على الرقة، عاصمة الدولة الإسلامية في سوريا، حيث سيقرر إذا كانت الولايات المتحدة ستدفع القوات الكردية والقوات الديمقراطية السورية التي أقامتها الولايات المتحدة من اجل السيطرة على المدينة قبل أن تفعل ذلك قوات الأسد، أم ستسمح سيطرة قوات الأسد على الرقة وتعزيز صورة الأسد كمحرر لسوريا من تنظيم الدولة الإسلامية وكمنتصر على الإرهاب السلفي الجهادي. في هذا السياق من المهم القول إنه في المرحلة الحالية إن الاتجاهات الاستراتيجية السياسية لادارة ترامب غير واضحة، رغم أنها ستمنح كما يبدو الوزن الكبير للاستراتيجية العسكرية.
بالنسبة لإسرائيل، يحتمل أنه بعد سقوط حلب، ستحاول قوات الأسد وبتشجيع من إيران وحزب الله، نقل الجهود إلى جنوب سوريا للسيطرة على المناطق التي يسيطر عليها المتمردون. وفي هذه الحالة ستدور الحرب قرب هضبة الجولان بمشاركة إيران وحزب الله. وهناك خطر بأن تتسلل الاحداث إلى داخل إسرائيل. وإسرائيل تقوم بفحص ما يحدث في سوريا في السياق الإيراني الواسع كجهة رئيسية تهدد إسرائيل. وإيران لم ترتدع عن ارسال قوات إيرانية ومليشيات شيعية للقتال إلى جانب الأسد. وهي تقوم بالتطهير العرقي للسنة في بعض المناطق في سوريا لتعزيز الجسر الشيعي من طهران إلى بيروت مرورا بسوريا. لذلك مطلوب من إسرائيل اعادة النظر في سياسة عدم التدخل في الحرب السورية لأنها ستجد صعوبة في التسليم بوجود إيران في هضبة الجولان. وسيكون عليها وضع خطوط حمراء واضحة مثلما فعلت في السابق. وبدون تطبيق هذه الخطوط لن تستطيع التأثير في المحيط المليء بالتحولات.
على إسرائيل أن تستمر في تقديم المساعدة للمواطنين السوريين في مجال الصحة والغذاء والوقود شريطة أن لا تسمح هضبة الجولان لأي جهة إرهابية بالعمل ضد إسرائيل. وعلى خلفية غياب حل للحرب الأهلية السورية، يجب أن يتم البناء من أسفل إلى اعلى كما فهمت روسيا، وهي تطبق ذلك في اتصالاتها مع رؤساء الجاليات المحلية. هكذا يجب على إسرائيل أن تفعل في جنوب سوريا، ولا سيما في هضبة الجولان، أي أن تؤيد اقامة مناطق مستقرة حتى لو لم يكن واضحا كيف سيكون الوضع النهائي.
نظرة عليا 1/1/2017