حظر النائب العام المصري نبيل صادق يوم أمس الاثنين النشر في قضية رشوة مجلس الدولة وذلك بعد إلقاء القبض على المستشار وائل شلبي أمين عام مجلس الدولة المصرية السبت الماضي، عقب قبوله استقالته لاتهامه بما سماه الإعلام المصري «قضية الرشوة الكبرى»، ثم إعلان السلطات وفاته انتحارا داخل محبسه.
تحمل القضية عناصر كثيرة للجدل، منها طبعا حجم الأموال التي قالت السلطات إنها حجزتها، فحسب هيئة الرقابة الادارية المصرية، التي ألقت القبض الأسبوع الماضي على جمال اللبان، مدير المشتريات في المجلس المذكور، وبحوزته «مبالغ مالية ضخمة» في منزله، حصل عليها «عن طريق الرشوة والتربح واستغلال النفوذ»، وتضمنت المضبوطات «قرابة 24 مليون جنيه و4 ملايين دولار ومليوني يورو وقرابة مليون ريال سعودي وكمية كبيرة من المشغولات الذهبية والهدايا الأخرى»، وهي مبالغ كبيرة وخصوصا اذا اخذنا في الاعتبار مطالبات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للمصريين بالتقشف، وأنه هو شخصيا، لم يكن في ثلاجته على مدى عشر سنوات غير الماء.
حسب وكالات الأنباء فإن القاضي المستقيل كان قبل وفاته «انكر جميع الاتهامات التي وجهت له وقال إنها ملفقة»، وأن القوة المكلفة بحراسة رئيس مجلس الدولة المتوفى «اكتشفت انتحاره شنقا في شباك الغرفة بمحبسه»، وهذه التفاصيل والملابسات التي رافقت وفاة رئيس مجلس الدولة، ومن بعدها إعلان النائب العام حظر النشر في القضية، تفتح الباب واسعا للتساؤل في هذه القضية.
رئيس مجلس الدولة كان خبيراً بالقضاء ودهاليز الدولة المصرية، التي رأينا طرق اشتغالها في قضايا أكبر بكثير من «قضية الرشوة الكبرى»، ولا تتعلق بعشرات ملايين الجنيهات والدولارات واليوروات والريالات والمصوغات الذهبية، بل تتعلق بعشرات المليارات، قامت أجهزة الدولة والقضاء المصريين بالتصالح مع أصحابها، وقضايا أخرى تتعلّق بجهات «سيادية» كمجلس الرئاسة ووزارة الداخلية تم حلّها بشكل أو بآخر، وبالتالي فما الداعي لانتحار المتهم بعد ساعات من إنكاره التهم وزعمه تلفيقها ضده؟
الأخبار عن تسجيلات واعترافات يتناقص وزنها، ليس بسبب ما اعتدناه من حبكات الأجهزة الأمنية المعروفة التي تناطح الخيال في تناقضاتها وتشابهاتها أحيانا مع حبكات أفلام المقاولات، ولكن بسبب ترافقها مع قصة «الانتحار» صعبة الهضم (وبعدها حظر النائب العام للنشر)؟
هذه الملابسات «المزعجة» تفتح، بشكل تلقائيّ، الباب إلى فرضية لابد أنها جالت في عقول المصريين ممن راقبوا هذه الحلقة الجديدة من مسلسلات علاقة الفساد بأجهزة الدولة المصرية، وهي أن «قضية الرشوة الكبرى» ما كانت لتتم لولا مشاركة بعض المسؤولين الأكبر شأناً وسطوة فيها، وهذه المشاركة التي تعتبر «عقد تأمين على الحياة» لا تلبث أن تنقلب، حين يتصارع الكبار على الحصص، أو تكشف أحد الأجهزة الأمنية الأمر بالصدفة (أو بالقصد)، إلى قرار بالاعدام… شنقاً حتى الموت!
رأي القدس