الشرق الأوسط: مع الوُجهة لموسكو

حجم الخط
0

قريبا من موعد تبادل الحكم في البيت الابيض، يستعد الشرق الاوسط لاستقبال الرئيس الجديد. لا، ليس بالضرورة أن الحديث عن دونالد ترامب، الرئيس المنتخب للولايات المتحدة، بل عن فلادمير بوتين، الرئيس الروسي الذي استغل اخطاء واخفاقات وضعف ادارة أوباما كي يحتل مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى رائدة وهامة في منطقتنا.
هناك حدثان هامان أكدا في الاسبوع الماضي، أكثر من أي شيء آخر، ليس فقط أن روسيا هي التي تحولت إلى صاحبة البيت الجديدة في المنطقة، بل ايضا تصرف روسيا بمسؤولية، في الوقت الذي اصبحت فيه الولايات المتحدة على الهامش وهي تتصرف بشكل صبياني وعاطفي.
عشية رأس السنة المدنية الجديدة نجحت روسيا في بلورة اتفاق لوقف اطلاق النار في سوريا، حيث أن معظم اللاعبين في سوريا يشاركون في ذلك، ومن بينهم إيران وتركيا. وكذا النظام السوري ايضا، ومعظم الجماعات المتمردة. ويمكن القول إن الاتفاق الآخذ في التبلور ليس اتفاقا عادلا، ولن يمنح ملايين السوريين الحرية والديمقراطية التي من اجلها بدأوا بالثورة ضد نظام بشار الأسد. وواضح ايضا أنه بدون التدخل العسكري الروسي، وبدون القصف المنهجي لمناطق واسعة في الدولة، لم يكن باستطاعة موسكو الوصول إلى النتيجة التي تريدها، وهي تحطيم قوة المتمردين والابقاء على وجود الدولة السورية بقيادة الأسد في اجزاء واسعة من سوريا. ولكن الحقيقة هي أن روسيا كانت مستعدة للعمل بتصميم وهجومية واظهار القوة العسكرية واستخدامها، الامر الذي امتنعت الولايات المتحدة عن فعله.
لقد أثبتت روسيا بذلك أنها، خلافا للولايات المتحدة، تلتزم بأصدقائها وحلفائها. وأنها على استعداد لأن تمنحهم الدفاع والغطاء في المؤسسات الدولية وفي الميدان بدون تردد أو حساب.
لكن روسيا لم تظهر القوة العسكرية فقط، بل تحدثت مع العدو، أي تركيا والمتمردين، وأظهرت ضبط النفس والاستعداد للحل الوسط في لحظة الحقيقة، حيث كان يتوقع، بعد احتلال حلب التي هي المدينة الثانية من حيث حجمها في سوريا، أن يتم الاستمرار لحسم الحرب. هذا الاستعداد بالتصرف ليس كأزعر في الحي، بل كقوة عظمى مسؤولة، وفي نفس الوقت الاستعداد للدفاع عن مصالحها، هي التي مكنت من تحقيق اتفاق انهاء الحرب في سوريا.
هذا الاتفاق لا يبشر بانتهاء الحرب، لكنه بلا شك خطوة ايجابية في هذا الاتجاه. وقد تم تحقيقه بدون مشاركة واشنطن، لكن بموافقة تركيا التي هي حليفة واشنطن والتي تشعر الآن أنه من الافضل لها السير مع بوتين وليس مع أوباما.
في الساحة الإسرائيلية الفلسطينية ايضا عملت روسيا مثل مصر في محاولة لانقاذ الولايات المتحدة من نفسها. وزير الخارجية الروسي لافروف قال لجون كيري المحبط بأن روسيا لن تنجر إلى خطوات صبيانية وغير جوهرية من شأنها أن تضع عقبة في المستقبل أمام كل جهد لتحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.
يتبين أنه بحجم المسؤولية يكون حجم الحكمة والبلوغ الذي تعبر عنه روسيا في تعاملها مع الشرق الاوسط. طالما كانت المنطقة ساحة للصراع بين موسكو وواشنطن، فإن روسيا تتصرف في احيان كثيرة بالتحريض واستعراض القوة دون هوادة.
الآن وبعد تراجع الولايات المتحدة من المنطقة بدأت روسيا تتصرف بحكمة، وتفهم تعقيدات المنطقة ومشكلاتها الكثيرة. وأخيرا، في صراع «السايبر» بين موسكو وواشنطن اختار بوتين عدم الانجرار إلى المواجهة التي تهدف من ناحية أوباما إلى «اطلاق النار في جميع الاتجاهات» بسبب نتيجة الانتخابات في الولايات المتحدة، وكذلك الاشارة إلى ادارة ترامب أنه لا حاجة إلى المواجهة العلنية مع روسيا.
في 20 كانون الثاني/يناير سيدخل شخص جديد إلى البيت الابيض، هو دونالد ترامب، المصمم على اصلاح اخطاء أوباما واعادة الولايات المتحدة إلى ما كانت عليه في السابق. ولكن ترامب قد يكتشف أن الضرر الذي لحق بمكانة الولايات المتحدة في المنطقة لا يمكن اصلاحه، وأن بوتين أوجد حقائق على الارض من خلال استغلال ضعف الولايات المتحدة. وبالتالي يصعب إحداث التغيير.

إسرائيل اليوم 1/1/2017

الشرق الأوسط: مع الوُجهة لموسكو
أثبتت روسيا خلافا للولايات المتحدة بأنها تلتزم بأصدقائها وحلفائها
ايال زيسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية